نصوص ما بعد الورق

الخميس 2016/12/22

دخل الوسيط الإلكتروني الحياة العامة من أبوابها الواسعة في قرية العالم التي أصبحت في متناول اليد، واقتحم بطريقة مباشرة الحياة الثقافية بشكل لا يمكن التغاضي عنه أو تجاوزه، وأصبحت العلاقة شائكة في جانبها الإبداعي على وجه الخصوص، فمثل هذا الوسيط الذي ألغى عناوين النسب الأدبية من زاويتها الأبوية القديمة أصبح هو (الأب) اليومي الذي تمر من خلاله النشاطات الثقافية والإبداعية وأقصى النصوص الورقية السائدة لحقب وأجيال متعاقبة ليشكّل ما أسمته الباحثتان رواء نعاس محمد ورنا فرمان محمد (جامعة القادسية) بالنصوص ما بعد الورق الأدبية القصيرة، حينما قدمتا دراسة فنية رائدة في ضوء الوسيط الإلكتروني بإخضاع بعض النصوص الفيسبوكية لمثل هذه الدراسة تنظيرا وبحثا فنيا تحت طائلة من الأسئلة الكثيرة في ما قدمه (الوافد الجديد) من تسهيلات كثيرة عن تبلور نوع من الكتابة الأدبية القصيرة ذات السمة الشعرية التي تملأ مساحات واسعة من هذا الوسيط الجديد.

طبيعة الأسئلة تتبلور في ماهية علاقة النص الأدبي بمواقع التواصل الاجتماعي، وعلى وجه الخصوص موقع فيسبوك؟ وكيف نحدد القيمة الأدبية للنصوص التي تُنشر بشكل يومي في هذا المكان؟ وهل لهذا (الوافد) الجديد من مزايا وخصائص تميزه عن غيره من الكتابات – الشعرية بشكل خاص؟ وهل هو كتابة فورية كما نسميه؟ وهل تشكّل الجملة الشعرية منه قواما شعريا له إمكانية البقاء؟

ترى الباحثتان أن سمة “الأدبية” في نصوص ما بعد الورق هي الأكثر التصاقا بهذا النوع الجديد وأنها جديرة بأن تنتج مفاهيم جديد سواء على مستوى التسمية أو شروعها في إنضاج تجربة كتابة نص جديد، كتقنية إبداعية يمكن لها أن تنضج مستقبلا كالأدب الرقمي، وهو أمر ممكن أن يتبلور لاحقا كجنس أدبي يستقل بخصائصه عن الأجناس الأدبية المتعارف عليها كأدب تفاعلي يعد “مظهرا من مظاهر ما بعد الحداثة، إذ تربط هذه النصوص بالوسيط الإلكتروني الذي يتم من خلاله التعامل مع النص إنتاجا وتلقيا على أساس التغيير القسري الذي اقتحم إنتاج النصوص عبر هذه الوسائط مثلما أنتجت المتلقي الإلكتروني المتفاعل بعيدا عن سلطة الورق السابقة. وبالتالي قدمت الباحثتان في ضوء الوسيط الإلكتروني الجديد بحثا رائدا في مدى إفادة الأدب الفعلية من معطيات التقنيات الحديثة، إذ يؤكد البحث على أنَّ تقنية الفيسبوك- بوصفها أوسع أدوات التواصل الاجتماعي استعمالا – استقطبت الكثير من الكتّاب والقرَّاء بما تهيّئه من مساحة قادرة على احتواء النصوص الإبداعية والتفاعل معها.

محاور البحث الجديد وقفت في فضاء اللغة والتواصل، وهو محور تنظيري طويل نسبيا يتوصل إلى أنّ الشاشة الإلكترونية ستدخلنا في دورة جديدة من أدوار اللغة، في مسيرة العقل البشري الطويلة، ومحور الملامح العامة لنصوص فيسبوك يقف في ظاهرة السرعة بوصفها ملمحا مشتركا في مثل هذه الكتابات، فالقراءة سريعة والتلقي سريع والمعرفة سريعة والإشهار سريع، وبسبب هذا السرعة في هذا الفضاء صار الإنتاج سريعا أيضا، لكن مثل هذه النصوص التي تشتغل على (المغيّب والمحذوف) في فضاء القراءة تمكنت من كسر الصورة النمطية للمؤلف المبهم والمختفي وراء النص بتعبير الباحثتين، وبالتالي صارت العملية الإبداعية تحدث على مستوى أفقي واحد وفي وقت زمني واحد، إذ يتواجد المؤلف والمتلقي في زمن واحد، ولم يعد المؤلف غائبا عن نصه كما يحدث في النص الورقي. إضافة إلى ذلك فنصوص فيسبوك لها خاصية الاستمرارية مع الإيعازات الإلكترونية المتواصلة (التلقي الحشدي كما سمته الباحثتان) التي تتيح للمؤلف مراجعة نصه وتعديله بشكل فوري تبعا لتعليقات القارئ الافتراضي وآرائه التي تحدث على مدار الساعة، وهو ما لا يحصل في النص الورقي الذي يبقى جامدا ولا يمكن تعديله أو تغيير بعض مفرداته.

كاتب من العراق

14
مقالات ذات صلة