نصوص مفتوحة على الدهشة والحياة والفولكلور

في ظل تعدد الروايات التي تناولت المسألة الفلسطينية، وما يعانيه الشعب من ظلم وقهر لمسناهما في واقع تراجيدي مرير، ظهرت العديد من الأعمال الأدبية مخالفة لهذا التوجه وهذا النمط، سالكة نهجا جديدا ابتعد عن مواجهة الواقع ونقل التفاصيل اليومية، وهو ما طرح سؤالا جوهريا؛ ماذا يمكن أن يكتب روائي فلسطيني بعيدا عن قدر جماعي قاس، وحياة شعب مهجّر ومشرّد؟
السبت 2016/10/15
حاضر موصول بماض لا ينقطع

حظيت قبل عام، بفرصة الاطلاع على رواية الكاتب أسامة العيسة “قبلة بيت لحم الأخيرة”، قدمت إثرها قراءة أزعم أني فككت بها البعض من أسرار العمل، وخرجت باستنتاج خاص، هو أن العيسة يكتب بمزاج خاص به وحده، وبأسلوب استطاع ابتكاره عبر مشواره الطويل بين القصة والرواية والتحقيق الصحافي، زوّجه بأفكاره الخاصة ومبادئه ورؤيته للأرض والقضية والإنسان والحيوان.

ببساطة، يمكنك معرفة صاحب النص من خلال الأسلوب الكتابي الذي يقدم به إليك المجموعة السردية، سواء كانت قصة أم رواية، لأن الكاتب يتميز بانحيازه إلى القضية التي يكتب عنها مفضلا إياها على الكتابة عن ذاته، وتتحول الكتابة عنده إلى مجرّد أداة لحمل الفكرة والاحتفال بالمعرفة.

نص مفتوح

العيسة يحاول أن يمزج في نصوصه بين الفكاهة والطرافة، ويخلطهما بالجاد والواقعي، كما يجمع السحري بالمنطقي

الملاحظة ذاتها وصلت إليها، وأنا أقرأ مجموعة أسامة العيسة الجديدة “رسول الإله إلى الحبيبة”، الصادرة عن دار “الفسائل” في القدس، وعلى غلافها الأمامي صورة لمقام الشيخ نوران في النقب، توحي الصورة بأنها تهتم بالمقام ذاته أكثر من اهتمامها بأن تكون لوحة غلاف جذابة، وتقع المجموعة في 235 صفحة من القطع المتوسط، وهي مكونة من 18 نصا مما أسماها بالـ”ق ص ص”.

لا يمكن اعتبار مجموعة العيسة من القصص التقليدي، ولا يمكن اختبارها نقديا وفق ذلك، هي أقرب إلى النص السردي المفتوح منها إلى القصة، ففيها يتجاوز الكاتب التجنيس الأدبي مع أنه اضطرّ إلى التصنيف شكليا، لكنه مارس السرد في ظاهرة أدبية حديثة، كتابها من العرب قليلون، وإن تعددوا في مجال الظاهرة الشعرية، وجاء أشهرهم عز الدين المناصرة، وربما يكون من المفيد الإشارة إلى أن أمبرتو إيكو من أوائل المنظرين للنص المفتوح، مميزا إياه عن النص المغلق، ومن رواده العالميين ميشيل فوكو ورولان بارت، وهذا النص يستمد جذوته مثلما يفعل أسامة العيسة في مجمل سردياته، من الأساطير والمخطوطات الدينية، والروايات الشعبية، والأوراد الصوفية، وينقب في الحكايات والفولكلور.

تنمو نصوص العيسة السردية بطرق لا تأخذ في الاعتبار الأساليب التقليدية؛ لذلك تثير أسئلة، وتجد نقادا ومشككين حول هذا الشكل الفني سواء كان رواية أم قصة، وذلك عائد إلى فخ التجنيس الأدبي أساسا، لكن النصوص أمام القارئ العارف تمتلك إشارات ولفتات مدهشة وومضات مثيرة، فيها مزيج جميل أحيانا، ومؤلم أحيانا أخرى لمقاطع من حياة البسطاء في قصة “مجنون بورقيبة” مثلا، وقصة “شحاذ جبع الغامض” وسيرة الحيوان في قصة “الخنوص الأزرق”. هذه السير السردية فيها انحياز للطبيعة والأرض وما تخبئان، والحجارة وما تدل عليها في قصة “رسول الإله عن الحبيبة”، والدين الشعبي في قصة “ما تيسر من سورة مريم”، وفيها أيضا نقد حاد غير مباشر للسلطة والتسلط في قصص ومقاطع أخرى.

أسامة العيسة في مجموعته المفتوحة يستعير مقاطع من حكايات شعبية تناثرت في مختلف القصص، والحكي جزء أصيل من الأنثروبولوجيا البشرية، والحكي غير القص وغير الكلام على حدّ قول الشاعرة نداء يونس. إن العيسة يستثمر أقوال زملاء وباحثين ومناضلين، ناجحين وفاشلين، زعماء شعبيين وغير شعبيين، وخطابات ومقولات من أزمنة سابقة.

في مجموعة العيسة، أشياء عن العدالة المفقودة، وأحلام البسطاء، ونضال المحرومين، عن الشهوة والجنس أحيانا؛ إن الكاتب يوحي أكثر مما يصرح، في حين يسرد حكايات واضحة لكن باطنها مفخخ، يصدم ويصطدم أكثر بما يوافق، بل إنه لا يوافق إلا البسطاء والعاديين الذين يعتبر نفسه نصيرا لهم، والمهمشين الذين أعلن أنه ينحاز إليهم.

رواية عن أحلام البسطاء

يحاول أسامة العيسة أن يمزج في نصوصه بين الفكاهة والطرافة، ويخلطهما بالجاد والواقعي، كما يجمع السحري بالمنطقي والمعنى باللامعنى، والجاد بالعبثي، كل ذلك في سرد مستفز، ومثير للكثير من الأسئلة، ودافع للبحث والاستقصاء عما يقوله أو ينبشه هذا الرجل؛ الذي يعتمر القبعة، ويغازل عصافير المهد أمام الكنيسة الكبيرة، مساء.

لقد قدم الكاتب صاحب “قبلة بيت لحم الأخيرة”، و”مجانين بيت لحم” و”المسكوبية”، نصوصا متعددة ومختلفة جدا عن بعضها البعض، مع استقامتها وحدة واحدة في انتظامها بأسلوب أسامة العيسة المثير للأسئلة، والمحفِّز على المعرفة، لكن الكاتب أراد أن تظل هذه النصوص متعددة الاحتمالات عند التلقي، وأن يظل قلمه مفتوحا على مستويات مختلفة من القارئين والنقاد والغاضبين والمنافقين والمناضلين؛ لكي يستقبل كلّ منهم رسالته الموجهة إليه. ذلك الأسلوب هو ما يسمح به النص المفتوح؛ الذي جعل منه الكاتب طوعا ركيزة هذه المجموعة، وبه استطاع التماهي من قريب مع الأجناس الأدبية المعروفة والنفاذ الخلاق بين عوالمها بجرأة وانسيابية.

تتميز نصوص أسامة العيسة بالعودة إلى الماضي، والغوص أحيانا في التاريخ القريب والبعيد، والتنقيب عن العجائبيات، إنها تمزج الأجناس الأدبية وتتماهى مع أخرى، في هذه النصوص الـ18 تتنوّع طرق التناول وأساليب السرد، منها ما هو مكثف ومنها ما هو مسهب في تحريره، لكنها جميعا تحفل بالمعرفة وتحتفل بها وكأنها قضية الكاتب الأولى، إنها تمتلك القدرة على الإسهام المعرفي وإثارة الآراء بالبحث، ولها إمكانية توسيع آفاق الدلالات، حيث تخاطب العقل مباشرة مع أنها غالبا من صنع الخيال الملتبس بالواقع، وفيها البعض من الإيهام بالواقع، والواقع الموهوم بالخيال.

ثقافة الكاتب

في أعمال العيسة إجمالا، وهذه المجموعة خصوصا، يدرك المتلقي ثقافة الكاتب وحصيلته المعرفية وجهده البحثي، المتحصل عليها كلها من تجاربه الحياتية؛ سياسية وحزبية وشخصية، وتفاعلية من التأمل والمعاناة، ومن طقوس القراءة الخاصة الملتزمة اليومية. يرى القارئ أن أسامة العيسة قد حمل نفسه على عدد من شخصياته؛ فكرا وأسلوبا في الطرح، ويمكن رؤية العيسة بين الصفحات وأنت تقرأ القصص المختلفة بقبعته وحقيبته وطريقته المختلفة في الطرح والتناول، ربما يشفع له عندما تدرك انتماء الكاتب إلى شخوصه، وهم يحملون قدرا معرفيا جيّدا، وتجارب مكثفة في الحياة تؤهلهم ليكونوا أهلا لقصة أو قصص في مجموعة للكاتب الماهر في اصطياد الحكايات.

17