"نصيبي وقسمتك".. قضايا اجتماعية في قالب درامي عصري

بات المشاهد العربي ميالا أكثر إلى الأعمال التي تبتعد به عن الأزمات السياسية والواقع المأزوم، وذلك دون رغبة في الانفصال التام عن الواقع، بل في تقديمه بخفة وبشكل يغير من رتابته ويجعله مادة مشوقة.
الثلاثاء 2016/08/23
حكايات بسيطة لكنها عميقة

حمل مسلسل “نصيبي وقسمتك” الكثير من السمات المشتركة بين الدراما التلفزيونية ودراما الواقع دون مبالغة تفسد النص الدرامي، مثلما انحدرت الكثير من المسلسلات في السنوات الأخيرة.

المسلسل المصري “نصيبي وقسمتك”، الذي كتبه عمرو نجل الفنان محمود ياسين في أولى تجاربه في مجال الكتابة وبطولة النجم السينمائي هاني سلامة، يحمل ازدواجية في مضمونه الذي لا يجعله مقتصرا على الرجل أو المرأة فقط، فمن بين 15 موضوعا ناقشها العمل، نكتشف من هو الرابح أو الخاسر من هذه العلاقة.

ورغم إيمان المؤلف بـ”القسمة والنصيب”، إلا أنه لم يغفل عن سرد، مع كل قصة، الأسباب التي تؤدي إلى نهاية علاقة أو الحفاظ عليها، محافظا على البناء الدرامي للأحداث.

ويبدو أن عمرو محمود ياسين تشبّع بتجربة والده الفنان المخضرم التي قدمها في مسلسل “اللقاء الثاني” مع النجمة بوسي قبل ثلاثة عقود، والتي كانت تتضمن حلقات منفصلة تسرد كل يوم قصة معيّنة. ومع ذلك، نجح الابن في رصد تطور علاقة الرجل بالمرأة ودخل في تحد واضح مع ذاته بدأ من البناء الدرامي، فالمعروف في مثل هذا النوع من الدراما أن كل حلقة تحمل قصة مختلفة، لكن مؤلف “نصيبي وقسمتك” يسرد كل حكاية في ثلاث حلقات بحسب تعريف الحبكة الدرامية عند أرسطو “بداية، وسط ونهاية”، وهو أمر يبشر بمؤلف يمتلك أدواته جيدا في السرد وربط الشخوص.

الكثير من حكايات المسلسل عرضت من قبل في أعمال أخرى، لكن الصياغة هنا تأتي بشكل عصري يقترب من لغة الحياة اليومية، من ذلك مثلا، المرأة التي تتمسك بعملها مع رئيسها غير الأخلاقي، ضاربة عرض الحائط بغضب زوجها من وجودها مع ذلك المدير.

الحكاية ليست جديدة، لكن الجديد قدر الحب الذي يحمله الطرفان لبعضهما، وتمسك كليهما بالآخر مع إخفاء الخطايا، ما يعطي منظورا مختلفا لمعالجة مثل هذه القضايا دراميا.

ويؤكد هاني سلامة في تجربته التلفزيونية الثانية بعد مسلسل “الداعية”، مهارته في الحفاظ على حرفيته كممثل يلتحم بشخصياته ويستخدم لغة الجسد في تجسيد أدواره، بشكل يجعله الأكثر تميزا بين أبناء جيله في التوظيف الدرامي لنظرات عينيه.

المخرج عطية أمين اختار توزيع الأدوار النسائية أمام هاني سلامة بدلا من الاعتماد على ممثلة واحدة، وهو ما أضاف تنوعا للمسلسل مع اختلاف النجمات مثل درة، ونيكول سابا، ومي سليم وريهام حجاج

وتفوق سلامة في تجسيد أنماط جديدة مثل الموظف المعدوم الذي يعول أبناءه ويبدو عليه الشيب رغم صغر سنه، أو رجل القضاء الذي يرفض التخلي عن مبادئه، ويتوفى فجأة تاركا زوجته وأبناءه الصغار، أو الأخ الذي يرتبط بشقيقته إلى درجة تفسد حياة كل منهما.

ويكمن ذكاء هاني الشديد في اختياره لتقديم تجربة الحلقات المنفصلة في هذا التوقيت تحديدا (قبل الموسم الرمضاني المرتقب) لعدة أسباب أبرزها، أن المشاهد أصبح محاصرا بالكثير من الأعمال الدرامية التي تمتد لأكثر من 60 حلقة أحيانا متضمنة نفس الحكايات والشخوص ما يسبب مللا كبيرا للمشاهد، كما أن اختيار البطل عرض مسلسله خارج الموسم الرمضاني المزدحم، والمدة الزمنية التي اختارها لنفسه للفصل بين تجربته الأولى التي قدمها منذ ثلاث سنوات ومسلسله الذي يعرض، تصب في المسار الصحيح له كنجم أثبت أنه لا يريد حرق نفسه دراميا.

واختار المخرج عطية أمين توزيع الأدوار النسائية أمام هاني سلامة بدلا من الاعتماد على ممثلة واحدة، وهو ما أضاف تنوعا للمسلسل مع اختلاف النجمات مثل درة، ونيكول سابا، ومي سليم وريهام حجاج.

ويبدو أن ثبات البطل هنا والتنويع في ظهور البطلات أعطيا قدرا أكبر من الثراء للأحداث وكانا بمثابة محرك أساسي في كل حكاية للبطل تفرض عليه قدره في النهاية، وهي لعبة شديدة الذكاء من صناع العمل.

ويبدو أيضا أن الديكور المستخدم في العمل كان بسيطا، حتى في القصص التي تتناول حياة الأثرياء، وهو أمر قد يعاب على مهندس الديكور، لكن مبرره أنه لم يكن يريد أن يشعر غالبية المشاهدين بالفجوة بينهم وبين الأغنياء.

ويمكننا أن نعتبر “نصيبي وقسمتك” عملا محملا بالكثير من المشاعر والانفعالات التي تجعل المشاهد يعيش مع أبطاله في “حدوتة”، ويبقى العمل تجربة حرفية وسط النماذج الهامة التي لا تزال محفورة في ذاكرة المشاهد مثل مسلسل “هو وهي” لكل من الراحل أحمد زكي وسعاد حسني.

ومن الواضح أن هناك اتجاها متزايدا لدى مؤلفي الدراما في مصر لتسليط الأضواء على القضايا الاجتماعية، خاصة التي تحمل مضامين إنسانية.

16