نصير شورى عازف الأكورديون الذي ترك الموسيقى ليتحول إلى رسام متفرد

"مئوية شورى 1920 – 2020" كتاب يحتفي بفنان تشكيلي سوري رائد.
الخميس 2021/07/29
أعمال لها شعرية خاصة

أغمض الفنان السوري نصير شورى عينيه عام 1992 إلى الأبد على مشهد فني هام في سوريا كان هو واحدا من أهم بناته، بما قدّمه برفقة أبناء جيله من التأسيس لفن له تنوعه وبصماته الراسخة وهويته التي استفادت في معظمها من الموروث ومن الانفتاح على أهم المدارس الحديثة. وأخيرا صدر للناقد سعد القاسم كتاب يحتفي بالفنان وبتجربته.

دمشق - يعتبر الفنان الراحل نصير شورى علما من أعلام الفن التشكيلي السوري، وصاحب بصمة فنية راسخة في الهوية الفنية السورية، من خلال الالتقاط البارع للمناخ اللوني ولخصوصية بيئته في جل أعماله، والتي وجه من خلالها ذلك المناخ نحو شكل من التجريد أو “الواقعية الاختزالية”، ليرتبط هذا الأسلوب باسمه وبفضله استمر الاتجاه الانطباعي في الحضور والتطور في مرحلة الخمسينات وما تلاها.

الاحتفاء بنصير شورى وفق الناقد التشكيلي سعد القاسم هو احتفاء بجيله سواء وصفناه بجيل الحداثة أو جيل الرواد الثاني، فذلك الجيل الذي اتسم بالعمق المعرفي والحوارات العميقة في تجمعات سمتها الأساسية الثقافة والإبداع، هو من ساهم في صنع هوية الفن التشكيلي السوري الحديث باستلهامه التراث الإبداعي السوري الثري وانفتاحه في الآن ذاته على مفاهيم الفن في عصره، فأبدع فنّا أصيلا لا يتقوقع على ذاته ولا يذوب في غيره.

الترحال والتأسيس

الكتاب يتضمن صورا تاريخية ووثائقية
الكتاب يتضمن صورا تاريخية ووثائقية

بمناسبة احتفاء الموسم الثالث لأيام الفن التشكيلي السوري بمرور مئة عام على ولادة الفنان نصير شورى، صدر للناقد سعد القاسم كتاب “مئوية شورى 1920-2020” عن الهيئة العامة السورية للكتاب، وفيه يبيّن أن الراحل يعد أحد أهم الأسماء في الحياة التشكيلية السورية، وقد انتهج في تجربته درب ميشيل كرشة رائد الاتجاه الانطباعي في الفن التشكيلي السوري، ليكون بدوره رائدا في أسلوب واتجاه جديد.

وقسّم الكتاب إلى قسمين يتحدث الأول عن طفولة شورى الذي ولد الفنان سنة 1920 في دمشق، والده كان صيدليا أما خاله فهو محمد كرد علي، المؤرخ والعلامة ومؤسس المجمع العلمي العربي بدمشق.

في “مكتب عنبر” وهو المدرسة الثانوية العريقة في دمشق أكمل دراسته، غير أن تلك المدرسة وهبته فرصة اللقاء بمعلمه جورج بولص خوري، الرجل الذي تعلم فنون الرسم والزخرفة في باريس.

في سن السادسة عشرة انضم إلى دار الموسيقى الوطنية بصفته عازف أكورديون. غير أنه بعد سنتين، أي في العام 1938 أقام معرضا للوحاته في نادي ضباط دمشق.

بدايات شورى الفنية ومساهمته في التجمّعات الفنية انطلقت منذ مطلع الثلاثينات من القرن الماضي وعن دراسته في مصر ومن ثم افتتاحه لمرسمه الخاص عام 1948 مستقبلا فيه المواهب الشابة معلما ومشجعا وكذلك استضافة الفنانين السوريين والأجانب حيث كان أشبه بمركز ثقافي يلتقي به الفنانون والأدباء والموسيقيون والفلاسفة والشعراء.

ويسرد كيف ذهب الفنان إلى إيطاليا أولا في أواخر الثلاثينات، لكن فاجأته الحرب العالمية الثانية فانتقل عام 1942 إلى مصر لدراسة الرسم. ما من شيء في رسومه يذكّر بالمدرسة المصرية الحديثة، بالرغم من أنه قضى خمس سنوات هناك.

كانت الانطباعية قد تمكّنت منه وهو ما يفسر عزوفه عن التأثر بالفن المصري الذي كان يومها يتوزع بين الواقعية كما جسدها محمود سعيد والسريالية كما تمثلها رمسيس يونان.

“مرسم فيرونيز” كان عنوانا لمرحلة تأسيس في تاريخ المحترف الفني السوري الحديث. عام 1941 شارك شورى مع محمود حماد وميشيل كرشة ومحمود جلال ورشاد قصيباتي وعبدالوهاب أبوالسعود، في تأسيس أول تجمع فني في تاريخ الحركة التشكيلية السورية.

التجربة الذاتية للفنان بقيت محتفظة بروحها الانطباعية وبأصولها وجذورها رغم تحولاتها، ما جعل منه رمزا لهذه المدرسة

ولأن المرسم كان في الأصل ورشة دهان للمفروشات وألعاب الأطفال فقد كان الفنانون يصنعون في أوقات فراغهم ألعابا خشبية للأطفال. لعب المرسم دورا مهمّا في الحياة. فيه كان الفنانون يتبادلون خبراتهم ويتلصّص بعضهم على البعض الآخر في محاولة للتعلّم والتجاوز. أما حين استضاف المرسم عددا من الفنانين القادمين من شرق أوروبا هربا من الحرب فقد كان ذلك الحدث فرصة للفنانين السوريين لاختبار أعمالهم من خلال عيون غريبة.

في تلك المرحلة مارست الانطباعية تأثيرها على جماعة فيرونيز. وهو ما كان ينسجم مع المزاج السوري الذي يميل إلى التماهي مع تجليات الطبيعة بكل ما تنطوي عليه من ترف.

كانت رسوم شورى تتخطى الدرس الانطباعي بانضباطه غير المصرّح به لتمضي حرة في سياق نزعة تعبيرية، استهل الرسام بها علاقته التصويرية المتقطعة مع المشاهد البيئية والصور الشخصية.

عام 1950 كان مثاليا بالنسبة إليه. في باريس رأى نصير شورى لوحات ملهميه من الانطباعيين. في السنة التالية ذهب إلى روما ليطّلع على أعمال المحدثين من الرسامين.

ما تعلمه شورى أثناء أسفاره هو الشيء الأهم في مسيرته الفنية. في دمشق كان رسولا للحداثة بالرغم من أنه لم يتخذ التجريد أسلوبا في الرسم إلا نهاية الخمسينات. يقال إنه سبق في تجريديته زميله ورفيق عمره محمود حماد بسنة واحدة.

تحولات الفنان

يتحدث القاسم عن مشاركات شورى في المعارض وخاصة المعرض السنوي الذي نال منه ست جوائز خلال دورات المعرض الثماني التي اعتمد فيها نظام الجوائز، ويتناول أيضا مساهمة الفنان في تأسيس المعهد العالي للفنون الجميلة في دمشق عام 1960 الذي أصبح في ما بعد كلية الفنون الجميلة وتحولات تجربته الذاتية التي بقيت محتفظة بروحها الانطباعية وبأصولها وجذورها وتحولاتها ما جعل اسمه مرتبطا بها وجعله رمزا سوريا لها.

وتضمن القسم الثاني من الكتاب الذي حمل عنوان “بعيون الكتاب والنقاد والفنانين” نصوصا عن تجربة شورى منذ أقدمها وهي مقالة صحافية لصدقي إسماعيل نشرت عام 1950، مرورا بكتابات قامات فنية وفكرية من سليم عادل عبدالحق وأدونيس وعفيف بهنسي ونذير نبعة وصلاح الدين محمد ومحمود حماد وإلياس زيات وطارق الشريف وغازي الخالدي وعبدالعزيز علون وفاروق يوسف وبطرس المعري والأخير تحدث عن الصداقة الفنية والشخصية التي جمعت بين شورى ومحمود حماد.

ويرى فاروق يوسف الذي ضم الكتاب إحدى مقالاته عن الفنان أنه بيّن التشخيص والتجريد لم تكن هناك من مسافة في إمكانها أن تحرج نصير شورى. كان الرسام يمد لحافه أينما يصل. لم يخن عواطفه الباذخة حين يكون انطباعيا ولم يبدّد شيئا من صرامته حين يكون تجريديا.

ويضيف “كان نصير شورى واحدا من قلة من الرسامين العرب الذين استطاعوا أن يزاوجوا بين التشخيص والتجريد من غير أن يلفّقوا أسبابا لذلك الزواج الذي لا يقبل به التاريخ. يقول شورى إنه مرّ بثلاث مراحل. كان في الأولى منها انطباعيا وفي الثانية كان تجريديا. يومها بدأ ولعه بمادة الإكرليك، وهي مادة تعامل بالماء. أما في المرحلة الثالثة فإنه عاد إلى الطبيعة. لكن بأيّ معنى؟ يقول “رجعت إلى الطبيعة. المرحلة التجريدية علّمتني خصائص جديدة في اللون. وقد سمّيتها مرحلة الواقعية الجديدة. أنطلق في مقدمة اللوحة من مساحات هندسية أنهيها بأشجار متفاوتة الأبعاد. ما أزال مرتبطا بالمنظر، لكنني أتصرف بحرية”.

ويبيّن يوسف أنه ما من رسام سوري احتفى بحريته مثلما فعل نصير شورى. قائلا “وأنا أكتب عنه أفكر في سعادته. كان نصير شورى رساما سعيدا. ملك المرئيات من حوله فرسم مدينته التي أحبها بطريقة قرّبته من الانطباعيين الفرنسيين الذين شغف برسومهم، غير أنه كان في الوقت نفسه وفيا للأرواح التي تحلق في هواء تلك المدينة فكان تجريديا بطريقة لم تبعده كثيرا عن مفردات حياته الشخصية”.

لم يكن تجريد شورى باردا ولا محايدا. كان ذلك التجريد ابن لحظته ووفيّا لمكانه. منذ بداية الستينات كان نصير شورى مدرّس الرسم الذي تتلمذت على يديه أجيال من الرسامين السوريين. ولن أبالغ في القول إن الشيء الكثير من الرقة الذي تسلّل إلى لوحات الرسامين كان التأثر بتجربة شورى مصدره.

وفي الكتاب ملحق للوحات شورى يضم نحو 90 لوحة حسب تسلسلها التاريخي بما يقدم فكرة عن تحولات أسلوبه وكذلك بضع لوحات صوره فيها محمود حماد وميشيل كرشة ولوحة لمحمود حماد تصور مرسم شورى وثانية لعبدالعزيز نشواتي تجمع زوجته وزوجة شورى.

كما يتضمن الكتاب الذي يقع في 136 صفحة صورا تاريخية ووثائقية وهو من إخراج عبدالعزيز محمد وإشراف طباعي أنس الحسن.

Thumbnail
14