نضال الدبس: الدراما السورية صنيعة بروبغندا النظام

الاثنين 2013/09/16
الدبس: الوقت ليس مناسبا لإنجاز فيلم عن الثورة

القاهرة- "لا أفهم السينما إن لم يكن فيها عمق في التصوّر وصدق في الدلالة، وهنا أفضل استخدام لفظتيْ عمق وصدق لأنهما تطرحان أسئلة من قبيل إلى أي مدى تلامس السينما واقعنا المعيش؟ وما مدى انفتاحها على أعماقه؟ وهل تتيح للمتلقي أن يجدّد رؤيته لمحيطه؟" بهذه الأسئلة يحدّد المخرج السينمائي السوري نضال الدبس رؤيته للفعل السينمائي، ولا يخفى في هذه الرؤية حرص هذا الفنان على جعل صدق الفن نابعا من عمق الواقع، وجعل الفن محفّزا للمتلقي على إعادة التفكّر بوقائع لحظته.

ولد نضال الدبس عام 1960، درس الإخراج السينمائي بمعهد «فغيك» الروسي للفنون السينمائية، وأثناء دراسته بموسكو أخرج فيلميْن هما: "سوناتا الشتاء" و"كولاج"، وبهما ابتدأ تجربته الإخراجية.

نالت أفلامه جوائز عربية وغربية، من ذلك أن فيلمه الوثائقي «حجر أسود» حاز تنويهاً من لجنة تحكيم مهرجان الإسماعيلية الدولي، وشارك في مهرجان سينما الواقع في باريس، ومهرجان ليدز السينمائي وعدة مهرجانات أوروبية وعربية.

ولعل من أهم أفلامه الطويلة فيلم «روداج» وهو فيلم روائي يندرج في موجة سينما المؤلف وقد اعتبره النقاد أحد أهم الأعمال السورية الأخيرة. عمل الدبس بإدارة المؤسسة العامة للسينما إلى أن فُصل منها على خلفية تأييده للثورة السورية. وفي هذا الحوار يحدّثنا نضال الدبس عن علاقة السينما بالسياسة، ومدى تأثّر السينمائيين السوريين بالثورة ومستقبل الدراما السورية عامّة.

الدراما بديلا عن السينما

في بداية حديثه اعترض نضال الدبس على تسمية السينما السورية بوصفها سينما مهرجانات، وإنما يراها سينما نوعية تحترم عقل الجمهور، أما السبب في عدم تواصلها مع الجمهور فيتحمّل بعض السينمائيين المسؤولية عنه، وأضاف بأن الجهات المنتجة للأفلام، ووضع صالات السينما تتحمل المسؤولية أيضا، وتابع القول بأن الدولة لا تحب السينما، لأن السينما كانت تسعى لإظهار واقع الحياة السورية، وحتى إن سمحت الدولة لهذه الأفلام بأن تُعرض في الخارج فذلك لغرض إيهام العالم المتحضر بأنها دولة ديمقراطية.

وبصرف النظر، فإن عرض الأفلام ليس أمرا سلبيا، ومع قلة عدد الصالات جاءت الدراما كبديل للسينما وهذا ما تتمناه الدولة بغية التحكّم الكامل بمقومات أي عمل، والمعروف عن الفيلم السوري أنه ذو سوية عالية ويحاول ان يكون صادقاً مع نفسه قدر الإمكان، وأكمل الدبس قائلا بأن الحديث يدور عن إنتاج فيلم أو فيلمين في السنة ومع ذلك تفوز هذه الأفلام بالجوائز، وهذا أمر رائع إذا ما قورن بكثافة الأفلام التي تنتجها السينما المصرية مثلا.

حجر أسود


وبالحديث عن فيلم "حجر أسود" الذي قام بإخراجه وإنتاجه يؤكد الدبس بأن الفيلم يمثّل حكاية طريفة، وأنه جاء بطلب من وزارة الإعلام بالتعاون مع منظمة اليونيسيف، وكان الهدف من الفيلم دعائياً، وأكمل أنه وشريكه الروائي خالد خليفة التقيا بمجموعة من الأطفال المشرّدين من حي الحجر الأسود الذي يعج بالفقراء، فقررا أن يكون الحي المذكور موضوعا للفيلم، وطلبا من اليونيسيف تغيير بعض الأشياء، وقبل عرض الفيلم بيومٍ واحد انسحبت وزارة الإعلام ومُنع عرضه في سوريا وتبعتها بهذه الخطوة منظمة اليونيسيف، وأضاف الدبس بأنه قام بإنتاج الفيلم مع شريكه الروائي خالد خليفة، أما بالنسبة إلى الفيلم، فلم يكن للأطفال فحسب، وإنما هو يعبّر عن حالة مجتمعية عامة، وعُرض في مهرجان باريس ولوكارنو وحاز عدة جوائزوهو يُعتبر من وثائق الثورة .

رقابة أمنية


وعن الرقابة السينمائية في سوريا يعتبر الدبس بأنه ليس هناك رقابة سينمائية في سوريا وإنما هناك رقابة أمنية، ولطالما حاول السينمائيون إيجاد مخارج للتحايل على الرقابة والتذاكي عليها. وأضاف أنه في السنوات العشر الأخيرة صارت الرقابة الأمنية رقابة مباشرة وواضحة، وهذا ما أجهض العديد من المشاريع السينمائية لمخرجين شباب.

وعن إنجازات السينما زمن الثورة يرى نضال الدبس أنه ليس الوقت المناسب للحديث عن الإنجازات، وأضاف أن ثمة محاولات سينمائية لسينمائيين شباب، مشيرا إلى أنه من الظلم لتلك المحاولات تسميتها سينما، إذ أن هناك شُبانا فقدوا حياتهم وهم يصنعون هذه الأفلام، وهو أمر استثنائي بصرف النظر عن تصنيف هذه الأعمال، وذكر بهذا الخصوص المخرجَيْن تامر العوام وباسل شحادة. ويرى الدبس أنه يجب التفريق بين العمل الإعلامي والعمل الفني، ويؤكّد أن لا إمكانية لصناعة فيلم سينمائي هذه الفترة.

سينما الثورة


وعن موقع السينمائيين السوريين من الثورة أجاب الدبس قاصدا السينمائيين المحترفيين بأن هناك من يعاني مشاكل تمويلية لصناعة فيلم، وأن ثمة إشكالية تتعلق بالإبداع كذلك، وهو ما يمثل ظرفا يمنع صانع الفيلم من تصوير الفيلم داخل الأراضي السورية. وأضاف أن هناك بعض الإنتاجات التوثيقية الجيدة التي قدمها بعض الشبّان دون أن تصل إلى مستوى العمل الوثائقي الخالص.

وقال عن نفسه إنه لم يقدّم الكثيرللثورة مع أنه معها بكل ما لديه، وأعتبر أنه مع جيله تكلم عن الثورة قبل حدوثها عن طريق أعمال صادقة وصريحة، وفي هذا السياق ذكر أعمال المخرجَين عمر أميرالاي والمخرج الوثائقي أسامة محمد.

وعن الرأي العالمي في السينما السورية، يرى الدبس أن الفيلم السوري له مكانة عالمية من خلال عروض تُقدم في كل مكان، وتُعرض في مهرجانات عديدة، وليس بالضرورة صناعة فيلم عن الثورة في الوقت الراهن.

رفاهية الاكتئاب


وعند سؤاله عن عالم السياسة يرى الدبس بأن السياسة نقيض الفن لأن الفنان انفعالي وذاتي وغير موضوعي، وبالنسبة إليه يرى أنه لا يستطيع كبح انفعالاته لكي يكون موضوعيا في هذا الأمر. لكنه يرى السياسة ملكا له من دون أن يحاول تسويقها، واصفا السوريين على هذا المستوى بأن لديهم رفاهية الاكتئاب، وهو مع الاعتقاد القائل بأن السياسة تطغى على الفن.

وعن البيان الذي وقعه مع مجموعة من السينمائيين وأرسلوه إلى سينمائيي العالم، يقول نضال الدبس بأن البيان كان يهدف إلى إيقاف القتل والمطالبــة بإحــلال الديمقراطيــة،

وهو لا يرى غضاضة بأن يكون من بين الموقعين على البيان مخرجا إسرائيليا، لان المخرج الذي وقّع على البيان معروف بتضامنه مع القضية الفلسطينية وبأفلامه الجيدة، وأن هذه النظرة التمييزية اندثرت منذ زمن باعتبار أن الفنان لا جنسية له.

صورة كاذبة


وبالنسبة إلى الدراما السورية يرى الدبس أنها تأسست بمساعدة البروبغندا الإعلامية للسلطة الحاكمة، لذلك لا يستطيع أن يرى العمل الدرامي حسب قوله إلا من خلال علاقته بالإعلام، والأعمال الدرامية السورية لا تمثــّل عملا فنياً برأيه، وطرح مثالا على ذلك مسلسل "بقعة ضوء" إذ يجده ضمن إطار سياسي موجّه، وأضاف أنه لا يتابع الدراما السورية بل يرفضها بالكامل، ويراها صورة كاذبة لا تشبه الواقــع، وأنه لا يمكن إعادة إنتــاج حدث وثائقي مــن خلال الدراما، لأن العمل الوثائقي لا يخضــع لأي اعتبــار.

الفن والحقيقة


وفي حديثه عن العمل الفني يذهب الدبس إلى القول بأنه لا يطرح حلولا، وإذا طرح حلا فسيكون حلّا فرديا، لأن العمل الفني هو إعادة إنتاج "الحقيقي" بشكل يسمح بحلٍ غير مباشر، وذكر مثالا على ذلك فيلم "الحجر الأسود" إذ يجده لا يطرح حلا وإنما يصوّر المشكلة بشكل ٍ عميق وإيحائي، وهذا لا يمكن إنجازه إلا الفن، وهو ما يمثل الفرق بين الفن والإعلام.

وعن زيارته القاهــرة، قال نضال الدبس إنه زارها لإنجاز عمــل فني عــن الثورة السوريــة، إلا أنه، وبالصدفة، وجد الواقع المصري مغريـا للقيام بمثل هذا العمل خاصة مع صعـوبـة إنتاج عمل بظروف الوضــع السـوري، فقــام بإخراج فيلم يتحدث عن مجمل الثورات العربية، وأخذ منحــة من مهرجان الدوحة السينمائي، وعُـرض الفيلم في مهرجان الإسماعيليـة ومـازال يُعـرض في عـدة بلـدان.

وعن رأيه ببعض الشخصيات السينمائية السورية، يقول الدبس بأن المخرج نبيل المالح أحد مؤسسي السينما السورية، أما المخرج التلفزيوني نجدت انزور فهو عبارة عن موظف، وقال بأن المخرج حاتم علي صديقه، وتمنى أن يتعرف على المخرج محمد عبد العزيز ويشاهد أفلامه، أما مدير مؤسسة السينما محمد الأحمد فيقول عنه بأنه رامي مخلوف السينما، وأعتبر عمر أميرالاي بمثابة المعلم، وعن المخرج عبد اللطيف عبد الحميد يقول نضال الدبس بأنه كان صديقه يوما ما.

_________________

* خدمة مؤسسة أنا للإعلام الجديد

14