نطحات زيدان

السبت 2014/12/06

منذ فترة أقيم معرض لنحاتين عالميين في مدينة لاهاي الهولندية، ذهبت لمشاهدة المنحوتات المعروضة في شارع لانغه فورهاوت، وهو واحد من أجمل وأقدم شوارع المدينة، كان من بين المنحوتات مجسم ضخم، أظنه من الحجم الطبيعي، للاعب الكرة الفرنسي من أصل جزائري زين الدين زيدان، يقف مواجها للاعب آخر، واضعا جبينه على جبينه ويظهر في حالة تحدّ واضح. أخذت صورة للمنحوتة الكبيرة ونشرتها على فيسبوك مع عبارة: "ضربة زين الدين زيدان"، فوجئت بعدها بتعليق من الكاتب التونسي حسونة المصباحي قائلا: "نطحة زيدان يا لمياء، وليس ضربة زيدان".

الحقيقة أنا لا أفهم كثيرا في كرة القدم، ولا أعرف القصة كاملة وراء نطحة زيدان الكروية، ولا أفرق بين "الضربة" و"النطحة" و"الركلة"، وربما لهذا السبب أجد الآن صعوبة في تصنيف "ضربات" أو "نطحات" زيدانية مشابهة، تتمّ في ملعب مختلف تماما هو ملعب الثقافة والسياسة، إنها "نطحات" الكاتب والروائي المصري يوسف زيدان، الذي لا ينفك ينطح النطحة تلو النطحة، في محاولة للإتيان بواحدة شبيهة بـ"النطحة" الكروية الشهيرة، ثم يلحقها بقرار اعتزال الثقافة، والاستقالة من اتحاد الكتاب، تماما كما فعل زيدان، لاعب الكرة الذي استقال على خلفية "نطحته" الخالدة.

ولأن "النطحة" الكروية ذهبت رمزا لعزة النفس والكرامة والأنفة، حتى إن نحاتا معروفا كلف نفسه مشقة تخليدها في مجسم من الحجم الطبيعي والتنقل به إلى معارض العالم، فإن الكاتب المصري على ما يبدو لا ينتظر اعترافا أقلّ بنطحاته المتكررة، ولن يتوقف عن النطح حتى يتحقق له ذلك، ولو استوجب الأمر إلحاقها ببعض الضربات والركلات، والخبطات العشوائية.

تقريبا كل يوم يطالعنا تصريح جديد ليوسف زيدان، أو قرار جديد، أو موقف جديد، أو تعليق أو تعقيب، أو تويتة مثيرة للجدل، فمرة يطالب بغلق جامعة الأزهر مدّة سنتين لأن كمشة من طلاب الإخوان تظاهروا داخلها، ومرة يعلن أنه يملك نسخة وحيدة من كتاب تنبأ بكل ما يحدث الآن في المنطقة العربية، وأن دولة اشترت كل النسخ الباقية منه وأحرقتها، ولا أعرف لماذا لا يخبرنا بوضوح من تكون هذه الدولة، ولماذا فعلت ذلك، ومن صاحب الكتاب، ومتى وكيف وأين صدر؟!

والسؤال الأهم، كيف حصل على النسخة الوحيدة المتبقية منه؟، ثم يرجع فشل الثورة في ليبيا، إلى عدم وجود مثقفين بها قائلا: "إن مصر توازنت قليلا، لأن عدد مثقفيها كبير". ولا أفهم أيضا عن أيّ توازن يتحدّث، فنحن لا نرى سوى ارتباك، وعسكر، وتضييق على حرية الرأي والتعبير وصل إلى حدّ إعلان كثير من المثقفين والمبدعين اعتزالهم، وتوقفهم عن الكتابة والإعلام، وهجرة بعضهم إلى خارج البلاد.

ثمّ يتحدّث في كلمة له بمعرض الشارقة، عمّا أسماه "بالوهم السياسي"، وهو أن يدخل المثقف في شجار مع السلطة، قائلا: "هذا مضحك، مش عشان أثبت أني مثقف أقوم أشتم السلطة!"، وقال في نفس المداخلة إن المثقفين العرب دفعوا ثمن ثورات الربيع العربي من تشويش آرائهم وقتل بعضهم "كما حدث في تونس"!، وكما ترون فإن النطحات الزيدانية متنوّعة، بعضها جميل حقا ويحتاج إلى تجسيد يليق به، فهل من متطوّع؟


كاتبة من تونس مقيمة بأمستردام

16