نظام الأسد وعكس موجات التأثير

الثلاثاء 2014/02/11

واجه وفد نظام الأسد في مفاوضات جنيف وضعاً معقداً، اختلطت فيه الضغوط بالمفاجآت وبعض الفخاخ التي تعمدت المعارضة والأطراف الداعمة لها وضعها أمامه، فظهر أداؤه الدبلوماسي ضعيفاً، مهدراً بذلك كل الجهود التي بذلها على صعيد الدبلوماسية العامة ومحاولته اختراق الرأي العام العالمي عبر شركات العلاقات العامة التي سخرها لترويج روايته عن الحرب على الإرهاب وعلمانيته وديمقراطيته.

إضافة إلى ذلك، لم يستفد النظام كثيراً من جهود إعادة صياغة الواقع الميداني وتغيير معادلة القوى على الأرض، وهو الأمر الذي تكلّف أثمانا كبيرة دفع الجزء الأكبر من مستحقاتها حلفاؤه الإقليمون والدوليون، ذلك أن صيغة جنيف واشتراطاتها أخرجت هذا البعد من إطار التداول الذي انصب بدرجة كبيرة على قضية التغيير السياسي بعيداً عن كل القضايا الأخرى.

أمام هذا الواقع، ومع بدء الجولة الثانية من المفاوضات، لا بد أن النظام وحلفاءه قد أجروا تقييماً عميقاً للجولة الأولى من المفاوضات وللظروف التي أحاطت بها، فقد بات من نافلة القول أن يفكر النظام بالتخلي عن العملية السياسية التي تتيحها جنيف، فرغم سلبياتها إلا أنها كشفت له فرصاً وإيجابيات لم يكن يملكها، من نوع الاعتراف به كممثل للدولة السورية، وتقبل سلوكه الموازي للمفاوضات من قتل وتدمير، والإطلاع على توجهات العالم وبناء التقديرات الدائمة للتعامل مع التطورات.

لكن يدرك النظام أن هذه الحالة يمكن استثمارها لفترة زمنية محدودة ولا يمكن التعاطي معها باعتبارها حالة دائمة، لذا فإن ماكينته ستسعى إلى إحداث تغييرات في المعطيات الميدانية والسياسية لتغيير الواقع، وخاصة قد ثبت طوال فترة تعاطيه مع الأزمة أنه يتعامل وفق نظرية عكس الارتدادات على الأطراف التي صنعتها، فقد اعتبر في مرحلة أن إغراق البلدان المجاورة باللاجئين السوريين نمطاً لتطبيقات هذه النظرية، وكان قبلها قد اعتبر أن تهجير السكان وتدمير بيئتهم بمثابة عكس الثورة على بيئتها وجعلها تدفع ثمن الثورة وتعاني هي بدلاً منه، وتذهب إلى حد الخضوع لمطالبه، وهي ذاتها السياسة التي يتبعها الآن مع المناطق التي يحاصرها ويموت أبناؤها جوعاً.

وإضافة إلى ذلك، يدرك النظام، أن عملية جنيف، ورغم الفرص الآنية التي وفرتها له، فإنها تضعه أمام خطرين لا يمكن التغافل عنهما، الأول أنها تفتح الباب لتيارات جديدة على بيئته ودوائره الأمر الذي يعرضه لخطر الانقسام والتخلخل، والثانية أن حلفاءه أصبحوا في دائرة المساومات وهذه حالة لا يستطيع التحكم في نتائجها، لذا فإنه يجد نفسه تحت ضرورة تغيير أثار هذه المتغيرات.

والسؤال ما هي المجالات التي قد يفكر النظام عكس موجات التأثيرات إليها للخروج من أزمته وتخفيف منسوب الضغط عليه؟ لا شك أن الذهنية الأمنية السورية لا تعرف سوى منطق التفجير، وهي بهذا الخصوص سوف تلجأ إلى المناطق الرخوة في هذا الحقل لزيادة حدة التوتر فيها وإعادة صياغة المعادلة من جديد، إضافة إلى مساعي النظام بتغيير معادلة القوى على الأرض، وستلقى هذه الحالة تشجيعا من إيران التي وجدت نفسها محشورة ومكشوفة ومهملة.

الأيام القادمة ستفرج عن بعض من خطة النظام لإعادة تقويمه للجولة الأولى، ومن المتوقع أن يلجأ إلى مفاجآت في هذا الخصوص، والواقع أن الظروف الدولية المائعة تتيح له إعادة بناء رهانات جديدة طالما هو يملك فترة سماح جديدة.


كاتب سوري

9