نظام الأسد يخرج من مفاوضات جنيف2 مثقلا بعزلة دولية

الثلاثاء 2014/02/04
وفد النظام السوري يعود إلى دمشق يجر أذيال الخيبة السياسية

بانتهاء جولة المحادثات الأولى في مؤتمر جنيف2، حدد مبدئيا تاريخ الجولة الثانية من المحادثات في العاشر من شهر فبراير الجاري، حيث لم تؤد المفاوضات التي أشرف عليها الموفد الدولي الأخضر الإبراهيمي، إلى أية نتيجة تذكر، وسط خلافات حول ترتيب الأولويات، إذ شدد الوفد الرسمي على “مكافحة الإرهاب”، بينما طلب الوفد المعارض البحث في هيئة الحكم الانتقالي.

8 أيام، سلسلة من المفاوضات “بلا معنى” وجدوى، وفقا لمعارضين، لم تظهر نتائج فعلية وحقيقية تذكر على أرض الواقع، أظهر خلالها الفريق الحكومي السوري تمسكه بالرئيس السوري بشار الأسد واعتباره “خطرا أحمر”.

في المقابل تمسك المفاوضون المعارضون بأنه لا تراجع عن مرجعية بيان مجموعة العمل من أجل سوريا 30 يونيو 2012 أو كما تسمى “جنيف1" وهي “هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات” بما فيها مؤسسات الجيش والأمن.

وقد حاول الأخضر الإبراهيمي، الوسيط الدولي والعربي إلى سوريا، تحقيق نجاحات و”بناء الثقة” بين الطرفين، من اليوم الأول، باعتبار أن طرفي النزاع يجلسان لأول مرة على طاولة واحدة منذ حوالي 34 شهرا، وذلك لكسر الحاجز الجليدي وإذابته، وهو الذي سماه الإبراهيمي “انجازا بحد ذاته”.

ولم تلاق مقترحات الإبراهيمي وإجراءات بناء الثقة، التي تتمثل في إدخال المساعدات الغذائية والطبية إلى المدن المحاصرة، وإطلاق سراح المعتقلين، ووقف إطلاق النار بين الجانبين في بعض المناطق مثل حلب شمال البلاد، الصدى الحقيقي والآذان الصاغية، ولا المرونة التفاوضية، خاصة من الجانب الحكومي، الذي يستطيع تنفيذ هذه المواضيع باعتباره المسيطر والمتحكم.


المفاوضات سياسيا


دأب المفاوضون من جانب النظام السوري، خلال جولات التفاوض التي عقدت برعاية الإبراهيمي، على ترديد “مكافحة الأرهاب” في سوريا “أولا” باعتباره البند الأول من “جنيف1" وتطبيق بنود “جنيف1" من البند الأول إلى الأخير “رزمة واحدة”.

لكن المعارضة، رأت في أن البند الأول وهو مكافحة الإرهاب يتماشى ويتزامن مع تشكيل الحكومة الانتقالية وهو: “وضع حد للعنف وانتهاكات حقوق الإنسان وتيسير بدء عملية سياسية بقيادة سورية تفضي إلى عملية انتقالية تلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري وتمكنه من أن يحدد مستقبله بصورة مستقلة وديمقراطية”. وبعد خمسة أيام من المحادثات وافق وفد النظام على التحدث عن “الهيئة الانتقالية” والدخول في تفاصيل آلية تنفيذها، والتركيز على وقف الحرب في البداية.

وقدم كل طرف للآخر ورقة عمل للرؤية السياسية لحل ووقف النزاع الدائر، والذي راح ضحيته حوالي 150 ألف ضحية وملايين المشردين ما بين لاجئ ونازح، وآلاف المعتقلين والمفقودين، وتدمير البنية التحية.

بينما لم يتراجع الوفد المعارض عن وثيقة “جنيف1" التي تنص صراحة على تشكيل “هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات” التي ستكون مرجعية نفسها، والتي ستؤمن أيضا المناخ المناسب والملائم لتحضير البلاد إلى “سوريا جديدة ديمقراطية تعددية” من خلال دستور وانتخابات برلمانية ورئاسية.

ولم يستطع طرفا النزاع ومعهما الإبراهيمي، خلال 8 أيام من جولات المحادثات، إدخال المساعدات إلى مدينة حمص القديمة المحاصرة منذ حوالي العام ونصف العام، حيث صرح فيصل المقداد، نائب وزير الخارجية وعضو الوفد المفاوض، أن الحكومة ستخرج الأطفال والنساء من حمص القديمة، دون أية نتائج تذكر على الأرض حتى الوقت الحالي. وطالب الائتلاف بالإفراج الفوري عن 2300 امرأة وطفل من سجون النظام من خلال تقديم قائمة بأسمائهم خلال الجلسة، بالإضافة إلى تقديم قائمة باسم 5500 معتقل.


المفاوضات على الأرض


خلال محادثات السلام في جنيف استطاع وفد المعارضة كشف ألاعيب النظام و مناوراته السياسية لتحويل مسار المفاوضات لصالحه من خلال التركيز فقط على مكافحة الإرهاب. وفي هذا الصدد قالت فرح الأتاسي، المعارضة وعضو الائتلاف السوري على صفحتها على “الفيسبوك” إن “النظام يضيع الوقت سياسيا في جنيف، بينما يحاول إحكام سيطرته الميدانية والعسكرية في الداخل وإخماد ومعاقبة المناطق الثائرة بالقصف والبراميل المتفجرة ومزيد من التصفية والاعتقالات.. قالها الأسد لمن لم يسمع: “الوضع الميداني” هو الذي يحدد مسار جنيف”.

وبينما كان الوفدان يناقشان مسائل وقف إطلاق النار وفك الحصار ومسائل المعتلقين وإدخال الغذاء والدواء كخطوات لـ”بناء الثقة”، “استشهد 500 مدني بينهم أكثر من 76 طفلا وأكثر من 44 امرأة” خلال انعقاد مؤتمر “جنيف2"، وأمطرت طائرات الجيش الحكومي، ، مدينة داريا في الغوطة الغربية بريف دمشق، بحوالي 20 برميلا متفجرا.

وكانت حلب هي الأسوء حظا خلال جلسات التفاوض في جنيف، فلم يتوقف رمي البراميل المتفجرة من الحوامات الحربية التابعة للجيش الحكومي على روؤس المدنيين والمباني التي تحولت إلى رماد وأنقاض.

وقد تعرض حي المرجة، وحي الميسر، وحي المعادي، وحي كرم الطحان، وحي قاضي عسكر، والعديد من المناطق في الأحياء الشرقية الأخرى للقصف بالعشرات من البراميل المتفجرة.وتواصل في باقي المدن والبلدات السورية القصف اليومي بالطائرات والمدافع والدبابات، ولم يتغير الحال عما كان عليه قبل مؤتمر “جنيف2".

وقال المقداد، في مؤتمر صحفي إنه تم “إدخال 600 حصة غذائية وبعض الأدوية الضرورية وحليب للأطفال” إلى مخيم اليرموك الفلسطيني، لكن الأهالي من داخل المخيم أكدوا على أن السلال الغذائية التي دخلت لا تتجاوز 120 سلة غذائية، وأن باقي السلال قد استولت عليها الميليشيات التابعة لأحمد جبريل المناصر للنظام السوري.

ويقول مراقبون إن المعارضة السورية سجلت انتصارا دبلوماسيا، تمثل في قبولها الحضور في المفاوضات في مرحلة أولى على الرغم من استفزازات النظام الذي كان يعلن مرارا وتكرارا أنه لن يعترف ببنود جنيف1، وفي مرحلة ثانية تمكن وفد المعارضة السورية من كشف ألاعيب النظام ومحاولاته اليائسة لتحويل مسار محادثات السلام لصالحه، إضافة إلى فضح ممارساته البشعة على الميدان، حيث استمر مسلسل القتل الممنهج منذ بداية الانتفاضة في سوريا، أثناء محادثات السلام في جنيف.


جنيف إعلاميا


المعارك الإعلامية لم تقل شأنا عن المعارك السياسية والميدانية في أروقة الأمم المتحدة في جنيف، حيث بدأ مع جولات التفاوض بين الوفدين السوريين نوع من النزال الإعلامي بدأ بالتشويه وإدانة الطرف الآخر أمام الرأي العام العربي والغربي خاصة، وفي الوقت نفسه حاول الصحفيون التابعون للطرفين وضع أعضاء الوفود في المؤتمرات الصحفية في قفص الاتهام بأسئلة محرجة تحاكي الواقع الميداني.

وقد جسدت الحرب الإعلامية بين الطرفين الصورة الحقيقية لكل طرف وأوضحت لملايين السوريين من يتهرب من الواقع الحقيقي المعيش وإشغال الرأي العام السوري والأجنبي بتفاصيل وروايات ليست لها أية صلة بالواقع، وكشفت المستور والتذرع بـ “محاربة الأرهاب”. وحرص الوفد الحكومي في جنيف على مخاطبة الوسائل الإعلامية الناطقة باللغة الإنكليزية للتوجه إلى الرأي العام الغربي في سبيل الحصول على الدعم الشعبي للضغط على حكوماتهم بغية وقف الدعم للمعارضة السورية.

في المقابل لم يغير وفد المعارضة من أدبياته الثورية والإعلامية في مخاطبة الرأي العام والرد على أسئلة الصحفيين.

بينما دأب وفد النظام السوري المفاوض على تكرار خطابات “السيادة الوطنية خط أحمر”، و”الشعب السوري هو صاحب القرار النهائي” للرد على أي سؤال من جانب الصحفيين المعارضين والأجانب، وتوصيف المعارضة السورية بـ “الإرهاب”.

وأحرج الصحفيون العاملون في المؤسسات الإعلامية المستقلة والمحسوبون على التيار الثوري أعضاء الوفد السوري الحكومي بأسئلتهم التي تتعلق بـ”ما هي مهام الميليشيات الشيعية؟ ” و”بأية صفة تتواجد؟”.

ويعتبر تنصل الوفد الحكومي من الإجابات والتحجج بمواعيد مسبقة والتحدث بعكس ما يجري في بلادهم في ممرات وحدائق مبنى الأمم المتحدة في سويسرا، إفلاسا دبلوماسيا وسياسيا وحتى إعلاميا .

______________

بالتعاون مع "أنا برس" للإعلام

6