نظام الأمن الأممي انتقائي وازدواجي

الخميس 2015/10/08
مجلس الأمن لم يعد يمارس اختصاصاته على نحو موضوعي

أثير جدل قانوني في السنوات الأخيرة حول موضوع التدخل الإنساني العسكري الذي اتسع نطاقه على الساحة الدولية بسبب تفشي الصراعات الداخلية في الكثير من الدول. وأصبح التساؤل حول واقع العلاقات بين الدول يطرح أكثر من ذي قبل مع تكرر تدخّلات الولايات المتحدة الأميركية التي استغلت مرارا الغطاء القانوني للأمم المتحدة.

ولم تكن أغلب التدخلات ناجحة أو إنسانية، كما تدّعي الأطراف الخارجية المتدخّلة، والجهات الدولية والرسمية الداعمة لها؛ وما جرى في أفغانستان والعراق يعدّ من أبرز الأمثلة التي تجعل المختصّين في القانون قلقين من مشروعية هذه التدخّلات وإشكالياتها القانونية وضوابطها وحدودها.

وتشير الباحثة اليمنية نادية محمد سعيد النقيب، في كتابها الصادر حديثا عن دار أروقة، بعنوان “فقه التدخل الإنساني” إلى أن مشروعية التدخل الإنساني العسكري، قسّمت الفقه الدولي إلى فريقين، خاصة أن قواعد القانون الدولي التقليدي تجيز التدخل العسكري باستخدام القوة، في حين أن قواعد الميثاق تمنع استخدام القوة إلا في استثناءات معينة.

وقالت إن الأمم المتحدة، خاصة بعد الحرب الباردة، قامت بترسيخ نظرية التدخل الإنساني بوصفها نظرية تهدف لحفظ السلم الدولي. وسعى مجلس الأمن إلى توسيع مفهوم تهديد السلم ليشمل مسائل مختلفة تتعلق بحقوق الإنسان، على غرار الانتهاكات الصارخة في رواندا ويوغسلافيا. كما ظهر التدخل العسكري من قبل الأمم المتحدة لأجل حماية وفرض الديمقراطية في جنوب روديسيا 1979. وازداد بعد الحرب الباردة تدخل مجلس الأمن في هاييتي 1997. وبارك مجلس الأمن تدخلات “ديمقراطية إنسانية عسكرية” تمت دون إذنه وذلك في ليبيريا وسيراليون وكوسوفا.

وأضافت الباحثة المختصة في القانون الدولي أن نظام الأمن الجماعي الذي قامت الأمم المتحدة بقصد حفظه، كان موضوعيا نوعا ما في فترة الحرب الباردة، أما بعد الحرب الباردة فقد فشل في تحقيق أهدافه، وليس ذلك فحسب بل أصبح يعاني من الأزمات الانتقائية والازدواجية وعدم الموضوعية، ولم يعد يمارس اختصاصاته على نحو موضوعي وإنما سياسي تبعي للولايات المتحدة الأميركية.

القانون الدولي غير قادر على إبعاد شبح الحروب

وتجلت الانتقائية في التدخل في البوسنة دون كوسوفا، وظهرت الازدواجية من خلال إصدار مجلس الأمن قرارات مخالفة لمبادئ الميثاق مثل إقراره بحق الدفاع الشرعي الوقائي لأميركا في أفغانستان، مخالفة بذلك أحكام المحكمة الدولية وقراراتها السابقة في عدم مشروعية هجوم إسرائيل على لبنان والعراق. وكذلك في مسألة المقاومة الوطنية التي أجازها القانون الدولي المعاصر، لكن مجلس الأمن يصنف حركات المقاومة، التي تناهضه، بأنها حركات إرهابية. وأخطر ما قام به مجلس الأمن، بعد الحرب الباردة، هو توسيع مفهوم تهديد السلم الدولي.

وبالنسبة للموقف العربي يشير الكتاب إلى تضارب في الأراء والمواقف، حيث الفقه الدولي العربي إلى ثلاثة اتجاهات: الأول يؤيد التدخل العسكري الإنساني حتى لو كان انفراديا، والثاني يعارض التدخل الإنساني الانفرادي ويجيز التدخل من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، والثالث فلا يجيز استخدام القوة لأسباب إنسانية إلا إذا تهدد السلم الدولي ومن قبل الأمم المتحدة.

ولفتت الباحثة إلى أن مفهوم التدخل في ميثاق جامعة الدول العربية ضعيف للغاية وغير محدد بدقة، وقالت “هو مقيد بشرط الإجماع وعدم سمو مبادئ الجامعة على النظم العربية الداخلية وإجراءات العمل فيها معقدة، حتى اعتبرت في البداية جامعة للتعاون لا للتدخل. ولم تعترف بها الأمم المتحدة كمنظمة إقليمية إلا بعد التوقيع على اتفاقية الدفاع العربي المشترك سنة 1950، التي نظمت مفهوم التدخل في الدفاع الشرعي عبر إجراءات واضحة، ونظمت عملية الاستعداد للدفاع ودعم المقومات العسكرية تحت إشراف اللجنة العسكرية الدائمة. وبالتالي تعد الجامعة حاليا أضعف منظمة في العالم”.

وتخلص الباحثة إلى أن القانون الدولي لم يكن بمقدوره حتى الآن إبعاد شبح الحروب التي مازالت الذريعة الوحيدة في كثير من الأحيان لتسوية النزاعات الدولية والداخلية؛ لذلك سيتمر التدخل بذريعة الحفظ على السلم أو منع الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان متواصلا ولن يكون بمقدور القانون الدولي الذي تضعه الدول الكبرى التعارض معها. والأحداث الدامية في العديد من المناطق في العالم اليوم ليست إلا دليلا واضحا على استمرار العمل بهذا المبدأ.

6