نظام البشير.. مواقف للإيجار وانبطاح لتركيا لإطالة عمر الإخوان

تمكين تركيا من إدارة ميناء جزيرة سواكن يلحق الأذى بمصر لوجستيا، من خلال تعبيد الطريق أمام أنقرة ليكون لها موطئ قدم على البحر الأحمر.
الاثنين 2018/04/16
سواكن ليست أكثر من مفصل في سجل الحلف الإخواني

جبهة الإخوان سبق أن احتضنت أسامة بن لادن مؤسس تنظيم القاعدة ومعه أخطر عناصر التنظيم قبل أن يتبلور، بعد أن انسدت آفاق الصراع في أفغانستان وظهرت أكذوبة الجهاد المموّل في إطار الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي آنذاك، فقرر بن لادن أن يختبئ في السودان لاستثمار بعض أمواله لدعم النظام الإخواني الوليد الذي ترأسه عمر البشير حتى اليوم.

أثناء تلك الفترة بدأت جامعات السودان فتح أبوابها أمام الكوادر الإخوانية، ومنحتهم درجات علمية مسيّسة، ثم أعادت تصديرهم إلى بلدانهم لخدمة التيار ورفد كوادره بعناصر أكاديمية مؤدلجة. وعندما تحرك الشارع المصري بغضب لطرد الإخوان من السلطة في عهد الرئيس المخلوع محمد مرسي، استقبلت تركيا وقطر ولندن القيادات الهاربة بعد فشل مشروع التمكين، وكان من نصيب السودان أيضا مجموعة لا بأس بها من القيادات والعناصر المتطرفة. أما أحدث ما قامت به الخرطوم لترجمة الولاء والطاعة الكاملة للإخوان ومشروعاتهم وأنظمتهم الرديفة، فهو تقديم قطعة من أرض السودان للنظام التركي. وبحجة الاستثمار وضع الأتراك أيديهم على جزيرة سواكن، بموافقة رسمية سودانية لا تخلو من الخبث المعتاد والمتاجرة المتكررة بالمواقف من قبل نظام البشير.

 

منذ انقلاب جبهة الإخوان وسيطرتها على الحكم في السودان أواخر الثمانينات من القرن الماضي، أصبحت الخرطوم وجهة مفضلة ومحطة أثيرة مرغوبة من قبل أقطاب التطرف والإرهاب الدولي، بتياراته الجهادية المسلحة، وتلك الإخوانية التي تتحرك في مربع الجناح الحزبي للإسلام السياسي

لقد أصبحت ممارسة الإخوان للسلطة في السودان لعبة مصالح بين العناصر العسكرية بقيادة البشير، وبين من تبقى من العناصر المدنية بعد انشقاق جناح حسن الترابي ووفاته لاحقاً. غير أن خطة استمرار اللعبة لأطول وقت ممكن تواجه صعوبات اقتصادية مقرونة بالقلاقل الأمنية والحروب الأهلية المتفرقة التي لا تتوقف في أقاليم السودان المتباينة.

يضاف إلى ما سبق تأثير العقوبات الخارجية والصراع الطويل بين الشمال والجنوب، الذي أدى إلى إنهاك الشمال وموافقته على الانفصال من موقع الضعف وكنتيجة حتمية لطمع النظام المركزي في الخرطوم تجاه التمسك بالسلطة بأي ثمن. وذلك ما جعل السودان مهيئا على الدوام للقبول بصفقات لمواجهة أزماته، وتلبية رغبات أجنحة الإخوان في التشبث بالحكم. الأمر الذي عزّز استعداد النظام السوداني لإقامة علاقات خارجية عشوائية لإنقاذ نفسه من الأزمات المتلاحقة، في ظل احتجاجات وحروب داخلية لا تنطفئ إلا لتشتعل من جديد.

من ضمن الصفقات التي قام بها النظام السوداني مؤخرا تدشين علاقة استراتيجية مع تركيا، وتمكينها من إدارة ميناء سواكن. ولهذه الخطوة مخاطر وتحديات تتصل بتمكين الجانب التركي من اختراق منطقة البحر الأحمر. بالإضافة إلى وجود أصابع قطرية تعمل على استغلال الدولة الرخوة في السودان وإقحامها في بورصة المواقف السياسية القائمة على المكايدة والابتزاز.

في تاريخ نظام البشير الإخواني خلال الثلاثة العقود الماضية انتكاسات دبلوماسية عديدة ومواقف غير مبررة، بعضها استهدفت على سبيل المثال الأمن القومي المصري، وبعضها بالتزامن مع شروع إثيوبيا في تنفيذ مشروع سد النهضة الذي يهدد نصيب مصر من تدفّق المياه في نهر النيل. فكان موقف السودان في هذا الملف مخزيا وارتكز على وضع مصر أمام الأمر الواقع الذي تريد إثيوبيا أن تفرضه. وبالطبع فإن السودان ينطلق في مواقفه تجاه مصر من مربع أيديولوجي إخواني يجعل من الخرطوم أداة انتقام، خاصة وأنها تأوي مجموعات من قيادات الإخوان الهاربين بعد انهيار حكم مرسي.

إن تمكين تركيا من إدارة ميناء جزيرة سواكن يجعل دور النظام السوداني متمثّلا في إلحاق الأذى بمصر لوجستيا، وتتحدد مهمته في تعبيد الطريق أمام تركيا لكي يكون لها موطئ قدم وحضور عسكري على البحر الأحمر من الضفة الأفريقية. ومما يزيد من خطورة الخطوة التركية أن أنقرة تعرف الأهمية الاستراتيجية لجزيرة سواكن منذ استيلاء العثمانيين عليها في القرن السادس عشر.

الأخطاء الاستراتيجية في التعامل مع السودان بدأت مع التحليلات التي كانت تعتبر الجغرافيا السودانية مجرد حديقة خلفية لمصر، وأن القاهرة أدرى بشعاب السودان ومكوّناته الحزبية. فقام إخوان السودان باستغلال ذلك، وعملوا على تضليل النظام المصري بأن انقلابهم يعبّر عن فصيل وطني بعيد الصلة عن تيار الإخوان. ثم اتضح بعد ذلك أنه كان انقلاباً إخوانيا مكتمل الأركان والهوية. يضاف إلى ما سبق أن التعاطف الخليجي مع الاحتياجات الاقتصادية العاجلة للسودان كان يمنح النظام الإخواني الحاكم فرصة النجاة من الانهيار ويسهم في إطالة عمره.

على هذا الأساس يتحرك نظام البشير تحت سقف الهدف الوحيد الذي لا يهتم بازدهار السودان ورعاية مصالح الشعب السوداني وتنمية عوامل ازدهاره، بقدر ما يركز على البقاء على رأس السلطة فقط. وعندما منحته إسطنبول شكليات بروتوكولية من خلال زيارة أردوغان، تحركت العاطفة الإخوانية وسارع النظام السوداني بتقديم جزيرة سواكن لتركيا على طبق من ذهب.

رغم الدعم الخليجي المقدم للسودان في أسوأ الظروف التي مر بها، إلا أن تركيبته الإخوانية  فضلت التقارب مع قطر وتركيا

لقد ظلت الأبواب مفتوحة في الخليج أمام السودان على كافة المستويات من حيث استقبال العمالة، وتقديم المساعدات وإقامة مشروعات استثمارية خلقت فرص عمل ودعمت الاقتصاد السوداني. وبقي نظام البشير منهمكا في حروبه الداخلية بالتزامن مع تعبئة أيديولوجية إخوانية لم تتوقف طوال التسعينات من القرن الماضي وما بعدها. ورغم الدعم الخليجي المقدم للسودان في أسوأ الظروف التي مر بها، إلا أن تركيبته الإخوانية الحاكمة اتجهت إلى التقارب مع قطر وتركيا. ويلاحظ أن نظام الخرطوم يحاول اللعب مع الجميع بما في ذلك السعي إلى التخلّص من العقوبات الأميركية. وفي الوقت ذاته الإبقاء على خطاب سياسي ثوريّ زائف للاستهلاك الإعلامي في الداخل.

لقد أصبحت السياسة السودانية القائمة على تأجير المواقف والابتزاز تثير لدى بعض المحللين نوعا من الشكوك المشروعة تجاه مدى جدية خطورة الأوراق التي تلوّح بها الخرطوم، ومن ضمنها ورقة ميناء سواكن. فبالقياس إلى أن جهد نظام الخرطوم مكرّس للبحث عن سلامته واستمراره، يجب التأكد من الأهمية الاستراتيجية الفعلية لميناء سواكن الذي منحه للأتراك، ويتم الترويج بشكل مبالغ فيه إعلاميا لهذه الخطوة، مما يدفع إلى الاعتقاد بأنها قد تكون دعاية متعمدة يروّج لها نظام الخرطوم للخروج من أزمته الاقتصادية الخانقة. وهناك أيضاً شكوك تثار بشأن مدى التلاعب الذي تقوم به الحكومة السودانية تجاه الإمارات والسعودية من جهة، وتركيا وقطر من جهة أخرى. وبشأن فحص مدى خطورة تشغيل تركيا لميناء سواكن واستئثارها به، يرى محللون أن هذا الموضوع يعتبر هامشيا ولا قيمة له أمام الخطورة الحقيقية التي تمثّلها التحركات الصينية ممثلة بمشروع طريق الحرير.

وبالعودة إلى مأزق النظام السوداني الذي تنعكس أزماته على سياسته الخارجية، تبقى مصر معنية قبل غيرها بوضع حد للميوعة السودانية، والحد من الانفلات في المواقف الخارجية التي لا تضع اعتبارات لمصالح دول وقفت إلى جانب السودان باستمرار.

الجانب المصري معني أيضا وبدرجة رئيسة بحماية أمنه القومي من الآثار الجانبية لحماقات الخرطوم وتقلباتها. وبخاصة أن خبراء اعتبروا الاتفاقية بين تركيا والسودان تهديداً مباشراً لمصر قبل غيرها، فجزيرة سواكن تقع على بعد 200 كيلومتر فقط من الحدود المصرية. كما أن الاتفاقية تؤدي عملياً إلى إعادة النفوذ العثماني إلى منطقة البحر الأحمر، إضافة إلى ارتباط تركيا وقطر والسودان بجماعة الإخوان، التي تشجع استمرار حوادث الإرهاب في سيناء. واستنادا إلى حجم ردود الأفعال المصرية تجاه التقارب السوداني التركي، فمن الواضح أن الاتفاق يستهدف الجانب المصري عسكريا واقتصاديا. مما يتطلب تحركا مصريا مسنودا من دول الإقليم، لمواجهة آثار وتبعات التنسيق الثلاثي السوداني التركي القطري.

13