نظام التجارة العالمي يدخل مرحلة القوة فوق القانون

اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية بين 15 دولة سيربط منطقة شرق آسيا بقوة تقودها الصين.
الثلاثاء 2020/11/17
تكتل قد يشطر الاقتصاد العالمي إلى نصفين

أدت خطوة إعلان نشوء تكتل تجاري جديد عبر المحيط الهادئ وشرق آسيا إلى إثارة الجدل بين الأوساط السياسية والاقتصادية على حد السواء بالنظر إلى إطلاقه في وقت يعاني فيه النظام التجاري العالمي من أزمات متنوعة بسبب الحمائية، ولكن اللافت أن اتفاقية “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” تؤسس لعهد جديد من القوة فوق القانون حيث تسعى القوى الرئيسية لبسط سطوتها على الأضعف منها كما هو الحال خلال حقبة الأنظمة الاستعمارية قبل أكثر من قرن، وهو تفسير يراه محللون أقرب إلى الواقع.

نيويورك - بعد ثماني سنوات من الجدل حول التفاصيل، وقعت 15 دولة الأحد الماضي على اتفاق للتجارة، اعتبره محللون الأكبر في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، رغم أن البعض يرون أنه سيغير وجه نظام التجارة العالمي بشكل قد لا يحافظ على تكافؤ الفرص وقد لا يحقق العدالة التجارية.

وتم إطلاق اتفاق “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” في عام 2012، وهو اتفاق تجاري بين كتلة آسيان المكونة من 10 أعضاء، بالإضافة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا. وكان من المقرر أن توقع الهند لكنها انسحبت العام الماضي. وحتى من دون مشاركة الهند، يشمل الاتفاق 2.1 مليار نسمة ويمثل أعضاء الاتفاق حوالى 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ومع أن الاتفاقية التجارية الإقليمية الضخمة غير المسبوقة تظهر التزاما قويا بدعم التعافي الاقتصادي والتنمية الشاملة وخلق فرص العمل وتعزيز سلاسل التوريد الإقليمية في فترة ما بعد كوفيد – 19 فضلا عن دعم لترتيب تجاري واستثماري مفتوح وشامل وقائم على القواعد، إلا أن البعض يعتقدون أنه لن يحقق الأهداف بسبب ما يراه محللون أن نظام التجارة العالمي سيدخل مرحلة القوة فوق القانون.

ويسلط بعض المحللين الضوء على معطى مهم دفع إلى تكوين هذا التكتل، وهو تذبذب سوق النفط العالمية وضعف الإقبال عليها في السنوات الخمس الأخيرة بسبب تباطؤ النمو العالمي، حيث كانت قوة اتزان بين الدول، واللافت أن ما كان يعيبها هو قواعد لضبط التجارة الدولية. وربما التكتل الجديد قد يزيد من متاعبها.

معادلة القوة والضعف

إذا كان هناك من يحتاج إلى دليل ملموس على أن أكبر منطقة تجارة حرة في العالم ستفشل في الوصول لمستوى التوقعات، فالأمر لن يحتاج إلى أكثر من إلقاء نظرة فاحصة على ما يجري في ساحة الإفراج الجمركي في مطار بودونغ بمدينة شنغهاي الصينية.

وبينما كانت الاستعدادات النهائية تجري لتوقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (آر.سي.إي.بي)، في وقت سابق من الشهر الحالي، عمدت السلطات الصينية إلى تأخير السماح بدخول عدة أطنان من واردات سرطان البحر القادمة من أستراليا عدة أيام، رغم أن الاتفاقية تقضي بدخول الواردات القادمة من أي دولة عضو فيها خلال ست ساعات.

وقد أشارت وكالة بلومبرغ في تقرير موسع إلى أن تأخير دخول شحنات سرطان البحر من المنافذ الحدودية الصينية جاء بسبب تعليمات غير رسمية من الحكومة لفرض قيود على دخول سبع فئات من المنتجات الأسترالية إلى السوق المحلية على خلفية التوترات الدبلوماسية بين بكين وكانبرا.

وقد طلبت وزارة الخارجية الصينية من الأستراليين ضرورة “إعادة النظر في تصرفاتهم” إذا كانوا يريدون علاقات اقتصادية أفضل مع الصين.

ويقول المحلل الأميركي ديفيد فيكلنغ إن هذا المشهد الذي تقوم فيه إحدى الدول بممارسة الإكراه على شركائها التجاريين، وفي الوقت نفسه تشترك معهم في تكتل تجاري جديد، هو أفضل شعار للعصر الحالي.

ديفيد فيكلنغ: التكتل الجديد أقرب إلى نمط المعاملات التفضيلية الاستعمارية
ديفيد فيكلنغ: التكتل الجديد أقرب إلى نمط المعاملات التفضيلية الاستعمارية

ويضيف فيكلنغ الذي ينشر تحليلاته في وول ستريت جورنال وفاينانشال تايمز ووكالة بلومبرغ للأنباء، أن محاولات إقامة نظام عالمي جديد قائم على سيادة القانون والقواعد بعد تفكك الاتحاد السوفيتي فتحت الباب أمام دبلوماسية “القوة فوق الحق”. وقد ساد هذا المنطق إلى درجة أن اتفاقيات التجارة الحرة التي يتم الترويج لها تخضع لهذا المنطق.

ويعتبر اتفاق “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” الذي تدعمه الصين بمثابة تحوّل في مساعي بكين لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء منطقة جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، ويؤشر إلى هيمنتها في مجال التجارة الآسيوية.

ويقول مراقبون إن الاتفاق يعزز الطموحات الجيوسياسية الأوسع للصين في المنطقة، فقد واجهت منافسة قليلة من الولايات المتحدة منذ انسحاب الرئيس دونالد ترامب من اتفاقية تجارية خاصة بها.

ويبدو أن تراجع زخم سوق النفط في السنوات الأخيرة والتي كانت تشكل بوصلة للتوازن في النظام التجاري العالمي شكل دافعا لقيام هذا التحالف التجاري الضخم، وتبقى التساؤلات قائمة حول تأثير التكتل الجديد على تسويق منتجي الخام، والذين لم يتمكنوا من اعتماد ضوابط لمواجهة التحديات.

ومع ذلك، ترى ديبورا إيلمس المدير التنفيذي لمركز التجارة الآسيوي الموجود في سنغافورة أن النصوص النهائية لاتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة تبدو إيجابية بصورة مدهشة.

ولعل قرار الهند الانسحاب من المفاوضات في العام الماضي سهل على الدول الأخرى الوصول لاتفاق، ونتيجة لذلك فإن النصوص الخاصة بموضوعات شائكة مثل الاستثمار والخدمات والمنتجات الزراعية تبدو أقوى من المتوقع.

ورغم ذلك فإن هذا التكتل التجاري لم يصل إلى اتفاقية شاملة كتلك التي تضم دول المنطقة الاقتصادية الأوروبية، ولا حتى النسخة المعدلة لاتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ والتي تم التوصل إليها بعد انسحاب الولايات المتحدة منها والتي تضم أيضا دولا موجودة في اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة مثل أستراليا واليابان وفيتنام.

وبحسب تقديرات يوكي ماسوجيا المحلل الاقتصادي في خدمة بلومبرغ إنتيليجانس، فإن هذا لا يهم كثيرا، فاتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة ستؤدي إلى زيادة إجمالي الناتج المحلي للصين بنسبة نصف في المئة بحلول 2030.

كما ستزيد الاتفاقية إجمالي الناتج المحلي لكوريا الجنوبية التي لم تنضم إلى أي تكتل تجاري إقليمي قبل الآن بنسبة 1.4 في المئة واليابان بنسبة 1.3 في المئة خلال الفترة نفسها. والمشكلة بحسب فيكلنج هي أن هذه الزيادة متواضعة للغاية وإن كانت حقيقية.

نمر دون أسنان

كان الهدف من إنشاء منظمة التجارة العالمية هو تقليص الحواجز الجمركية بين دول العالم وتوحيد القواعد الحاكمة لحركة التجارة والاستثمار بينها، مع الاتفاق على آليات مشتركة لتسوية المنازعات وفرض القواعد، من أجل تشجيع حركة التجارة والاستثمار عبر الحدود.

ولكنّ اتفاقيتي الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة والشراكة عبر المحيط الهادئ، وغيرهما من التكتلات الاقتصادية الإقليمية تتبنى الرؤية القديمة القائمة على تعميق التكامل الاقتصادي داخل منطقة معينة، لمواجهة علاقات متوترة مع الدول الأخرى.

ولذلك فإنه ينظر إلى اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة وهي التكتل الأوسع نطاقا لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) باعتبارها نوعا من “السلام الصيني” (باكس سينيكا) وهو مصطلح تاريخي يشير إلى الفترات التي ساد فيها السلام منطقة شرق آسيا بقيادة الصين، حيث ستربط المنطقة بنظام عالمي تقوده الصين.

في المقابل فإنه تم الترويج لاتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ في البداية باعتبارها محاولة أميركية لكبح الطموحات العالمية للصين، قبل انسحاب واشنطن من هذه الاتفاقية.

الاختلالات وعدم المساواة يدفعان القوى التجارية الرئيسية إلى دوامة عنيفة جديدة من الاضطرابات وانتشار النزعة الشعبوية

ويرى فيكلنغ المتخصص في موضوعات التجارة العالمية أن مثل هذه التكتلات ليست اتفاقيات للتجارة الحرة، ولكنها أقرب إلى نمط المعاملات التفضيلية الاستعمارية التي سادت العالم في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

وفي ظل ذلك النظام كانت القوى الأوروبية تحقق فوائض تجارية مع الدول الواقعة داخل الإمبراطوريات الاستعمارية التابعة لها، في الوقت الذي تفرض فيه حواجز على الدول الأخرى، مما أدى إلى تلاشي العلاقات التجارية والاقتصادية بين الدول الأوروبية وبعضها البعض، وهو ما ساهم في نشوب الحرب العالمية الأولى في عام 2014.

ويقول الكاتبان ماثيو كلاين وميشيل بيتس، إن الخلل في ميزان المدفوعات بين القوة الاستعمارية والدول التي تستعمرها أدى إلى إفقار المستعمرات التي اعتمد عليها هذا النظام الاقتصادي.

وهذا السيناريو يتكرر الآن، حيث تدفع الاختلالات وعدم المساواة القوى التجارية الرئيسية إلى دوامة عنيفة من عدم الرضا والاضطرابات وانتشار النزعة الشعبوية القومية.

ومما يزيد من عمق الأزمة التي يواجهها نظام التجارة العالمي، تحول منظمة التجارة العالمية إلى “نمر دون أسنان”، واستمرار الهجوم على المنظمة رغم تراجع حضورها، حيث تمارس الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) على تولي النيجيرية نجوزي أوكونونجو إويالا منصبها كمدير جديد للمنظمة.

ورغم تعافي حركة التجارة العالمية نسبيا من التداعيات الكارثية لجائحة فايروس كورونا المستجد، فمازالت حركة التجارة عند أقل مستوياتها منذ أربع سنوات، ولذلك لا يجب أن يجعل توقيع اتفاق تجاري إقليمي جديد، غض الطرف عن المخاطر التي تحيط بالتجارة العالمية.

6