نظام التفاهة العالمي

في ظل نظام التافهين صارت قاعدة النجاح أن "تلعب اللعبة"، كما يقول دونو. ولم يعد الأمر شأناً إنسانياً ولا مسألة بشرية، إنه مجرد "لعبة".
الجمعة 2018/06/08
التافهون حسموا المعركة، وسيطروا على عالمنا (لوحة: محمد ظاظا)

قبل زمن ليس ببعيد، كانت للمنتجات قيمة موازية كامنة فيها بحد ذاتها؛ في وزنها، في قالبها وتصميمها، وفي جوانب عديدة لا علاقة لها بما يجب أن تستعمل من أجله. أما اليوم فقد سيطرت المنتجات التافهة على الأسواق.

ومن يقرأ كتاب “نظام التفاهة” لأستاذ العلوم السياسية الفيلسوف الكندي ألان دونو سيجد فيه الكثير من الإثارة؛ إذ يسمي دونو النظام العالمي الحالي بـ“الميديوكراتي”، مؤكداً أن التافهين قد حسموا المعركة، وسيطروا على عالمنا وباتوا يحكمونه. يرجع دونو أسباب هيمنة التافهين على العالم إلى أن مفهوما كبيرا مثل “مفهوم العمل” قد تغيّر تماما اليوم في المجتمعات؛ فصارت “المهنة” مجرد “وظيفة”، وصار صاحبها يتعامل معها كوسيلة للبقاء لا غير. فيمكنك أن تعمل في تركيب قطع متطورة في السيارات، وأنت لا تستطيع تصليح عطل بسيط في سيارتك، أو أن تبيع كتباً وأنت لا تقرأ منها سطراً. وهكذا انحدر مفهوم العمل إلى “المتوسط”.

يقول دونو: لقد ولدت جذور حكم التفاهة مع عهد مارغريت تاتشر. يومها جاء التكنوقراط إلى الحكم، واستبدلوا السياسة بمفهوم “الحوكمة”، واستبدلوا الإرادة الشعبية بمفهوم “المقبولية المجتمعية”، والمواطن بمقولة “الشريك”. في النهاية صار الشأن العام تقنية “إدارة”، لا منظومة قيم ومثل ومبادئ ومفاهيم عليا. وصارت الدولة مجرد شركة خاصة؛ صارت المصلحة العامة مفهوماً مغلوطاً لمجموع المصالح الخاصة للأفراد. وصار السياسي تلك الصورة السخيفة لناشط يعمل لمصلحة “جماعته”.

 وينطبق هذا بوضوح على كل شيء، من زجاجات العطر الفاخرة والثياب والأحذية وعلاقات المفاتيح إلى الإعلام والدراما والفكر. ما يجعل من نشرات الأخبار والسينما والمسلسلات والثقافة مجرّد نميمة سياسية أو مواد كيدية صرف أو مقولات مباشرة وشعارات، لتصبح تكرارا جديدا لزمن الشعارات الذي رحل قبل أيام أحد أكثر رموزه شهرة، الإعلامي المصري أحمد سعيد صاحب أخبار الانتصارات في جميع الحروب الخاسرة التي خاضها العرب.

وهكذا ودون أن نشعر، يأخذنا الذين يرفضون الشعارات إلى مرحلة عربية إنشائية أخرى، حيث لن يكون لنا أي موطئ قدم في المستقبل. فالنظام الذي يتحدث عنه دونو يضع 80 بالمئة من أنظمة الأرض البيئية عرضة لأخطار نظام استهلاك التافهين، ويسمح لـ50 بالمئة من خيرات كوكبنا بأن تكون حكراً على واحد بالمئة من سكانه.

كل ذلك، حسب نظرية دونو، يجري وفق نهج نزع السياسة عن الشأن العام وعن التزام الإنسان بالقيم. ففي ظل نظام التافهين صارت قاعدة النجاح أن “تلعب اللعبة”، كما يقول دونو. ولم يعد الأمر شأناً إنسانياً ولا مسألة بشرية، إنه مجرد “لعبة”.

24