نظام جديد للثانوية العامة يثير مخاوف المصريين

بدأ العد التنازلي لإلغاء نظام الثانوية العامة الحالي في مصر، الذي يقوم على أن يكون مجموع الطالب في الصف الثالث الثانوي المحدد للكلية التي يلتحق بها. وأعلنت وزارة التربية والتعليم أن النظام الجديد سيطبق بعد عام واحد من الآن، وأوشكت على الانتهاء من مشروع جديد للثانوية العامة يعتمد على المجموع التراكمي موزّعا على السنوات الثلاث، أي على الصفوف الثانوية التالية: الأول والثاني والثالث.
الثلاثاء 2017/07/11
تكوين الطالب هو الأساس

القاهرة – رغم سلبيات نظام الثانوية العامة القائم حاليّا واعتماده على الدروس الخصوصية بالأساس وتجاهل دور المدرسة بشكل كامل، وغياب الطلاب عن الانتظام في الحضور، إلا أن الإعلان عن تطبيق النظام الجديد أثار حالة من الخوف بين أولياء الأمور، لإدراكهم أن الثانوية التراكمية سوف تزيد من الأعباء المالية على الأسر حيث لن تكون الدروس الخصوصية قاصرة على سنة واحدة بل ستمتد لتشمل السنوات الثلاث للتعليم الثانوي.

لم يؤيد طارق شوقي وزير التربية والتعليم وجهة نظر أولياء الأمور هذه، وأكد في تصريح لـ”العرب” أن الدروس الخصوصية لن تكون موجودة من الأساس مع تطبيق النظام الجديد للثانوية العامة لأن إحدى الركائز الأساسية في هذا النظام هي القضاء عليها تمامًا.

ويرى شوقي أن المشكلة هي غياب الثقة بين الحكومة والمواطنين، وأن الأكثرية باتت تشكك في أي تطوير يتعلق بالمنظومة التعليمية. وأضاف أنه لا يمكن بأي حال أن يتحدد مستقبل الطالب التعليمي من خلال امتحان واحد مدته ساعتان أو ثلاث، فإذا أخفق الطالب في جمع بضع درجات يضيع حلمه في الالتحاق بالكلية التي يرغب فيها، لأن ذلك ليس من العدل في شيء، بعكس النظام الجديد الذي يعطي للطالب فرصة 3 سنوات لتحقيق حلمه ودخول الكلية التي يتمناها.

ويقوم نظام الثانوية العامة الجديد على احتساب ما يحصل عليه الطالب من مجموع درجات في الصفوف الثلاثة، وأن يدرس الطالب ما يحبه وليس ما تفرضه عليه ضغوط الأسرة أو حلم الوظيفة في مجال بعينه. كما يعتمد على أن يكون الطالب باحثًا ومبدعًا ومفكرًا بدلًا من الاعتماد على الحفظ والتلقين.

سوف تقضي الثانوية العامة الجديدة على فكرة حصر التعليم في المجاميع الكبيرة والإجابات النموذجية والالتحاق بكليات القمة (الطب، الصيدلة، الاقتصاد والعلوم السياسية، والإعلام، والألسن، وغيرها)، لأن الطالب سوف يكون بحاجة إلى الحصول على تقدير جيد فأكثر بالثانوية حتى يتسنى له دخول امتحانات القدرات المؤهلة للكلية التي يرغب.

أما المعمول به حاليّا، فهو أن يحصل الطالب على مجموع في الصف الثالث بالثانوية العامة، ثم يقوم مكتب تنسيق القبول بالجامعات بتوزيعه على الكلية وفق مجموعه، وليس حسب الكلية التي يريدها.

وقال وزير التربية والتعليم، إن النظام الحالي في الثانوية العامة “فاشل”، ويقود التعليم المصري إلى المزيد من الانهيار ويقتل الفكر والإبداع والبحث، لأنه يقوم على الدروس الخصوصية والفرصة الواحدة. فأصبح هم الطالب وأسرته الحصول على مجموع مرتفع بأي ثمن، كما أن توزيع الطلاب على الجامعات من خلال التنسيق يقضي على فرص التنافس بينهم.

تغيير الثانوية العامة، دون إعداد كامل للمعلم وتطوير المناهج والمدرسة قد يؤدي إلى المزيد من الانهيار في التعليم

ويتخوف التربويون وأولياء الأمور على الجانب الآخر من أن تدخل الوساطة والمحسوبية والرشوة في عملية التحاق الطلاب بالجامعات بعيدًا عن المجاميع، وذلك عند إجراء اختبارات القدرات، لا سيما أن مجموع درجات الطالب كان يضمن قدرًا من العدالة في توزيع الطلاب على الكليات وفق درجاتهم في الثانوية العامة.

وفي رأي شوقي فإن التخوف من تطوير الثانوية العامة بذريعة تفشي الفساد عند توزيع الطلاب أمر كارثي، لأن ذلك سوف يبقي الحال على ما هو عليه، وشدد على أنه ليس صحيحًا أن إلغاء التنسيق بالمجموع سوف يقضي على العدالة الاجتماعية لتحل مكانها الواسطة. وأوضح “نحن نسعى لأن يحب الطالب ما يدرسه بعيدًا عن تدخلات الأسرة وحلم الوظيفة الحكومية”.

وحسب المعلن حتى الآن بشأن النظام الجديد فإن شهادة الثانوية العامة سوف تكون شهادة “منتهية”، بمعنى أنها لن تكون مؤهلة فقط للتعليم الجامعي كما هو معمول به حاليّا بل يمكن أن يعمل بها الطالب في أي مهنة، ويلتحق بالتجنيد في الجيش، ويسافر خارج البلاد، ويمكن له أن يعود ويستكمل تعليمه الجامعي خلال 5 سنوات تكون خلالها الشهادة صالحة لاستكمال التعليم.

علاوة على ذلك فإن الطالب الحاصل على شهادة الثانوية يستطيع خلال هذه السنوات الخمس أن يحسن مستواه إذا كان المجموع التراكمي الذي حصل عليه أو المادة التي سوف تؤهله لاختبارات القدرات الجامعية لن تمكنه من دخول الكلية التي يحبها.

فسرت وزارة التربية والتعليم كيفية نجاح النظام الجديد في القضاء على الدروس الخصوصية بأن الطالب سوف يكون هو الأساس في عملية التعلم وليس المعلم، لأن دور هذا الأخير يتمثل فقط في مناقشة الطالب في أبحاثه وتصحيح المعلومات التي فهمها وجمعها عبر البحث والمساعدة في الإبداع والابتكار وممارسة الأنشطة، ولن يكون هناك الحفظ أو التلقين.

وقالت مصادر مسؤولة بوزارة التعليم لـ”العرب” إن منظمات تعليمية دولية وخبراء تربويين من دول أوروبية عديدة ومعهم أساتذة من جامعات مصرية يشاركون في وضع النظام الجديد للثانوية العامة، من حيث طريقة الدراسة ونوعية ومحتوى المناهج وطريقة الامتحانات وضمان عدالة توزيع الطلاب على الكليات، وسيتم إلغاء النظام الحالي خلال عام على أقصى تقدير.

وفي المقابل، رأى خبراء تربويون أن فكرة نظام الثانوية العامة الجديد “جيدة”، لكن تطبيقها قبل تطوير المناهج الدراسية الحاليّة، وإدخال التكنولوجيا في مختلف المدارس الثانوية، وتدريب المعلمين عليها بشكل محترف، وإبعاد العنصر البشري عن التحكم في طريقة التحاق الطلاب بالجامعات، سوف يكون كارثة تربوية.

وقال جمال العربي، وزير التربية والتعليم الأسبق إن الرؤية ما زالت ضبابية، لأن جعل نظام الثانوية العامة على 3 سنوات سيكون عبئاً على الأسرة بسبب الدروس الخصوصية، فضلا عن إمكانية تحكم المعلم وزيادة نفوذه داخل الفصل. وأوضح أن أي تغيير في الثانوية العامة، التي تحدد مصير الطالب علميّا ووظيفيًا، دون إعداد كامل للمعلم وتطوير المناهج والمدرسة وطمأنة الناس بمزايا المشروع الجديد ووضع طريقة علمية لمتابعة أبحاث الطالب وتقييمها قد يؤدي إلى المزيد من الانهيار في العملية التعليمية.

ورد طارق شوقي في تصريحاته لـ”العرب” على ذلك بأن “تغيير الثانوية العامة بات ضرورة للعودة بالتعليم المصري ليصبح ‘متعة’ وليس مجرد ‘صناعة المجموع’، ولن نطبق ذلك دون الاطمئنان إلى نجاحه والقضاء على سلبياته وعرضه للحوار المجتمعي”.

17