نظام دمشق وتنظيم داعش: تبادل أدوار غير معلن

يمثل سقوط تدمر بيد تنظيم الدولة الإسلامية إنهاء لفكرة الأسد كشريك في مكافحة الإرهاب، واختبارا حقيقيا لمدى جدية قوات التحالف في محاربة الإرهاب، وامتحانا لقوى المعارضة، بشقيها المسلح والسياسي، التي تجتهد في إسقاط النظام وصدّ تمدد تنظيم داعش ووضع حدّ لأربع سنوات من الصراع الدامي والمدمّر لسوريا.
الخميس 2015/06/04
براميل النظام السوري تشكل حماية لتقدم داعش في ريف حلب

دمشق- حركة كبيرة يشهدها ملف الأزمة السورية، تتوزّع بين العمليات العسكرية للمعارضة المسلّحة من جهة أولى، وتنظيم داعش من جهة ثانية، ورد فعل النظام من جهة ثالثة، والتحركات والتصريحات الدبلوماسية التي تتحدّث عن مساع لإبعاد الأسد من سدّة الحكم من جهة رابعة.

ويرى خبراء أن سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة تدمر مثّلت نقطة مفصليّة في هذه الحركية، كان لها تأثير على تحركات مختلف الأطراف المعنية بالملف السوري، المحلية والإقليمية والأممية والدولية. وتصف ورقة بحثية صدرت عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية مرحلة ما بعد دخول تنظيم داعش لتدمر بـ”الاختبار الوظيفي لجميع الأطراف”.

وعقب سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على محافظة الرمادي، غرب العراق، ومدينة تدمر في ريف محافظة حمص، بات التنظيم أمام مجموعة من الخيارات المفتوحة بحكم استراتيجية المناطق التي سيطر عليها، الأمر الذي سيكون له آثار عسكرية وسياسية على مسار الجبهات المتعددة خاصة في سوريا.

ويعدّ هذا اختبارا وظيفيا لجدية أداء قوات التحالف الدولي وتعاطيها العسكري مع تنظيم الدولة في سوريا من جهة، وتحديا لمشروع فصائل المعارضة في صدّ قوى الإرهاب والتطرّف المتمثل في تنظيم داعش، أمام عجز النظام وتسهيله انتشارها من جهة أخرى.

الخسائر في الشمال والشرق والجنوب تمثل اختبارا لسيطرة الأسد على المناطق الغربية وهي الأكثر أهمية في معركته

وتوضح دراسة مركز عمران للدراسات الاستراتيجية كيف شكلت السيطرة على تدمر رافدا عسكريا مهما لتنظيم الدولة الإسلامية على المدى القريب ضمن معركته الحالية، حيث سيطر على جميع مقرات النظام العسكرية والأمنية في المدينة بما تحتويه من أسلحة وذخائر، كما زاد من هذه السيطرة الوفرة النفطية لحقل جزل في شمال غرب مدينة تدمر، حيث وضع التنظيم يده على جزء كبير منه.

ويعتبر هذا الحقل من أفضل الحقول وأكثرها إنتاجا في ريف حمص، في حين أحكم التنظيم سيطرته، قبل ذلك، على حقلي أرك والهيل، لتضاف إليهما سيطرته على خنيفيس والمناجم الشرقية بما تحتويه من فوسفات، لتنضم هذه الحقول إلى سلسلة طويلة من موارد الطاقة في سوريا التي باتت تحت سيطرة التنظيم بشكل شبه كامل.

ولم يبق خارج سيطرة داعش اليوم إلا حقل الشاعر المتنازع عليه مع النظام والذي يحتوي على الغاز والنفط، إضافة إلى حقول رميلان التي تسيطر عليها وحدات “حماية الشعب” الكردية في ريف الحسكة.

ويعمل الأسد جاهدا على التمسك بمنشآت الطاقة الضرورية لمد المناطق التي تسيطر عليها الحكومة باحتياجاتها بما في ذلك حقول النفط والغاز شرق حمص. وقد تمثل الخسائر في الشمال والشرق والجنوب أمام جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة جناح تنظيم القاعدة في سوريا، اختبارا لسيطرة الأسد على المناطق الغربية من البلاد وهي الأكثر أهمية في معركته للصمود.

سالم زهران: سقوط تدمر خسارة تكتيكية لكنه مكسب استراتيجي لنظام الأسد

ومن جهة أخرى منحت بادية تدمر لتنظيم الدولة الإسلامية القدرة على التحكم في العديد من طرق الإمداد، وتطويعها في محاصرة النظام السوري في مدينة دير الزور ضمن ما تبقى له من مناطق في أحياء (الجورة والقصور) ومحيطهما والمطار العسكري. في المقابل منحته البادية الواسعة طرقا أخرى للوصول إلى مناطق القلمون الشرقي والغوطة الشرقية في ريف دمشق، إضافة إلى قربه لكل من ريفي حمص وحماة الشرقيين وتهديدهما بشكل مباشر.

أما فيما يتعلق بخارطة تحركات التنظيم المتوقعة، وبالانسجام مع استراتيجيته العسكرية الأكثر اتباعا منذ نشأته، وهي اتباع أثر موارد الطاقة و”اغتنام” الأسلحة والعربات، فتمنحه مدينة تدمر عدة خيارات وفق المحاور الأربعة التالية:

* محور حمص: حيث يتوقع أن يعيد استهداف حقل الشاعر، شمال غرب مدينة تدمر، وتجدر الإشارة إلى تراجع إنتاج الحقل من النفط، إضافة إلى قدرة التنظيم على قطع خطوط الغاز عن الحقل دون السيطرة عليه، عبر مناطق نفوذه في تدمر، ما يجعل من هذا الخيار خيارا تكتيكيا مقابل خيارات أكثر استراتيجية منحتها تدمر للتنظيم، هذا من جهة، أو أن يستمر بالتحرك غربا بعد سيطرته على حقول الفرقلس تجاه مصفاة النفط من جهة أخرى، إلا أن تحصين النظام لهذه المنطقة وحمايتها من قبل أربعة مطارات عسكرية قريبة منها كالتيفور والضبعة والتياس والشعيرات، إضافة إلى الدعم الأساسي للنظام من جانب حزب الله في هذه المعركة، سيجعل من هذا التوجه خيارا خاضعا لصد ورد.

* محور القلمون الشرقي: وهو الأكثر احتمالا، إذ سيحقق له هذا المحور هدفه في التمدد والتمكين من خلال السيطرة على محطة الناصرية لتوليد الكهرباء، متكئا على مجموعاته الموجودة في مناطق الرحيبة، جيرود وجبال البتراء، إضافة إلى خلاياه النائمة في القلمون الغربي (منطقة التل) ومجموعات كبيرة في القلمون الشرقي بعد مبايعتها للتنظيم، الأمر الذي قد يسهل عليه المعركة مع فصائل المقاومة الوطنية، وقد يترافق هذا الخيار مع احتمال انسحاب قوات النظام من بعض النقاط العسكرية لتسهيل وصول التنظيم إلى منطقة القلمون الشرقي، واستنزاف قوى المعارضة المسلحة عبره.

النظام السوري يعمل على صد تقدم داعش في المناطق التي تؤثر عليه مقابل تسهيل مروره إلى مناطق تواجد المعارضة

* محور الغوطة الشرقية: وذلك عبر بوابة “بير القصب” في ريف دمشق والتي شهدت مؤخرا سيطرة مجموعات تنظيم داعش عليها، وإخلاء النظام لمطار السين مما يدلل على دفع النظام لداعش بهذا الاتجاه وذلك لإطباق الحصار على الغوطة الشرقية من ريف دمشق من كافة الجهات، ووفقا لخطورة هذا الحصار، إن تم، فإن جيش الإسلام الذي يتولى حماية مناطق الغوطة الشرقية من المفترض أنه لن ينتظر حتى وصول التنظيم أعتابه وإطباق الحصار عليه، ما قد يدفعه للخروج وصده، ولعل معركته الأخيرة ضد النظام في اللواء 39 إشارة على توجّس جيش الإسلام من أي تحرك مقبل للتنظيم والتوجه إلى فتح ثغرات جديدة تمنع أي حصار محتمل.

* محور السويداء: ويرتبط هذا الخيار بمدى تسارع تقهقر وانهيار نظام الأسد، والذي قد يلجأ إلى استغلال التقدم، بطرح تنظيم الدولة عسكريا واستغلال ورقة الأقليات من جديد، عبر استدراج التنظيم إلى مناطق تواجدهم لافتعال مجازر جماعية طائفية تقدمه حاميا للأقليات أمام المجتمع الدولي والحاضنة الشعبية، كما تساعده في تجنيد المزيد من أبناء تلك الأقليات؛ كما فعل مؤخرا في قرية المبعوجة بمدينة السلمية، فإنه من المتوقع أن يلجأ هذه المرة إلى استدراج التنظيم إلى السويداء عبر البادية، خصوصا بعد ما شهدته المحافظة في الأشهر القليلة الماضية من حركات مسلحة مناوئة للنظام.

النظام بين التوجيه والمواجهة

لا يزال الأسد يعتقد أن الغرب سيعاود قبوله شريكا في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية وهو تحول لا توجد مؤشرات على حدوثه، خاصة بعد تصريح مبعوث الرئيس الأميركي المكلف بتنسيق عمل التحالف المعادي لتنظيم الدولة الإسلامية، الجنرال البحري المتقاعد جون ألن، الذي جاء فيه أنه يجب ألا يكون للرئيس السوري بشار الأسد أي دور في أي حل طويل الأمد للصراع في سوريا.

الحكومة السورية تعتبر سقوط تدمر خسارة تكتيكية

وقال نواه بونسي، وهو محلل كبير في مجموعة إدارة الأزمات الدولية “من الواضح أن التوجهات الحالية ليست في صالح النظام السوري”، فيما تؤكّد ذلك دراسة مركز عمران للدراسات الاستراتيجية مشيرة إلى أن معركة تدمر جاءت بالتزامن مع هزائم النظام السوري وحلفائه، التي استغلها تنظيم داعش ليتمدد في مدينة تدمر.

وبعد خسارة هذه المدينة الاستراتيجية لم يستطع النظام سوى اتباع نهج تقليل الخسارة والحفاظ قدر الإمكان على موارده البشرية التي تعاني استنزافا شديدا خاصة في ظل تململ ورفض حواضنه الاجتماعية الالتحاق بمعركة يعتبرون أنفسهم وقودا مجانيا فيها، لذا قابل نظام دمشق هذه المعركة بسياسة تقليل الخسائر.

وتشير الوقائع الميدانية والتصريحات الدولية إلى أن بشار الأسد واقع تحت ضغط عسكري أكبر من أي وقت مضى في الحرب المستمرة منذ أربعة أعوام؛ وبناء عليه ترصد دراسة مركز عمران تغييرات في استراتيجية النظام السوري، خصوصا من ناحية التعامل المزدوج مع تنظيم داعش.

وتقوم هذه الاستراتيجية على استغلال تلاقي المصالح بين نظام الأسد وتنظيم داعش والتوظيف المشترك في دعايتهما وخطابهما السياسي والإعلامي في مرحلة أولى، ثم في مرحلة لاحقة توجيه المعركة أكثر من المواجهة المباشرة مع التنظيم، وذلك في سبيل إطالة عمر النظام وتأخير لحظة سقوطه. إذ يدرك نظام الأسد أن المعادلة العسكرية خلال هذا العام فقط، جعلته يخسر ضعف ما كان يسيطر عليه عسكريا العام الماضي.

وبناء عليه سيحاول النظام السوري صد تقدّم التنظيم في المناطق التي تؤثر عليه، مقابل تسهيل مروره إلى مناطق تواجد فصائل المعارضة المسلحة، وفتح معارك جديدة ترهق الطرفين.

كما أن النظام لن يحاول تعزيز مواقعه إلا بالقدر الذي سيشكل فيه تنظيم داعش خطرا حقيقيا له، في حين سيسعى جاهدا إلى محاولة استغلال سقوط تدمر بيد تنظيم الدولة الإسلامية بطريقة سياسية بهدف كسب تنسيق مع المجتمع الدولي وإعادة محاولة تقديم نفسه كشريك في الحرب ضد الإرهاب من جهة، وإحراج قوات التحالف أمام تقدم التنظيم من جهة أخرى.

وفي هذا الخصوص يرى سالم زهران، الناقد اللبناني المعروف بعلاقاته الوثيقة مع دمشق، أن الحكومة السورية تعتبر سقوط تدمر خسارة تكتيكية، لكنه مكسب استراتيجي. وقد صرح مبرزا وجهة نظر دمشق: إن سقوط المدينة الأثرية في يد داعش ينبغي أن يشجع واشنطن على مراجعة سياستها بشأن سوريا.

بالمقابل، تشير الدراسة الاستراتيجية لمركز عمران، إلى أن معنويات جنود النظام اليوم بأسوأ حالاتها بعد سقوط مدينة تدمر، وما سبقها من خسائر في محافظة إدلب على يد جيش الفتح، فمع سقوط معسكر المسطومة والمشفى ومدينة أريحا، تكون قوات المعارضة قد سيطرت على مجمل محافظة إدلب تقريبا.

وينعكس انهيار المعنويات العسكرية لجيش النظام بشكل طردي على ما تبقى من الحاضنة الشعبية للأسد، وتحديدا من الطائفة العلوية، خصوصا أن الخوف الحقيقي لهذه الحاضنة يرتبط بتقدم أي قوة على حساب النظام سواء أكان التنظيم أو قوى المعارضة. وهذا الإحساس بالانهيار الوشيك للنظام قد يترجم في المراحل القادمة إلى انشقاقات وتصفيات على مستوى القيادات، أو ربما مبادرات من داخل الطائفة في إطار البحث عن حل بدليل للأسد.

رهان بعض أطراف المجتمع الدولي على قدرة الأسد لمكافحة داعش وتقديمه كشريك في إيقاف تقدم التنظيم بدأ ينحسر

اختبارات وظيفية دوليا ومحليا

تنتقد الدراسة الاستراتيجية ما وصفته بعدم نجاعة سياسة التحالف الدولي وعدم نجاحها في مواجهة تقدم تنظيم الدولة عبر الضربات الجوية.

وترى أن رهان بعض أطراف المجتمع الدولي على قدرة الأسد لمكافحة تنظيم داعش وتقديمه كشريك في إيقاف تقدم التنظيم، بدأ ينحسر بعد التحرير الفعلي لمدينة عين العرب “كوباني” على يد ائتلاف فصائل من الجيش الحر والأكراد مدعومة بقوات التحالف.

لتعود هذه الفكرة وتتلاشى بشكل شبه نهائي اليوم أمام خسارة الأسد لتدمر، ما يضع المجتمع الدولي أمام خيار التنسيق مع فصائل المعارضة المسلحة لمواجهة خطر تنظيم الدولة الإسلامية كقوة محلية قادرة على تحقيق انتصارات متتالية على نظام الأسد وتنظيم داعش في وقت واحد، مقابل عجز الأسد عن حماية حتى مناطقه وتراجع نفوذه على الأرض، حيث تبلغ نسبة سيطرته 23 بالمئة بينما المعارضة 19 بالمئة والقوات الكردية 11 بالمئة، وتنظيم الدولة 30 بالمئة وحزب الله 2 بالمئة، بينما المواقع التي لا تخضع لسيطرة أي فصيل 25 بالمئة.

من جهة أخرى يوضح تقدم تنظيم الدولة الإسلامية المتوازي في العراق وسوريا يوما بعد يوم اختلاف سياسة تعاطي الولايات المتحدة الأميركية مع داعش في كل من العراق وسوريا، فبعد سقوط الرمادي قامت وزارة الدفاع الأميركية بتقديم 1000 مضاد دبابات للحكومة العراقية في سبيل المساهمة بإيقاف داعش، وإن كانت تلك المضادات قد لا تحدث فرقا كبيرا في مسار المعركة في العراق، إلا أنها تعود لتؤكد بأن واشنطن تتوجّس من تقدم التنظيم في العراق أكثر من سوريا، كما تدل على استمرارها في اتباع سياسة الاحتواء العسكري لتنظيم الدولة في سوريا، مقابـل سياسة الاستئصال في العـراق.

مواجهة داعش والمعارضة المسلحة

تمكن تنظيم داعش في الأيام الأخيرة من التقدم في ريف حلب الشمالي، مسيطرا على ناحية صوران، وعدد من القرى المجاورة لها، فيما تفيد مصادر المعارضة المسلحة أن الفصائل المقاتلة تتجهز لعمل عسكري كبير ضد التنظيم في المنطقة.

واستنادا للمعطيات الأولية، فإن كل التقديرات تشير إلى أن المرحلة القادمة ستحمل شعار قتال قوى المعارضة المسلحة مع تنظيم الدولة الإسلامية، ويبدو القلمون الشرقي الخيار الاستراتيجي الأقرب للتنظيم، حيث سيجعل هذه القوى تستنزف على ثلاث جبهات تنظيم داعش والنظام السوري وحزب الله، وبالتالي.

وتخلص الدراسة، إلى أنه بالرغم من الواقع الذي فرضه تنظيم داعش على الأرض بعد دخوله تدمر ومحاولات الأسد توجيهه، وعدم جدية التحالف الدولي في التعاطي معه، فإن قوى المعارضة السورية بالتعاون مع حلفائها الإقليميين، تمتلك هامشا جيدا للتحرك السياسي والعسكري واستغلال الواقع الجديد لصالحها.

على المستوى السياسي ينبغي أن تقدم المعارضة السورية نفسها كبديل عن النظام الذي لم يعد قادرا على حماية سوريا عبر تكريس هذه الحقيقة بكل المؤتمرات الساعية إلى الحل السياسي، الإقليمية منها والدولية، وعن طريق توسيع قاعدة التوافق والتنسيق مع فصائل المعارضة المسلحة في إطار مشروع متكامل للدولة يحقق الطموحات الوطنية ولا يتعارض مع المحددات الأمنية للنظامين الإقليمي والدولي.

وعلى المستوى العسكري فيتوجب على قوى المعارضة تصدير نفسها بأنها قوة قادرة على خوض المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية عبر الانتقال من مستويات دفاعية إلى مواقع هجومية، وعلى أنها تمثل البديل الواعد والحقيقي عن النظام في ضبط الأمن المحلي ومنع الانسياب الإقليمي لقوى التطرّف.

7