نظام قتل عالمي

الخميس 2013/09/05

مما يثير السخرية في الاندفاعة العسكرية الغربية ضد النظام السوري اليوم أنها تأتي كرد فعل على طريقة قتل السوريين وليس على قتلهم. الطريقة الكيماوية أثارت حفيظة الغرب وأيقظت أخلاقه. هناك إذن قتل مسموح وقتل ممنوع. وذلك يتوقف على الطريقة. قبل 21 أغسطس 2013 كان النظام السوري، بحسب المعايير الأميركية، يقتل بأساليب تقع ضمن الحدود الطبيعية، وإن كان يقوم بذلك مع قليل من الشطط الممكن تحمله.

هذه الحدود الطبيعية للقتل لا يخرقها مثلاً ضخ الرصاص الحي على اعتصام سلمي في ساحة الساعة في حمص، أو في ساحة بورسعيد في اللاذقية، وذلك قبل أن تتطور الانتفاضة الشعبية بالاتجاه الذي أراده لها النظام وخصومه الطارئين في الخليج.

ولا يخرقها السلاح الأبيض وهو يحز الرقاب الغضة في القرى والبلدات السورية، بعد أن دخل السلاح على خط الثورة، ثم استجلب النظام أشباهه من شتى أصقاع الأرض، وراحوا يتبارون في مستوى الهمجية، حتى باتت الهمجية تستمد «شرعيتها» من الهمجية المضادة. كان كل ذلك يقع ضمن الحدود الطبيعية للقتل.

وما يزيد في السخرية أن أميركا التي أعلن رئيسها في 18 أغسطس 2011، أي منذ ما يزيد عن السنتين، أن الرئيس الأسد قد فقد شرعيته وعليه أن يرحل وأن رحيله أفضل للشعب السوري، تتحدث اليوم عن ضربة عقابية ليس من أهدافها إسقاط نظام الأسد. إذن هدف الضربة لا يعدو أن يكون ضبط النظام ضمن حدود وسائل القتل التقليدية. «هدف أي عمل عسكري محدود سيكون ردع استخدام أسلحة كيميائية في المستقبل»، بحسب كلام أوباما في مقابلته مع شبكة التلفزيون العامة الأميركية.

لا بأس، يبدو أن الضحية التي تنزف دماً أقل أثراً في النفس الأميركية من الضحية التي تموت دون أي أثر عنيف على الجثة. تلك معايير أمريكية خاصة.

غير أن القليل من التدقيق يبين لنا أن ما يدفع أمريكا للتحرك ليس وجود نظام ينتهك قوانين إنسانية باستخدام السلاح الكيماوي، وليس مناصرة شعب يطمح ويدفع الثمن الأغلى ليحقق طموحه في الخلاص من استبداد استعمر البلد ويعمل على تكريس نفسه قدراً نهائياً على السوريين، وليس احتراماً لأبسط حقوق الإنسان وهو الحق بالحياة، دع عنك احترام المسعى الديمقراطي. إن ما يدفع أميركا للتدخل العسكري في سوريا هو «التأثير الإيجابي على أمننا القومي على المدى الطويل»، بحسب كلام أوباما نفسه.

هناك إذن أمن قومي يمكن أن يتطلب السكوت على القتل حيناً، أو التدخل اللطيف لضبط شكل ووتيرة القتل أحياناً، وقد يتطلب تغيير أنظمة ديمقراطية في بعض الأحيان (إيران مصدق، وتشيلي اللندي)، أو تدعيم أنظمة مستبدة في أحيان أخرى (الأمثلة لا تحصى). كل ذلك باستقلالية شبه كاملة عن المعايير الديمقراطية ومعايير حقوق الإنسان.

والسؤال التلقائي: لماذا تتعارض متطلبات الأمن القومي للدولة الديمقراطية الأقوى مع معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان في أرجاء العالم، في حين يجب أن لا تتعارض؟ والجواب التلقائي أيضاً هو لأن معايير الديمقراطية الأميركية لا تعترف بوجود «إنسان» مجرد ينبغي مناصرة حقوقه أينما كان. بل تعترف بوجود إنسان محدد تختلف معايير حقوقه باختلاف تحديده. فإذا كان أميركياً ترتفع عتبة التعدي على حقوقه، وإذا كان سورياً مثلاً تنخفض هذه العتبة فلا يرفعها إلا مدى تطابق مناصرة حقوقه مع «متطلبات الأمن القومي الأميركي».

على ما سبق، لا يبدو غريباً أن يكرر البيت الأبيض أن التدخل العسكري لا يهدف لإسقاط النظام. فلم يخرج النظام السوري بعد عن انسجامه مع «متطلبات الأمن القومي الأميركي» وبالتالي ليس الجانب المتصل بحقوق الإنسان ذا قيمة، وليست الجرائم والمجازر أكثر من منغصات تحرج الإدارة الأميركية.

يتضح أن من يقتل الأبرياء في كل مكان في العالم بمنهجية معادية للناس وبنفس طويل هو نظام قتل عالمي، وإن كان بيد وكلاء محليين. والوكيل المحلي في سوريا أوغل في القتل فبات على نظام القتل العالمي أن يغسل يديه قليلاً أو كثيراً من أفعاله. أما قرار استبدال هذا الوكيل فلم يبت به بعد على ما يبدو.


كاتب وطبيب من سوريا

8