نظرة الشباب للمرأة اختلفت عن الماضي ولم يعد التشبه بها عيبا

الاثنين 2017/08/14
شباب خاضع لثقافة العولمة

القاهرة - ينظر الكثير من الآباء إلى ما يرتديه أبناؤهم هذه الأيام من ملابس وأزياء على أنها عجيبة، وإلى شكل شعر رؤوسهم المشابه لأعراف الديكة، على أنه تفسخ أخلاقي يبلغ أحيانا حد الانحلال. ويتهمونهم بأنهم يقلدون الغرب تقليدا أعمى، ويؤكدون أن الشباب العربي الآن قد ضاعت لديه الهوية والأخلاق العربية الأصيلة، إلا أن الشباب يرد: وأنتم ما بكم؟ اتركونا في حالنا.. فما أنتم إلا “موضة قديمة”.

إلى أحد محال الحلاقة بوسط القاهرة دخل شاب فجلس ثم طلب من الحلاق أن يقص له شعر رأسه على طريقة المغني الأميركي جاستين بيير في أغنية “دي سباسيتو” الأخيرة، فما إن اقتربنا منه وسألناه عن إحساسه وهو يسعى ليكون شكله كشكل الفتيات رد ضاحكا “يا باشا .. وهل هناك الآن فرق بين النساء والرجال؟”، فهل هناك خلل ما أم أن تلك هي طبيعة الأمور وسُنّة الحياة؟

الأبناء يرون في نظرة الكبار لهم انغلاقا، وعزلة عن العصر، وامتدادا لثقافة بالية درجوا عليها، بل ويغالي البعض منهم فيصفونها بأنها امتداد لمناخ من قبول الاستبداد والانسحاق المجتمعي تربى عليه هؤلاء “العواجيز”، وهو ما يرفضونه بشدة، ويكررون على مسامع الجميع “لا.. نحن لن نكون أمثالكم”.

كثيرة هي الموضات والصرعات والبدع التي يفاجئنا بها كل يوم شبابنا العرب، بل ويعتنقونها اعتناقا، ضاربين بكل الموروث من الأذواق عرض الحائط، ومن ذلك قصّات الشعر العجيبة التي تشبه تسريحات الفتيات، والسراويل الضيقة ساقطة الحِجر الممزقة عند الرُّكبتين والأفخاذ، الملتصقة باللحم التصاقا فيبدو لك وكأنهم ارتدوها باستخدام “صابونة”، فضلا عن القمصان المُشجّرة الموسومة بكل أنواع الجماجم والصدور العارية والعبارات التي يتصبب لها جبين الرجل الكبير عرقا.

ينظر الشباب إلى الأمر على أنه أولا حرية شخصية ماداموا لا يؤذون به أحدا، وهو ثانيا مجاراة لجيلهم لأنهم لو لم يفعلوا لنعتهم أبناء جيلهم بالتخلف، ثم أنهم ينظرون للأمر على أنه محاولة لتحقيق الذات من خلال إبراز التميز والاختلاف.

البعض من خبراء علم الاجتماع يؤكدون أن مطالبة الشباب بأن يكونوا صورة طبق الأصل من آبائهم وجدودهم فيه تجن عليهم ومنافاة لمنطق اختلاف الأجيال في كل زمان ومكان، ويشيرون إلى أن هؤلاء الآباء أنفسهم كانوا هم أيضا يصرون على مناقضة آبائهم.

ويدللون على هذا بما رأيناه في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، من سراويل منفوخة واسعة الأرجل (شارلستون)، وقمصان مشجرة صاخبة الألوان على طريقة قمصان ملك الروك أند رول الأميركي ألفيس بريسلي، وشعور مسترسلة معقودة في ضفائر مثلما كان يفعل فريق “ذي بيتلز″ الغنائي في إنكلترا.

مظهر الشباب المولعين بالموضة بات لافتا للانتباه في المجتمعات العربية إذ تختلف الآراء حوله ويرى البعض أنه طبيعي

أما عن الاتهام الجاهز الشائع بأن هؤلاء الشباب إنما يقلدون الغرب تقليدا أعمى، وأنهم فقدوا البوصلة وتخلوا عن شخصيتهم العربية الأصيلة فإن الشباب يردون بأن العرب كلهم صاروا يعتمدون على الغرب في كل صغيرة وكبيرة، حتى في اتخاذ قراراتهم السياسية، ولم يعودوا منتجين للحضارة بل مستهلكين لها.. فلماذا إذن الادعاءات الكاذبة؟

ويرى هؤلاء الشباب الذين يحلو للكبار وصفهم بالمدللين، بل والمُخنّسين أحيانا، أن مفهوم الرجولة أصلا بات يختلف عن الماضي، حيث خرجت المرأة إلى الحياة العامة فصارت تنفق على نفسها، وتختار زوجها بنفسها بكامل إرادتها، ومن ثم لم يعد ثمة معنى لسبّ شاب ما بأنه يشبه النساء.

أحد أصحاب المحال بحي مصر الجديدة الراقي بالعاصمة المصرية قال لـ”العرب” إن مفهوم الحياء أصبح في الوقت الحالي ملتبسا ونسبيا جدا، وأوضح أنه لاحظ أن الفتيان والفتيات الذين يأتون إلى محله لم يعد لديهم ذلك النوع من الحياء الذي “عرفناه نحن في أيامنا”، وأرجع ذلك إلى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت على الأولاد والبنات.

وأشارت بعض الدراسات الحديثة إلى زاوية أخرى مهمة وهي أن نظرة الشباب، والإنسان العصري عموما، للأزياء باتت مختلفة عن تلك التي كانت عند الإنسان قديما، فبينما كانت الملابس في الماضي لستر الجسد وحمايته من البرد والحرارة فإنها الآن أصبحت وسيلة للزينة والبهرجة والتفاخر بالأناقة وإظهار الثراء.

والكثير من خبراء علم النفس يعترضون على فكرة وصم الشباب المهووسين بالموضة بأنهم “مرضى نفسيون”، ويصرون على وصفهم بأنهم مجرد ضحايا لأساليب الترويج وإعلانات التلفزيون الهادفة لا لشيء إلا إلى تحقيق المزيد من المال والأرباح.

ويضيفون أن من أهم خصائص فترة المراهقة عند الشاب رغبته في مخالفة كل ما هو قائم، سواء كان لباسا أو أفكارا أو حتى التقاليد، ويقولون إن تقليد هؤلاء الشباب للفتيات ما هو إلا بعض من خصائص تلك المراهقة. لكن رغم هذا الإقبال الكبير من جانب الكثير من الشباب على تلك التقليعات فإن ثمة على الجانب الآخر الكثير من الشباب الذين يرفضونها باعتبارها تشبها ممجوجا بالنساء لا يصح.

هيثم صالح (19 سنة) الملتحي قال لـ”العرب”، “لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال”، وهو الأمر الذي يعكس انقساما ثقافيا حادا بين نوعين من الشباب في البيئة العربية.

كذلك فإن من الظواهر العجيبة التي لفتت انتباه البعض من الباحثين، أن الكثير من هؤلاء الشباب عاشقي الموضة عندما يكونون في بلدانهم نراهم مصرين على ارتداء أزياء الآباء والأجداد، كالجلباب والشماغ والغُترة، فإذا سافروا إلى الخارج وجدناهم يخلعون كل هذا ويرتدون كل ما هو صارخ وفاقع من الألوان، ويطلقون لشعر رؤوسهم العنان.. فما تفسير ذلك؟

التفسير بسيط، وهو أن هؤلاء هم جزء من تيار عام يسود العالم حاليا نتيجة للعولمة وثورة الاتصال وثقافة الفيسبوك وأفلام هوليوود، وما ارتداؤهم أزياء القبيلة في أوطانهم سوى خشية من ردة فعل المجتمع وخوف من وصفهم بما ليس فيهم، وذلك ازدواجية لا يعانيها الشاب العربي في أزيائه وقصّات شعره فقط، بل في الكثير من مجالات حياته أيضا.

12