نظرة الغرب السطحية للمرأة العربية تختصرها في الحجاب وتجهل دورها الفعال

لازمت صورة المرأة المضطهدة والخاضعة والضعيفة تصورات الغرب عن النساء العربيات. ورسخت هذه التصورات معرفته المحدودة بأحكام الدين الإسلامي إلى جانب عادات وتقاليد المجتمعات العربية والثقافة العربية الإسلامية المحافظة في ما يخص المرأة. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، أفاق الغرب على صدمة خلقت بداخله تساؤلات حول ماهية المجتمعات المسلمة والعربية وحول صحة الصورة التي يحملها عنها من عدمها. دفع هذا الفضول الكثير منه إلى البحث في واقع هذه المجتمعات لاستكشاف حقيقتها ودراسة أدق تفاصيلها ومكوناتها، واتجهت الباحثة والكاتبة كاثرين زويف للبحث في أسرار المرأة العربية من خلال القيام بمقابلات مع شابات عربيات اكتشفت من خلالها أن الصورة النمطية التي يحملها الغرب عن المرأة العربية غير صحيحة.
الأحد 2016/01/31
أصنع غدي بيدي

رغم أن العالم العربي يعتبر اليوم أكثر منطقة في العالم تعيش على وقع الأزمات والصراعات والحروب إلا أنه مثل مصدر إلهام فكري وعاطفي للغرب.

أغلب المجتمعات الغربية تنظر إلى المجتمعات العربية على أنها مبنية على إخضاع النساء وفرض الحجاب عليهن وإبعادهن عن الأنظار، وحظر السفر عليهن، ومنعهن من الذهاب إلى المدرسة أو الاستمتاع بالعديد من "الحريات" التي تتمتع بها المرأة في الغرب.
هذه الأفكار مثلت المنطلق للباحثة كاثرين زويف لتسافر إلى عدد من الدول العربية وتعقد مقابلات وحوارات مع نساء عربيات بغرض فهم واقعهن خاصة بعد أحداث سبتمبر من عام 2001. ألفت زويف كتابا بعنوان "بنات متميزات: الحياة السرية للشابات اللاتي غيرن العالم العربي" سمحت من خلاله للمرأة العربية بالحديث عن نفسها والتعريف بذاتها وحياتها.

كتاب "بنات متميزات"، هو محاولة لإماطة اللثام عن الغموض الذي يلف التصورات والفرضيات الغربية حول الأنوثة في العالم العربي. كامرأة، تمنح زويف لقرائها فرصة فريدة للنفاذ إلى حياة وقصص النساء العربيات، وتجد الكثير منهن أنفسهن، للمرة الأولى، يفاوضن التفسيرات المعاصرة للمعايير الجندرية (النوع الاجتماعي) في علاقتها بالقيم المتجذرة في الإسلام منذ قرون.

هذه القيم تملي طريقة عيش النساء في المجتمعات العربية، ولكن التحقيق الذي أجرته زويف يغوص في الأمور الشخصية الصغيرة التي تلتزم بها هؤلاء النسوة لتسلط الضوء على الخيارات التي يواجهنها يوميا، ولكنها تقوض الكثير من الافتراضات التي يحملها القراء الغربيون حول العالم العربي.

وفي حوار لكاثرين زويف مع صحيفة واشنطن بوست الأميركية تقول "إن التقارير الأميركية عن العالم العربي تركز على الأزمات بمختلف أنواعها ورغم أنها مفيدة وجيدة، إلا أنني أعتقد أن تركيزنا على هذه القصص يؤثر في تشويه نظرتنا للمنطقة".

الغربيون يهتمون كثيرا بالحجاب أو بغطاء الرأس والشعر والجسد وتفاصيله عند المرأة المسلمة وكأن ذلك هو الجانب الأبرز فيها ولكن نظرتهم هذه تجعلهم في أقصى درجات السطحية
وتضيف أنها كصحفية غربية تحاول عند إعداد التقارير حول المجتمعات العربية، في ظل الأعراف الاجتماعية التي تتناقض مع ثقافتها التي ترفض قمع النساء، أنها لا تفكر من حيث تكوينها الثقافي الخاص، موضحة "في كتابي أصف كفاحي من أجل إجراء تقارير عن الممارسات المروعة والخاطئة التي وجدتها.
لكنني أعتقد أنه من المهم دراسة السياق الذي تتم فيه هذه الممارسات. عندما تقوم بذلك، غالبا ما يصبح واضحا أن قبول الناس لهذه الممارسات ليس بالضرورة أمرا غير منطقي، أو أنه يتعارض مع مصالحهم كما يظهر في البداية. على سبيل المثال، يتضمن الكتاب وصفا للنساء السعوديات اللاتي يدافعن عن نظام الوصاية، وهو أمر يقضي بحصول النساء البالغات على إذن من أولياء أمورهن من أجل ممارسة العديد من الأنشطة الأساسية، مثل السفر أو زيارة الطبيب. في البداية صدمني تشبث النساء بهذا النظام. ولكن ما فهمته أنه في بعض الأحيان، في سياق مجتمعهن، هذا الأمر قد يكون الأسهل أو الطريق الأسلم لهن ليعشن حياتهن".

الفتيات العربيات خلقن من الضعف قوة

رحلة الباحثة زويف في العالم العربي ودول الشرق الأوسط دامت أكثر من عشر سنوات توصلت بعدها إلى تأليف كتاب الفتيات المتميزات واستنتجت من خلال احتكاكها المباشر بمجتمعات هذه الدول ومن خلال قصص وحكايات الفتيات العربيات الواقعية اللاتي قابلتهن وتحدثت إليهن أن المرأة العربية هي من تمسك بمقود التغيير في مجتمعاتها.

عايشت زويف الحياة اليومية للفتيات العربيات وتعمقت في تفاصيلها التي قد تبدو للبعض تافهة لكنها في الواقع مهمة جدا، وانتقلت في حواراتها التي جمعتها في كتابها من بيروت إلى أبوظبي في الإمارات العربية المتحدة إلى القاهرة والرياض وإلى دمشق قبل اندلاع الحرب حيث عاشت ودرست اللغة العربية من عام 2004 إلى عام 2007. وواكبت قضايا النساء وأحداث عربية عديدة ومتنوعة من بينها الإطاحة بحكم مبارك في مصر ومشاركة المصريات فيها ودفاع السعوديات عن حقهن في السياقة.

دحض للتصورات الغربية حول الأنوثة في العالم العربي
قابلت فتيات تحميهن عائلاتهن وتسعى للتكفل بهن وفتيات تريد عائلاتهن التخلص منهن لكن محصلة ما نقلته عن قصصهن وواقعهن تبدو غير مقبولة ولا تصدقها المجتمعات الغربية، فقضاياهن وتقبلهن لواقعهن لا تبدو مفهومة في التصور والثقافة الغربية خاصة منها أهمية بكارة الفتاة التي تشترك فيها أغلب هذه المجتمعات والتي تبدو للوهلة الأولى مسألة يهتم بها جميع أفراد المجتمع إلا أن كاثرين تبينت أنها مسألة تهم الفتاة تخصها وحدها.

دحضت زويف تصور الغرب أن الفتيات خاصة بعد أحداث عام 2001 وبعد الثورات العربية غيرن العالم العربي كثائرات عن أوضاعهن مطالبات بتغيير الممارسات التي تضايقهن وتحد من حرياتهن وحقوقهن، بل إن الكثير منهن يدافعن عن حقوقهن بصبر ويواجهن تقاليد مجتمعاتهن مثل الوصاية المفروضة على المرأة السعودية بتجنب المواجهة مع الممنوعات التي تفرضها مجتمعاتهن وعملن على التغيير بحكمة وهدوء وحققن تغييرات تبدو ضئيلة لكنها حسب كاثرين تخلف تأثيرات عميقة.

وتضرب مثالا لتدعم به هذه الفكرة يتمثل في أن المجتمع السعودي الذي يرفض خروج المرأة للعمل دفعه الإحراج الذي يعيشه الرجل عندما يشتري لزوجته ملابس داخلية وحديثه عن مقاساتها للبائع إلى قبول عمل النساء في محلات الألبسة الداخلية الخاصة بالنساء وهو ما وفر مواطن عمل للعديد من السعوديات في هذا المجال.

وعن الحالات التي قابلتها والتي بدت من خلالها النساء العربيات يطعن القيم المحافظة كوسيلة لتحقيق حياة أكثر تقدمية، تقول الكاتبة: لقد اكتشفت أن هذه الظاهرة رائعة، ولاحظتها في الكثير من أنحاء المنطقة. في سوريا، قالت الشابات اللاتي يدرسن في مدارس إسلامية ذلك، حيث أن أسرهن المحافظة تثق بهن أكثر من ذي قبل، ومنحتهن قدرا أكبر من الحرية. وفي المملكة العربية السعودية، التقيت الناشطات اللاتي دافعن عن حق المرأة في قيادة السيارة على أساس أنه لا ينبغي للمرأة أن تنفرد في السيارة.

وعن رأيها في الزواج في هذه المجتمعات ونظرة الفتاة له تؤكد كاثرين أنه ضرب من الجنون أن تكون هناك اعتبارات وأحكام مسبقة عن الثقافة والمرأة العربية، “بعض الأمور تبدو غريبة جدا، على سبيل المثال، لماذا تريد النساء العربيات أن يرتب أولياؤهن زواجهن؟ ولكن بعد ذلك فكرت بأن الأمر يختلف عن مواقفنا حول الزواج والجنس في الولايات المتحدة الأميركية. وفي حالة الزيجات المنظمة.

ضرب من الجنون أن تكون هناك أحكام مسبقة عن الثقافة العربية والمرأة العربية، بعض الأمور تبدو غريبة جدا، مثلا لماذا تريد النساء العربيات أن يرتب أولياؤهن زواجهن

العديد من النساء السعيدات بزواجهن مررن بقصص رائعة وممتعة ويروين لحظة قدوم أزواجهن لخطبتهن، وكيف أنهن لم يشاهدن أزواجهن إلا عند عقد القران، "عندما استمعت إليهن لأول مرة، كنت مندهشة من الطريقة التي يحبكن بها روايات رومانسية حول الزواج المنظم. ولكني، في وقت لاحق، فكرت، وتساءلت هل هذا حقا يختلف عن القصص التي تحكي عن الحب من أول نظرة؟".

قصص الجيل الشاب من النساء العربيات لم تدرس عن كثب وبشكل معمق، فعام 2001 مثل نقطة فاصلة في إثارة فضول الغرب عن حقيقة أدوار النساء العربيات في مجتمعاتهن وتأثيرهن الفعلي الذي ما يزال خفيا، وأعادت ثورات الربيع العربي إحياء التساؤل عن قدرات الفتاة العربية على المطالبة بالتغيير. هذا الجيل أثار تساؤلات عديدة أيضا حول الحكومات العربية وحول تطور المجتمعات العربية من خلال ثوراتها.

النظرة الغربية للفتاة العربية المحجبة سطحية

لماذا يركز الغرب كثيرا على الحجاب؟ سؤال طرحته شابة سورية متدينة بعد أن طالعت مقالا صحفيا لكاثرين زويف، وتضيف “الفتاة لقد قضينا أشهرا ونحن نتحدث معك حول طريقة تفكيرنا ومعتقداتنا وقناعتنا وما يدور في وجداننا"، تلقت زويف هذا النقد بمزيج من العقلانية والحساسية وهي تعلم أنه صحيح أن الغربيين يهتمون كثيرا بالحجاب أو بغطاء الرأس والشعر وتغطية الجسد وتفاصيله عند المرأة المسلمة وكأن ذلك هو الجانب الأبرز فيها ولكن نظرتهم هذه تجعلهم في أقصى درجات السطحية. لكن البعد الرمزي القوي للباس المرأة المسلمة ليس من صنع واختلاق العرب، وهذا ما شعرت به زويف.

واقع النساء العربيات والمسلمات يكشف أنهن قضين أوقاتا طويلة في مناقشة وتقييم ومراجعة مسألة غطاء الرأس ولكن ذلك لا يعني أن يتم اختزالهن في الحجاب، وتعترف كاثرين بأن محدثتها أثارت وجهة نظر بالغة الأهمية تتمثل في أن الحجاب يستخدم لإخفاء مفاتن المرأة لا شخصيتها. وتؤكد كاثرين أنها عندما نشرت مقالا صحفيا حول تغيير الشابات للعالم العربي حكم عليه في المجتمع الغربي بأنه غير صحيح. ولكن انجذابها نحو محدثاتها دفعها إلى المزيد من البحث لإثبات نظرتها ورأيها حول دور الشابات العربيات في تغيير مجتمعاتهن "يجب أن تكتبي علينا أكثر" هذا ما طلبته منها الشابة السورية.

نحن نقرر

دعوة وجهتها إحدى الفتيات العربيات المسلمات للباحثين والكتاب والصحفيين الغربيين للكتابة أكثر عن قصص وحياة وشخصية وتفكير الفتاة العربية ومن خلالها نفهم دعوتها للغرب إلى التوقف عن اعتماد الصورة النمطية للمرأة العربية وإلى التفكير والنظر بعمق لشخصيتها وإهمال مظهرها وما يحيل إليه الحجاب من إيحاءات بأنها مستضعفة وأن الرجل يعتبرها عورة يسترها تحت هذه الثياب. وهي دعوة للغرب إلى التخلي عن السطحية في قراءة أدوار النساء العربيات المسلمات.

اليوم الفتيات العربيات يمثلن العدد الأكبر من طلبة الجامعات وبعضهن بدأن في مواجهة تقاليد مجتمعاتهن الدينية والاجتماعية من أجل تحقيق حياة مستقلة وتأخير سن الزواج والسعي لتحقيق طموحاتهن المهنية. والثابت بنظر زويف أن فتيات هذا الجيل لا يفكرن بنفس طرق أمهاتهن، ويقدمن على قرارات صعبة.

لقاءات زويف مع شابات من مجتمعات عربية مختلفة وفي أوضاع أمنية وسياسية مضطربة منذ دخولها عام 2004 إلى دمشق وتحديدا بعد تاريخ سبتمبر 2001 الذي رأته الخط الفاصل في دور نساء المجتمعات العربية في مجتمعاتهن وظهور قدراتهن على التغيير، كما مثل هذا التاريخ نقطة مفصلية في تغير وتطور نظرة الغرب إلى المجتمعات العربية المسلمة بين ما قبل العام 2001 وما بعده، لذلك تعمقت في دراسة الشابات العربية والبحث في تفاصيل ما يتصل بهن فكريا وماديا لتتأكد من أنهن بعيدات كل البعد عن تلك الصورة السائدة في مجتمعها وأنهن مؤثرات إلى درجة القدرة على تحقيق التغيير في محيطهن، وهو ما جعلها بأسلوب روائي سردي لا تتوقف عند تفاصيل الحياة اليومية للمرأة العربية بل تتجه نحو دحض الصورة النمطية الراسخة لدى الغرب على أنها ذلك الكائن المسير الذي يكتفي بإنجاب الأبناء وتربيتهم ورعاية الزوج والقيام بشؤون المنزل.

ومن خلال الغوص في الحياة الاجتماعية وتفاصيلها وكيفية التعامل مع الشابات سواء في سوريا أو في المملكة العربية السعودية أو في أبوظبي أو في بيروت لاحظت الكاتبة الغربية وجود فوارق شاسعة بين هذه المجتمعات رغم اشتراكها في الثقافة العربية الإسلامية، ولاحظت من خلال توزيع الأدوار في المحيط الأسري والمجتمعي ومن خلال طرق المعاملة مع الفتيات وتفاعلهن مع السلوكات الموجهة لهن وردود أفعالهن على قرارات مثل الزواج وغيره أن الشابات العربيات يتقاسمن العديد من النقاط أبرزها أنهن يعملن على تحقيق أهدافهن وطموحاتهن والارتقاء بواقعهن الحقوقي، لكن هذا السعي لا يتم بشكل ثوري بحت بل هو أشبه بالقوة الناعمة التي يجمعن من خلالها بين الصبر والعزيمة وبين الطاعة والرفض والتعبير عن كل ذلك بحكمة.

صحافية من تونس

20