نظرة على أعمال الفوتوغرافي دومينيك بوديس

الأحد 2015/06/07
المعلم والتلاميذ في الشمال الأفريقي

“في عينيه، استهلكتُ ملايين الثواني من السعادة، في عينيه كنت أرى انعكاسات الحياة وقد تلطفت، كنتُ أسكنُ في عينيه”. بهذه العبارة تفتتح إيزابيل صياح كتابا أشرفت عليه، لزوجها ورفيقها الراحل دومينيك بوديس، أرادت له أن يضمّ مجموعة مختارة من آلاف الصور التي التقطها طوال سنوات إقامته في المشرق العربي خلال سبعينات القرن الماضي، بوصفه مراسلا صحفيا للتلفزيون الفرنسي حين شاء القدر أن يشهد بهذه الصفة أولى سنوات الحرب الأهلية في لبنان، بل وأن تطاله بعض آثارها حين وقع جريحا بينما كان يقوم بأداء مهمته، وكذلك أن يشهد معظم الأحداث التي توالت بعد ذلك في مختلف بلدان المشرق العربي، من العراق إلى مصر، ومن سوريا إلى جنوب الجزيرة العربية، وذلك قبل أن يصير عمدة مدينة تولوز خلال ثمانية عشر عاما ثم نائبا في البرلمان الأوروبي، فرئيسا للجنة العليا المشرفة على وسائل الاتصال السمعي البصري، كي ينتقل بعد ذلك إلى رئاسة معهد العالم العربي، ثم لينهي مساره المهني بوصفه مدافعا عن الحق.

مئة وخمس وعشرون صورة اختيرت من بين آلاف الصور التي التقطها دومينيك بوديس، تكاد تشبه في تعبيرها البليغ سوناتات سكريابين القصيرة، أو تشبه أيضا، في ذاتها، قصصا قصيرة مكثفة، تقول اللحظة إذ تفجرها، مثلما تفعل القصة القصيرة تماما، حين توظف النور والظل في وجه أو في موقف أو في نظرة، تاركة لكلّ من يراها -دون أن يعرف ظروف التقاطها- أن يستوحي عناصرها وأن يكتب هو نفسه قصتها.

ذلك ما فعله أربعة وخمسون من أصدقائه، نساء ورجالا، أكانوا سياسيين أو شعراء أو روائيين أو رحالة أو رجال أعمال، حين قرأ كلّ واحد منهم صورة أو أكثر ثم كتبها كلمات. كان كلٌّ منهم في جملة أو جملتين أو في عشرات الجمل يحاول أن يُنطِقَ الصورة كلمات لا تحدّ من أو توجّه مع ذلك مخيلة أيّ شخص آخر يحاول بدوره أن يقرأ الصورة ذاتها وأن يكتب على طريقته، وكما تمليه عليه نظرته إليها، قصتها. بفعل الصورة وما توحيه، صارت النصوص ذاتها، كالصور التي تقولها، متعددة الأبعاد. إذ لم تكن تقول الصور كلمات فحسب، بل كانت في الوقت نفسه تقول هذه العلاقة التي كانت لكلّ منهم مع دومينيك بوديس بقدر ما كانت أيضا وفي الوقت نفسه تحاول النفاذ في عمق الصورة تستقرئها ظاهرا وباطنا، ثم تستدعي كل ما تحمل عناصرها مجتمعة أو متفرقة على افتراضه، ولا سيما شخصية من التقطها في لحظة ما من حياته، إذ كانت في الحقيقة واحدة من لحظات التكوين.

كان الروائي أمين معلوف أول من سجل هذه الخاطرة الخاصة بالصور “تحت كل صورة قصة، ولأننا لا نعرفها، نتخيلها، ونظننا قادرين على حزرها”. وها هو يكتب -كما رأى- قصة طفلة تهيّأت بلباسها الجديد كي تحضر عرسا “في نظرة الطفلة التي لبست من أجل العرس الهشاشة، والانتظار، والخوف من الآخرين؛ وعلى جبهتها ترتسم قبل الأوان هموم امرأة وعما قريب أمّ وراشدة، بلا حرية الراشدين. أما في نظرة الرحالة المصوّر، فثمة تعاطف عابر، قبلة بعيدة. سيبدأ العيد وسينتهي عمّا قريب.. والنيل يجرف منذ الأبد الحياة والطمي والخصوبة والخطر”.

المصور عندما تقوده عيناه إلى اللحظة الطفولية وراء اسلاك اللجوء

للسياسيّ قصة مختلفة يكتبها ما إن يرى صورة الفتاة وراء النافذة. يكتب فرنسوا بايرو “ثمة خيال في الظل يكاد يمّحي بسبب قسوة الضوء الخارجي وبهارته وعريه. والفتاة، وراء النافذة، مُرصَّعة هي الأخرى في الجدار الترابي. لا نرى ذراعيها المزينة بالأساور جيدا، لكننا نحزر نظرة عطشى تبحث عن اكتشاف الآخر وعن فهمه؛ الآخر الذي يلتقط الصورة”.

أمّا الصحفي، أي الزميل بمعنى ما، كريستيان ماكاريان، فيكتب هو الآخر عن معرفة بما وراء الصورة/ الخبر/ القصة “صورة مفاجئة للألم، وجه الألم، شرق يحمل الكارثة. يلتقط دومينيك هنا لحظة من الأبدية التي تؤلف بالنسبة للإنسان عبئا ثقيلا؛ تبدو اليدان المتوسلتان وهما تطلبان العفو، تصدر عن الفم شكوى أكثر مما تصدر عنه صرخة، كلّ عذاب العالم يرتسم في هذا المشهد الذي يندرج فيه كل شيء تحت عنوان الكرامة.

على اليسار يقف رجل آخر، أكثر شبابا، ليأخذ دوره في الألم، لا يستطيع فعل شيء، سوف يتلقى وسوف ينقل. وعلى اليمين، ذراع مجهولة تمتد لدعم الجسد الذي يتألم. أجهل كل شيء عن الظروف التي عاش فيها دومينيك هذا المشهد الممزق. أترك لخيالي إذن أن يقوم بالبحث. إنه يضعني عفوا على درب فقدان ما، وفاة، دراما، ليست شخصية فقط.

يعرف الشرق أكثر من أيّ منطقة أخرى في العالم كيف يربط تاريخ الشعوب إلى حزن كل شخص. وما كان الغربيون يعتبرونه خلال زمن طويل مسرحية ثقافية، تضخيما عاطفيا تحررت منه العقول، هو في الواقع ملخص عام للشرط الإنساني: بين الدجلة والفرات، بين النيل والخليج الفارسي، من الشواطئ الفينيقية حتى الهندوس، جرت وتجري سيول من الدموع، أمس مثل اليوم.

هناك إنما ولدت الحضارات، وهناك بقيت مجرّد وعد في مواجهة عبء الأيام التي تتشابه من عصر إلى عصر. تتجلى قوة هذه الصورة، المأخوذة قبل عشرات السنين في أنها تكلمنا عن حدث راهن مؤلم، وفي أنها تقنعنا بكل ما يجب عمله من أجل تحرير الشرق من سلاسل القدر”.

صحفي آخر يرى في صورة الطفل من التقطها. يكتب باتريس دوهاميل حكاية الصورة ” كلُّ دومينيك في هذه الصورة. التحفظ والدقة لدى الصحفي في الميدان، الحنان والتعاطف نحو هذا الطفل الوحيد وراء الأسلاك الشائكة، الأمل في رؤيته متحررا وخارجا من الجحيم. الالتزام للمدافع عن الحق في المستقبل؛ كلّ دومينيك هنا وأكثر من ذلك أيضا نظرة الإنسانوي، وتأثر الصحفي وتعاطف المواطن العالمي”،أما من رافقه في حياته المهنية اليومية سنوات، فيحاول التقاط الصورة في الصور كلها وفي صورة خاصة يقرؤها. كان أنطوان غريزو ذراع دومينيك بوديس اليمنى لسنوات “في عينيه كانت ثمة نظرة، نظرة الصحفي الذي اختار أن يكونه، والذي كان يقدم المعلومات عن جزء من العالم كان في طريقه للانتقال إلى التغيرات. ولكنها أيضا نظرة إنسانوي يرجو أن يقول حياة هذه البلدان اليومية.

كان يبرهن بلغة الصحافة على أن الحياة رغم الحروب ورغم الآلام، تستمر وعلى أن الأمل يدوم. هذا الأمل هم هؤلاء الصبيان وهاتيك الفتيات الجالسين كي يتعلموا. إذا كانت صور دومينيك بوديس عن الحرب قد التقطت عن كثب، وغالبا بالتماس، فلا يمكننا ألا نعبأ بأنه في سهره على احترام مسافة ما من أجل الصور يقوم بإلقاء الضوء على الحياة اليومية لهؤلاء الناس.
طفلة مصرية تهيأت بلباسها الجديد كي تحضر عرساً
لا يجب وتلك هي يقظته الجوهرية، أن تكون المعلومة تطفلا. كذلك، يتعزز صفاء هذه اللحظات من الهدوء بأفضل استخدام لهذا النور الذي يميّز هذا الشاطئ من المتوسط. لم يكن دومينيك بوديس مجرّد مراسل حربي، بل كان شاهدا ورفيقا للرجال والنساء الذين اختاروا العيش في الأمل”.

ذلك أنه كما يخاطبه جان لوك لاغاردير حين يقرأ في هذه المختارات “دومينيك، لقد قمتَ على الدوام بممارسة المهنة ذاتها: التقريب بين البشر”. هنا تقوم مسافة بين المصوّر وموضوعه.

لكن الأمر ليس على هذا النحو دوما. فها هي صورة حارس أحد الأمراء تكاد تنطق بأكثر من معنى. وهل هناك أفضل من نظرة من امتهن حرفة السمعيات البصريات كي يفكك ما بين الألوان/ السطور وهو يقرأ الصورة؟ يكتب كامي باسكال “الرجل شابٌّ وسيم مبتسم، ويفتِن. يضع الكوفية التقليدية لكن طريقته طبيعية، سهلة، ومرتاحة. يضفي عليه الجاكيت الغربي الملبوس على الجلابية البيضاء مظهر بلابوي. لماذا صور دومينيك هذا اليوم هذا الرجل الذي يبدو في عمره تقريبا؟

ثمة شيء من الصداقة يتجلى في نظرة الرجل مثل تلك التي حملها المصور. هل رأى دومينيك فيه صديقا؟ أخا؟ أم مثيلا له معكوسا بفعل عاكس الحضارات، لا نعرف! ثمة تفصيل، وهو ليس كذلك في الحقيقة، يدهشنا عند النظرة الثانية مع ذلك. خنجرٌ رائع معلق على زنار هذا الرجل، خنجر للاستعراض طبعا لكنه سلاح معكوف ومرعب، لا بدّ أن دومينيك، حين اخذ هذه الصورة، قد أخذها لأن شيئا ما دفعه، ربما بلا وعي، إلى التماهي مع هذا المحارب اللامبالي والمتألق، لكنه لم يكن يستطيع التنبؤ أن عليه ذات يوم أن يحمل بدوره خنجرا كي يصيب به الحقد في مقتله”.

هل كان دومينيك بوديس وهو يلتقط صورة الطفلة السورية التي حملها غلاف الكتاب يعلم ما الذي ستعنيه نظرتها اليوم بعد سنوات التدمير الممنهج والقتل العمد لشعب أراد استعادة كرامته وحريته المسلوبتين؟ نظرة براقة وابتسامة مفعمة بمستقبل مأمول على ما يحيط بها من بؤس مادي تحملنا على أن نرى في عيني المصوّر آمالا لا تنضب: لا في البلاد التي أحبها وظل حتى اللحظة الأخيرة يبحث عن الراحة والسعادة فيها فحسب، بل إن في إنسانها طفلا وامرأة ورجلا يستنطقهم بعينيه ويخاطبهم في العيون.

هكذا يبدو لنا أن دومينيك بوديس الصحفيّ لم يكن وحده الذي كأنه وراء الصور حين التقاطها، ولا كذلك السياسي الذي سيكونه بامتياز في موازنته بين الجميع يمينا ويسارا أو في طريقة فهمه للسياسة خدمة عامة للناس وشق كل الطرق في ما بينهم، ولا الروائي الذي سيكونه أيضا والذي ستعكس رواياته همومه التولوزية والمشرقية، بل كل ذلك معا: بذرة سرعان ما ستصير شجرة كبرى وارفة على كل من أحب من البشر شرقا وغربا.

كاتب من سوريا مقيم في باريس

15