نظرة قلقة على التراث

يجب أن تتحرك السياسة الثقافية لإعادة توظيف التراث وفق خطة مدمجة ومتكاملة تحقق مجموعة من الاشتراطات الحيوية، لخدمة الجماعة المصرية والعربية واستعادة هويتها ووحدتها ومشروعها الحضاري الآمل.
الأحد 2018/07/29
استعادة الذات العربية وتفردها وهويتها الخاصة (لوحة محمد خياطة)

لُبّ الدراسات الإنسانية خدمة المجتمع والتعبير عن حاجاته المتطورة والمغايرة، ففي لحظة تاريخية معينة تبرز الحاجة لظهور مجال إنساني جديد، وتختفي الحاجة لمجال قديم ربما بعد أن يكون قد وصل إلى ذروته وأدى دوره على أكمل وجه، وظهرت الحاجة للتعامل معه بطريقة جديدة لخدمة المجتمع الإنساني.

وصلت دراسات توثيق التراث المصري وتسجيله وحفظه من الضياع على مدى القرن الماضي إلى مداها، وذلك قبل أن يشهد المجتمع المصري عدة تطورات ككل دول العالم، اختفت معها العديد من مظاهر ذلك التراث وعاداته المتنوعة، وأصبح كمّ المتراكم في مجال دراسة الموروث الشعبي العربي والمصري على حد سواء، يحتاج غاية جديدة، هذه الغاية تفرض بدورها مجالا بحثيا وتطبيقيا جديدا لخدمتها وتفعيلها.

وأعتقد أن الغاية الجديدة في ذلك المجال عنوانها: إعادة توظيف التراث، ووفق هدف إعادة توظيف التراث يجب أن تظهر مجموعة من المجالات الجديدة ينشط فيها العاملون في هذا النطاق. إعادة توظيف التراث تهدف إلى المساعدة في إعادة خلق وتكوين الهوية القومية واستعادة سماتها المتفردة، في خضم عالم ساده التنمّط والإتباع لنمط الحياة الأميركي تماما من خلال العولمة. وستشمل استعادة التراث من سجلاته المحفوظة وإعادته عدة مجالات يجتهد فيها المجتهدون ويضعون فيها التصورات.

وقد تشمل أولا: إعادة التوظيف المباشر، وهو قد يضم مجموعة من العادات التي يمكن اختيارها وإعادة دمجها في الحياة المعاصرة لوجود وظيفة من الممكن أن تقوم بها في الحياة المعاصرة، وقد يشمل هذا المجال مثلا مجموعة من الأكلات الشعبية وتقاليدها وإعادة تقديمها في ثوب معاصر جديد بالاتفاق مع سلسلة مطاعم محترفة وطهاة بارعين، أو مجموعة من الأزياء الشعبية القديمة وتحويلها بالتعاون مع مصممي الأزياء المهرة إلى موضة جديدة جذابة، ودمجها في اتجاهات الذوق السائدة بالتعاون مع خبراء إعلاميين ومتخصصين في تشكيل وتوجيه الرأي العام عبر الحملات الإعلامية المختلفة.

كما يمكن اختيار عدة مشروبات شعبية طبيعية وتحويلها إلى منتج يمكن تصنيعه، مستفيدين من التوجه الجديد والثقافة التي تنتشر في الاستفادة من المكونات الصحية والعودة للطبيعة، والاتفاق مع مجموعة مصانع متخصصة في المسألة على البحث في طرق تصنيع وتقديم المنتجات الجديدة وتحويلها إلى موضة معاصرة رائجة.

وقد تشمل ثانيا: الصناعات الثقافية والإبداعية، التي تهتم بالعلاقة بين الخامات المحلية المتوفرة وبين الحرف اليدوية الشعبية المرتبطة بها، والعمل على استعادة وتعزيز الحرف التي تفعل الخامات الطبيعية الموجودة في مجموعة البيئات المحلية، وتحويلها إلى صناعة واسعة عن طريق المشاريع الصغيرة ذات الخطة الواحدة لتقدم خطا إنتاجيا عريضا وكافيا لخلق طلب كبير، أو عن طريق تطوير الحرفة الشعبية والبحث في طرق تحويلها إلى صناعة واسعة ضمن مشاريع كبيرة.

مثلا يمكن استعادة طقوس الحصاد وأفراحه بما تشمله من مراسم وحفلات عرس وسمر وأغنيات، لإعادة تقديمه وإنتاجه سواء عن طريق أبناء البيئة المحلية وتذكيرهم بالطقس

وأفرق بين الصناعات الثقافية والصناعات الإبداعية، عن طريق معيار التكرار والنمطية، فكلما كان المنتج متجانسا ومتشابها بقدر بعيد في طريقة صنعه وشكله النهائي داخل بيئة تصنيعه المحلية، يعد منتجا للصناعات الثقافية، كمنتجات جريد النخل التي تقدم في أشكال معتادة كأطقم الجلوس والحدائق مثلا. أما منتج الصناعات الإبداعية فأعطيه معيار التفرد والاختلاف في المنتج الواحد كل وحدة عن الأخري، كصناعة السجاد اليدوي التي تقدم رسما وشكلا طبيعيا مختلفا في كل سجادة، أو التي تصنع حسب الطلب ووفق مواصفات مميزة.

وهذه الصناعات الإبداعية قد تشمل الدمج بين عدة حرف تراثية واستحداثها بشكل مبتكر، فمثلا يمكن الدمج بين صناعة البردي الثقافية النمطية، وتحويلها إلى صناعة إبداعية تشتهر بمنتجاتها، عن طريق دمجها بفن الخط العربي والزخرفة الإسلامية، لتقدم شكلا مختلفا حسب الطلب في كل ورقة بردي، على اعتبار أن تاريخ الفنون أصلا قائم على الدمج والاستعارة بين وحدات مختلفة الأصل والمكان والزمان، ليعطينا في كل مرحلة روحا جديدة.

وقد تشمل ثالثا وأخيرا: المستوى الفني ومهرجانات الأداء الجماهيري وفنون الطهي والتذوق في الساحات المفتوحة (والمسارح المكشوفة)؛ وهذا من أكثر المجالات الثلاثة استحقاقا للعمل وجهد المبدع، حيث سيقوم على الاجتهاد في اختيار واستعادة مجموعة من الطقوس والتقاليد التراثية القديمة، التي يمكن إعدادها ومعالجتها فنيا ليتم تقديمها في شكل فني جديد للجماهير من خلال مهرجانات عامة مخصصة لذلك.

فمثلا يمكن استعادة طقوس الحصاد وأفراحه بما تشمله من مراسم وحفلات عرس وسمر وأغنيات، لإعادة تقديمه وإنتاجه سواء عن طريق أبناء البيئة المحلية وتذكيرهم بالطقس، أو عن طريق فرق شعبية تتخصص في استعادة الطقوس التراثية وإعادة تقديمها، كما يمكن أن يصحب طقس الحصاد وأفراحه بمهرجان للتذوق والطهي، عن العادات الغذائية المصاحبة له قديما سواء في الأفراح أو في مراحل الحصاد.

 كما يمكن عمل مهرجان موسع على نطاق مركزي داخل البلد نفسه لعرض ومقارنة طقوس الحصاد للبيئات المحلية المختلفة كالدلتا والصعيد ومطروح والنوبة والواحات وسيناء مثلا، كذلك يمكن عمل مهرجان الحصاد وأفراحه ذاته على المستوى العربي والتعرف على الثقافات العربية المشتركة بين وداي النيل والمغرب العربي والشام والخليج، ثم في مرحلة لاحقة يمكن عمل المهرجان نفسه على المستوى الدولي والمقابلة بين عادات وطقوس الحصاد بين مجموعة من الثقافات المتعددة في مختلف دول العالم والبحث عن المشتركات وقبول المختلف والتعرف عليه.

والمجال هنا يتسع لاختيار عناصر التراث وتوظيفها في مهرجانات الأداء الجماهيري، فيمكن تطبيق فكرة مهرجان الحصاد نفسه، على عادات الصيد البحري القديمة، أو الأغنيات المرتبطة بالميلاد أو الحرب، أو طرق التعامل مع المواد الأساسية للطعام كالدقيق والأسماك واللحوم والألبنان والتمور وتقديمها في مهرجانات للطهي والتذوق، أو تصور حدوتة جحا الشعبية أو الغول على مستوى عدة دول عربية، وتقديمها في شكل درامي قصير، وفي المستقبل يمكن تطوير هذه الفكرة إلى عمل أوبريتات ملحمية شعبية كاملة وإعادة إحيائها في شكل يمزج بين مختلف فنون العرض، أو فلنعتبره نوعا فنيا جديدا يرتبط باستعادة التراث وإعادة زرعه في الوعي الجمعي من خلال تلك الملاحم وإعادة تمثيلها، وتخصيص الموارد للاستثمار في هذا المجال الجديد.

 وأهمية الأمر هنا تكمن في أن بناء نموذج حضاري واستعادة الذات لأمة ما في عالم يتدافع الآن بقوة، يجب أن يقوم على فكرة مركزية وحزمة من السياسات الثقافية الداعمة لهذه الفكرة المركزية والمدمجة فيها، فإذا كانت الفكرة المركزية هي استعادة الذات العربية وتفردها وهويتها الخاصة ورصف الطريق لنهضتها، فإن إعادة توظيف التراث في رسم ملامح هذه الشخصية العربية يجب أن تكون آلية رئيسية، ومجالات للدراسات الإنسانية الجديدة، فرضتها الحاجة.

وهذا المجال بطبعه متعدد التخصص يربط بين علوم دراسة الشخصية ومجالها الاجتماعي والنفسي، وبين دراسات السوق وآليات خلق النمط الاستهلاكي وتوجيه السلوك العام، وبين مهارات فنون الأداء والبراعة في الاختيار منها أمام الجمهور، وكذلك بين براعة اختيار العناصر التراثية المخزنة لاستعادتها لتواكب شروط إعادة التوظيف وحالاتها الثلاث التي بيناها وهي؛ إعادة التوظيف المباشر للتراث، ثم الصناعات الثقافية والإبداعية للتراث، وأخيرا المستوى الفني ومهرجانات الأداء الجماهيري للتراث.

وهذه السياسة الثقافية الجديدة لإعادة توظيف التراث يجب أن تستفيد من اتفاقيات اليونسكو التي وقعت عليها الدول العربية خاصة اتفاقية عام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي، حيث يمكن تكييف النطاقات الثلاثة التي ذكرناها سابقا لمشروع إعادة توظيف التراث لتدخل ضمن إجراءات الصون المدعومة من قبل اليونسكو، وفي الوقت نفسه يجب أن تفي السياسة الثقافية بإعادة إنتاج التراث بمعايير الأمم المتحدة للتنمية المستدامة وشروطها، والاستفادة من البرامج ذات الصلة بها، وكذلك اتفاقيات الشراكة مع دول الاتحاد الأوروبي.

يجب أن تتحرك السياسة الثقافية لإعادة توظيف التراث وفق خطة مدمجة ومتكاملة تحقق مجموعة من الاشتراطات الحيوية، لخدمة الجماعة المصرية والعربية واستعادة هويتها ووحدتها ومشروعها الحضاري الآمل.

10