نظرة محايدة إلى إدوارد سعيد ودوره الفلسفي المنسي

مفكر أسس لثقافة إنسانية متجذرة لا تربط الأصل بأي إثنية أو عرقية.
الجمعة 2019/08/23
مفكر منفتح على صيرورة وتحولات الإنسان

يبدو التقييم الغربي للفلاسفة والمفكّرين غير الغربيين في غالبه استعلائيّا، يجانب الحقيقة أحيانا ويكتفي بجزء مبتور منها أحيانا أخرى، في نظرة تشي بفوقية وتفوّق مستبطنين لدى مفكّري الغرب. ومثلا نجد تقييمات كثيرة لأفكار المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد وشخصه أنجزها مفكرون غربيون، لكنّها في مجملها تعبّر عن عدم إلمام بفكر سعيد أو بسعي خفي إلى الحط من مكانته.

في كتابه ذي الحجم الصغير الموسوم “المنزل البربري” وصف رحالة إنكليزي شخصية الأمازيغي (البربري)، بأنها شخصية تتميز بأنها مثابرة وليست مقاومة، وربما يمكن لنا أن نسحب هذا الوصف، رغم المآخذ التي تسجل عليه مثل إعادة تكرار النظرة الاستشراقية الفوقية التي تنظر إلى الآخر غير الغربي بسلبية ملحوظة، إلى ميدان النقد الفكري.

إن النقاد العرب المعاصرين يثابرون في تتبع وإعادة إنتاج تقييم الدارسين والنقاد الغربيين لفكر غيرهم مثل فكر إدوارد سعيد الذي يوضع غالبا وفقط في خانة مؤسس نقد الخطاب الكولونيالي، وكأحد أبرز منظّري النقد الثقافي، ولكن هؤلاء النقّاد والدّارسين العرب لا يقاومون جزءا مهما وغير صائب من هذا التقييم، وفي مقدمته إبعاد دور إدوارد سعيد في تشكيل الفضاء الفلسفي المعاصر.

شرط التفلسف

لا شك أن هناك قليلا جدا من المفكرين والفلاسفة الغربيين الذين أشاروا وما يزالون يشيرون إلى انخراط إدوارد سعيد في تفلسف المكان ومفهوم البداية والذاتية والإنسية والنظرية والأصول والأصالة وغيرها من القضايا التي تنتمي إلى دائرة التفلسف، ويلاحظ أن أغلبية الدارسين والفلاسفة في أوروبا/ الغرب وفي البلدان العربية أيضا يميلون أكثر إلى اعتباره ناقدا للخطاب الكولونيالي في جلبابه الاستشراقي بشكل خاص.

إدوارد سعيد هو واحد من مثقفي عصرنا الذين أعادوا النظر في مفهوم الفلسفة وزحزحتها عن مجالها التقليدي

وهنا نتساءل: هل هناك فلسفة في كتابات إدوارد سعيد؟ وما هي خصائصها؟ لا شك أنَ إدوارد سعيد هو واحد من مثقفي عصرنا الذين لعبوا دورا في إعادة النظر في مفهوم الفلسفة نفسها وزحزحتها عن مجالها النسقي التقليدي، وذلك بجعلها ملتقى للتحاور، وللتناص بين الأسئلة المعرفية وأسئلة الوجود الإنساني في عالم يفتقد إلى إدراك ما يسميه بعدم عدالة العدالة في حركة التاريخ البشري بما في ذلك زماننا نحن أيضا، كما أن موقفه من أفكار ونزعات فلاسفة الغرب مثل روسو وديكارت وكانط وهردر وفيكو وهيغل وهوسرل وهيدغر وسارتر وكامو وفوكو ودريدا ودولوز موزَّع في كل مؤلفاته، وخاصة تلك التي درس فيها أزمة العقل الكولونيالي الغربي، والعقبات التي حالت وما تزال تحُول دون فسح المجال لتعايش الثقافات وتكاملها على طريق بناء الإنسانية الجديدة.

بادئ ذي بدء يمكن لنا أن نحاجج أنّ إدوارد سعيد له مساهمات في ابتكار المفاهيم كعادة الفلاسفة، وهي الخاصية التي يشترطها في الفيلسوف كلّ من الفيلسوف جيل دولوز، وصديقه المحلل النفسي غتَاري في كتابهما المشترك الموسوم بـ“ما هي الفلسفة”.

ومما يؤسف له أن ناقدين بارزين في حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية وهما بيل أشكروفت وبال أهلواليا قد أهملا في كتابهما الموسوم “إدوارد سعيد – 2001/1999” لم يدرسا باستفاضة عنقود مفاهيم إدوارد سعيد ذات الدلالات الفلسفية، بل فهمهما قد اقتصر على تحليل مفاهيم قليلة وربطوها بالنقد الكولونيالي وما بعد الكولونيالي ذي النكهة السياسية غالبا مثل، دنيوية النص والناقد والنزعة الإنسية والنقد العلماني والهيمنة المستعارة من أنطونيو غرامشي والخطاب المستعار أيضا من ميشال فوكو، والنقد الطباقي المستعار كذلك من القاموس الموسيقي.

في كتابهما هذا لم يفحص أشكروفت وأهلواليا تطوير وتوسيع إدوارد سعيد لعدة مفاهيم فلسفية، وإخراجها من الفضاء الفلسفي شبه التجريدي إلى فضاء علاقة القارئ بعوالم النص الثالث المختلف أو بالنص الاستعماري اللاغي لفرادة الآخر.

إسهام حقيقي

فهم الثقافة باعتبارها متجذّرة في طين الإنسانية البارد
فهم الثقافة باعتبارها متجذّرة في طين الإنسانية البارد

هنا يمكن التوقف، مثلا، عند توسيعه لمفهوم العالم عند مارتن هيدغر وتعديل دلالته في السياق الكولونيالي. ففي كتابه “الناقد والنص والعالم والناقد” نجد سعيد يسلك سلوك الفيلسوف في مناقشته للأصالة ومشكلاتها المتمثّلة في تحوّلها عند كثير من الفلاسفة ومنظّري الأدب والثقافة إلى سياج مغلق، بدلا من النظر إليها كمجرد نقطة بداية مفتوحة على الاقتراض والتغيّر والتحوّل، وللتكرار كما هي في نظرية فيكو التي لا تعني النسخ والاجترار وإنما الصنع ضمن إطار الاختلاف، وللنظرية الرحّالة التي ترحَل من هذا الحقل المعرفي إلى حقل معرفي آخر دون توقف.

وفي الواقع فإن إدوارد سعيد لم يهتم فقط بأفكار ومفاهيم ونظريات الفلاسفة والمفكرين الغربيين الكبار، بدءا من مؤسسي التراث الفلسفي اليوناني إلى أبرز فلاسفة العصر الحديث وحقبة عصرنا، بل إنه قام بإسهام فلسفي نقدر أن ننعته بتفلسف عصرنا الكولونيالي المتوتر ونقد الفكر الذي أنشأ الكولونيالية وأزمة الثقافة والقيم التي تتأسس عليها.

وفي هذا السياق ينبغي تقديم شهادات بعض دارسي الفكر الفلسفي الغربي حول الجانب الفلسفي لدى إدوارد سعيد مع الإشارة باقتضاب إلى مجموعة مختصرة من مساجلاته الفلسفية في كتابين مهمين وهما: بدايات، والعالم والنص والناقد.

في معرض تحليله لكتاب بدايات لإدوارد سعيد يقول دارس الفلسفة مارتن أسنر “كان كتاب إدوارد سعيد الأول ‘بدايات‘ غزوته الاستهلالية لحلّ لغز الدور المعقّد للمثقف الذي ينشد أن يفهم الأهمية الداخلية لبدايات الثقافة الإنسانية”. ومن ثم يوضح أن كتاب بدايات لإدوارد سعيد “يدحض الشرح الجاهز للبدايات كما يفعل غالبا مرادفها وهو الأصول”.

ويستدرك هذا الدارس مبرزا أنّ مفهوم البدايات عند سعيد مؤسس على فهم الثقافة باعتبارها متجذّرة في طين الإنسانية البارد، وهو مختلف عن فهمها على أساس الفهم الديني.

وفي هذا الخصوص بالذات يقترح دارس غربيّ آخر أن كتاب بدايات لإدوارد سعيد هو بحث فلسفي كلاسيكي حول دور المثقف وهدف النقد، ثم يوضح أن إدوارد سعيد يميّز بين الأصول كمفهوم علماني منتج من طرف الإنسان وبين الأصول كمفهوم ديني وأسطوري.

ومن الواضح أن إدوارد سعيد لا يربط الأصل بأي مركزية إثنية أو عرقية أيضا بل إنه يفتحه على امتدادات المكان الإنساني في التاريخ والعالم وعلى صيرورة وتحولات الإنسان فيه. ولقد سجل أحد مؤرخي الفلسفة أن إدوارد سعيد ” يقتفي أثر الفهم المتعدد والمتنوع لمفهوم “بدايات” من خلال التاريخ، وأن البداية عنده “هي الخطوة الأولى في الإنتاج القصدي للمعنى ولإنتاج الاختلاف من التقاليد الموجودة سابقا”.

15