نظرة واقعية لمتطلبات الجمهور

الجمعة 2017/06/16

تتمحور وظيفة الأدب والفنون الجميلة عموماً حول تقديم المتعة للجمهور.. هذه الحقيقة التي غالبا ما ينساها المتدافعون على الكتابة والتأليف ويتجاوزونها لتفصيلات هامشية أقل أهمية منها، كالانشغال بطبيعة النشر وآليته والمنافسة وتحصيل المال وغيرها من الممارسات الأخرى، متناسين المهمة الرئيسة من العملية الإبداعية برمتها ألا وهي تقديم المتعة والجمال للجمهور.

الأمر لا يقتصر على الأدب وحسب، بل يتجاوزه للفنون كلها، كالرسم والتمثيل والمسرح والسينما والنحت والرقص والموسيقى والغناء وغيره. إن الغاية من ابتكار الفنون الجميلة كانت وستبقى بالدرجة الأساس إمتاع الجمهور أو المتلقي كما يحلو للبعض تسميته.

ومن دون تحقيق هذا الشرط تسقط العملية الإبداعية المفترضة برمتها. فلا التميز أو الجلوس في عزلة من البروج العاجية تنفع، ولا ادعاء التصوف وبلوغ التوحد بدواعي الإبداع ينفع في الحقيقة، ما لم يُقرأ الكاتب ويُشاهد الممثّل ويُسمع المغني. إن النظرة لأركان العملية الإبداعية من هذه الزاوية لا بد أن تكشف لنا خللاً كبيراً في المعادلة، لا سيما في عالمنا العربي، فما زال البعض يصر على إنتاج الفن وفق قناعات خاطئة، لكن راسخة في الأذهان بشكل مرضي، حتّى لو أدرك اختلال تلك المعادلة البسيطة والمهمة والبنيوية في فهم الجدوى من الإبداع.

أن يظهر كاتب ما ويدّعي ممارسة الكتابة كنوع من العلاج النفسي أو الهروب من حالة اكتئاب ما، فإن الأمر يشبه إلى حدّ ما من يغني في الحمام كيفما اتفق ثمَّ يخرج ساعياً لطرح غناه النشاز هذا في سوق الغناء وفق معايير مختلّة، ذلك لأن نظرية العرض والطلب ما تزال صالحة إلى حدّ ما في هذه الحالة، والجمهور السيء ذو الذائقة الهابطة سيجبر في النهاية منتجي الأدب والموسيقى والفنون على الهبوط بمستوياتهم لتلبية طلبه.

أنظر انتشار أفلام العنف والحركة الخالية من أيّ جمالية درامية تذكر في الولايات المتحدة، إن الرواج السريع لتلك الأفلام واتساع نطاق الأرباح التي تحققها وحجم الإقبال الكبير عليها من الجمهور هو الذي أدّى في النهاية إلى خضوع صنّاع السينما هناك لتلك الاشتراطات، حتّى لو كانوا غير مقتنعين بذلك المستوى، لكن اشتراطات عملية العرض والطلب هي التي أدّت إلى هذه النتيجة، وبما أن منتج الإبداع عموماً، لا سيما في السينما، يسعى لتغطية كلفة الإنتاج الضخمة وتأمين الأجور لجيش من الممثلين والفنيين، فإن تفهّم تلك القوانين أمر لا يخلو من واقعية مناسبة، على الرغم من أن البعض ما زال يكابر ويدّعي قدسية الفن وضرورة المقاومة وعدم الانخراط في موجة تلبية رغبة الجمهور ومتطلباته.

إن تلك النظرية البسيطة ما زالت صالحة في عصرنا الحالي أيضاً، على الرغم من أن الأمر مختلف في حالة الأدب عنه في السينما، فالقارئ يتمتع -افتراضاً- بنوع من الوعي المسبق الذي يؤهله لاختيار الكتاب الجيد، مع ملاحظة أن شريحة القرّاء أقل بالضرورة في أغلب المجتمعات. أنظر إلى عدد المشاهدين للأفلام مثلاً مقارنة بقرّاء الروايات، إذ يتجاوز في الحالة الأولى الملايين بينما يقتصر في الحالة الثانية على عشرات أو مئات الآلاف في أحسن الأحوال.

وفي المحصلة لا أجد شخصياً منقصة نقدية في حال سعت الرواية مثلاً أو الشعر للاشتغال على توفير مقدار مناسب من المتعة والإدهاش للجمهور بما يضمن رواجها في أوساط القرّاء، بدل اللجوء إلى الأساليب الغامضة واللعب على اللغة والتجريب غير المجدي في الشكل، كما أن قدرة المبدع على توفير تلك المتعة للجمهور من دون التفريط بالاشتراطات الفنية هي النجاح الحقيقي والفعال.

كاتب عراقي

14