نظرية الأدب ونقض الحس المشترك

السبت 2013/09/28

من بين الكتب الكثيرة التي استوقفتني هذه الأيام كتاب الناقد الأميركي البارز وأستاذ الأدب المقارن بجامعة كورنيل بأميركا، جوناثان كولر. عنوان هذا الكتاب هو ''نظرية الأدب: مقدمة قصيرة''.

الذي لفت انتباهي بعد قراءته هو أنه في شرحه لأسس المقومات النظرية الأدبية لا يلتزم الطريقة التقليدية التي عودتنا عليها المكتبة الأكاديمية مثل تخصيص فصول مستقلة لعدد من المقاربات مثل البنيوية، وما بعد البنيوية، والفينومينولوجيا، والتحليل النفسي، والكولونيالية وما بعد الكولونيالية وغيرها من المناهج.

إن الناقد جوناثان كولر يبدأ النقاش من مساءلة النظرية ذاتها كمفهوم وكآليات، ثم ينغمس في إثارة مجموعة من الأسئلة حول مفهوم الأدب وعلاقة الأدب بالدراسات الثقافية، واللغة، والمعنى والتأويل والمجاز، والشعريات والسردية، والهوية، والتماهي، والذات. إنه بهذا الأسلوب في مقاربة نظرية الأدب يكسر النمطية القديمة التي تكرّرت كثيرا في النقد الأدبي المعاصر.

في البداية يوضح كولر أن النظرية في حقل الدراسات الأدبية ليست سردا لطبيعة الأدب أو لمناهج دراسته. ففي تقديره إن نظرية الأدب هي متن من التفكير والكتابة حيث أنه يصعب تحديد حدودها. بخصوص هذا يرى الفيلسوف البراغماتي الجديد الراحل ريتشارد رورتي أن نظرية الأدب جنس جديد بدأ في البروز في القرن التاسع عشر كما أنها ''ليست نوعا من التثمين للاستحقاقات النسبية للإنتاج الأدبي، أو للتاريخ الفكري، أو للفلسفة الأخلاقية، وليست نوعا من التنبؤ الاجتماعي''، بل هي ''كل هذه متجمعة في جنس جديد".

وفي هذا السياق يربط جوناثان كولر وجود النظرية وفعاليتها ليس فقط بقدرتها على التأويل الإبداعي للعمل الأدبي سواء كان قصة، أم رواية، أم قصيدة، أم نصا هجينا مشبعا بالتناص، وإنما بمدى نجاحها في التأثير وإحداث التغيير في الحس المشترك، وبعبارة أخرى إن النظرية ''تعرف بتأثيرها التطبيقي الذي تحدثه، وبتغييرها لوجهات نظر الناس".

وذلك ''بجعلهم يفكرون بشكل مختلف حول موضوعات دراساتهم''. في رأي جوناثان كولر إن''التأثير الأساسي للنظرية هو نقض للحس المشترك، أي لجهات نظر الحس المشترك حول المعنى، والكتابة، والأدب والتجربة". وهكذا يقر الناقد جوناثان كولر بأن النظرية تتميز بأنها رحّالة، أي أنها تؤخذ من حقل معرفي إلى حقل معرفي آخر، كأن نطبق نظرية الفيزيائي الدانماركي الشهير نيل بوهر المعروفة بالنظرية التكاملية على ظاهرة التكامل الثقافي في مجتمع متعدد الإثنيات، أو على نص أدبي باعتباره نتاجا لتناص متعدد، وفي الوقت ذاته تتميز النظرية أيضا ''بأنها تعليلية وتنظيرية عقلية، وبأنها نقد لكل ما يعتقد بأنه طبيعي، وبأنها انعكاسية، أي أنها تفكير حول التفكير''. ويخلص الناقد كولر إلى القول إن النظرية ''لا تعلمنا مرة واحدة ونهائيا ما هو المعنى ؟"

على ضوء هذه التحديدات والتعريفات والفهم لنظرية الأدب، يمكن لنا القول إنها تعد القوة الفكرية التي تساعدنا على فتح وتوليد المنظورات المختلفة داخل النص الأدبي الذي هو الحياة ذاتها بكل تعرجاتها.

16