نظرية "السيادة المحدودة" في أوكرانيا

الاثنين 2014/02/24

تتسارع التطورات في أوكرانيا. من الثابت أنّ لا شيء يمكن أن يقف في وجه تحقيق الشعب الأوكراني طموحاته. الثابت أيضا أن فلاديمير بوتين نسي أنّ الاتحاد السوفياتي انتهى وأن الحرب الباردة صارت جزءا من الماضي في اليوم الذي سقط فيه جدار برلين في نوفمبر 1989. يبدو أنّه يرفض أخذ العلم بذلك ويظنّ أنه في الإمكان تكرار بودابست 1956 وبراغ 1968 في كييف السنة 2014.

الواضح أن الرئيس الروسي يستخدم في محاولة إبقاء أوكرانيا في الفلك الروسي وسائل أكثر تطوّرا ونعومة من تلك التي استخدمها زعماء الكرملين من أجل إخضاع هنغاريا وما كان تشيكوسلوفاكيا التي انقسمت إلى دولتين (تشيكيا وسلوفاكيا) بعد خروجها من تحت النير السوفياتي في 1990.

في بودابست وبراغ وحتى في وارسو، حيث حصل انقلاب عسكري مدعوم سوفياتيا بواسطة الجنرال ياروزلسكي عام 1981 لمنع بولندا من أن تكون مستقلّة، استخدمت موسكو نظرية “السيادة المحدودة”. كانت هذه النظرية تطبق على الدول الأوروبية الشرقية التي كانت تنتمي إلى “المنظومة الاشتراكية”. هل يظن بوتين أن في استطاعته تطبيق هذه السياسة على الدول الأوروبية التي لديها حدود مباشرة مع روسيا؟

يلجأ بوتين في السنة 2014 إلى الرشوة من أجل الاحتفاظ بأوكرانيا التي يسعى شعبها، في معظمه، إلى السير في ركاب الاتحاد الأوروبي. يلجأ في الوقت ذاته إلى تشجيع الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش على استخدام القوة في قمع المتظاهرين الذين لم يقصّروا من جانبهم في اللجوء إلى العنف. فرّ يانوكوفيتش من كييف وما لبث أن أعلن أن ما يحصل في البلد “انقلاب”، أي أنّه لا يزال الرئيس الشرعي المرفوض من شعبه. إلى الآن، تردّد الرئيس الروسي في استخدام الدبابات الروسية كما كان يفعل أسلافه من المقيمين في الكرملين.

ما لا يمكن تجاهله أن أوكرانيا كانت في الماضي جمهورية سوفياتية ومعظم الرجال فيها تدرّبوا على السلاح في سنّ معيّنة، كما أن عدد سكانها ليس قليلا إذ يتجاوز خمسة وأربعين مليون نسمة. هذا يعني بكلّ بساطة وفي ظلّ سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا في ساحة “الميدان” في كييف أن الوضع في البلد بلغ نقطة اللاعودة، على الرغم من كلّ الكلام عن التوصل إلى صيغة تفاهم تضع حدّا للعنف وتلبي بعض مطالب المواطنين الأوكرانيين.

كم سيسقط من الضحايا قبل أن يقتنع بوتين بأن صفحة الاتحاد السوفياتي طويت وأن ممارسات الماضي لم تعد صالحة، حتى عندما تكون مغلّفة بمليارات الدولارات من المساعدات وحتى عندما تكون هناك إدارة أميركية ضعيفة لا تعرف ماذا تريد وتحتقر في الوقت ذاته الأوروبيين؟

في النهاية، تبيّن بكلّ وضوح أنّ هناك إصرارا لدى الأوكرانيين على الذهاب بعيدا في التخلّص من النظام القائم، الذي لا يزال يعتبر أن أوكرانيا تعيش في ظلّ الشقيق الأكبر الروسي وبرعايته. كان إقرار البرلمان العودة إلى الدستور القديم الذي يحدّ من صلاحيات الرئيس أبرز دليل على ذلك.

هناك رغبة شعبية في التحرّر والانتماء شيئا فشيئا إلى الاتحاد الأوروبي، تمهيدا للحصول على العضوية الكاملة في الاتحاد. سيحقق الأوكرانيون طموحاتهم على غرار ما حصل في تشيكوسلوفاكيا (السابقة) وهنغاريا وبولندا ورومانيا وبلغاريا وفي ما كان يسمّى ألمانيا الشرقية. لا يمكن للسياسة الروسية التي يتبعها فلاديمير بوتين أن تحول دون ذلك. كلّ ما يفعله بوتين حاليا محاولة لإعادة عجلة التاريخ إلى الخلف. لو كان وقف عجلة التاريخ ممكنا، لكان الجيش الأحمر لا يزال في برلين، ولما كانت ألمانيا استعادت وحدتها.

ما تكشفه أحداث أوكرانيا، بغضّ النظر عن الاتفاق الذي تم التوصّل إليه بين السلطة والمعارضة، يتمثّل في أن القيصر الروسي الجديد لا زال يمتلك أوهاما قديمة. الأمر لا يقتصر على أوكرانيا التي ستصبح عاجلا أم آجلا جزءا من أوروبا. الأمر ينسحب أيضا على سوريا، التي ليست لديها حدود مشتركة مع روسيا، حيث تلعب موسكو دورا يصبّ في خدمة تفتيت البلد. ما الذي يمكن أن تستفيد منه موسكو في حال بقي بشّار الأسد في السلطة، علما أن ذلك من سابع المستحيلات؟ ليس صدفة أن ثوار أوكرانيا رفعوا علم الثورة السورية في “الميدان” في قلب كييف قبل أيّام. ليست صدفة أن يكون العناد الروسي وجد ترجمة له في سوريا، حيث نظام مرفوض من شعبه يحتاج إلى دعم خارجي ذي طابع مذهبي بحت من أجل البقاء في السلطة ومتابعة مجازره.

من أوكرانيا.. إلى سوريا، هناك سياسة روسية غير مفهومة على الإطلاق. لا يمكن إيجاد تفسير منطقي لهذه السياسة التي لا تخدم سوى الوقوف في وجه شعوب تسعى إلى الحرّية واستعادة كرامتها. هل كثير على روسيا الجديدة التي تحرّرت من النظام الشيوعي الاعتراف بأنّ من حقّ الشعوب الأخرى أن تنعم بالحرية. هل كثير على فلاديمير بوتين استيعاب أنّ العالم تغيّر، وأن روسيا ليست قوّة عظمى نظرا إلى أن اقتصادها لا يسمح لها بذلك من جهة، وأنّ عليها الاهتمام بمواطنيها الروس أوّلا، من جهة أخرى؟

حسنا، كان الاتحاد السوفياتي القوّة العظمى الثانية في العالم. استثمر في إقامة أنظمة تابعة له في كلّ أنحاء العالم. وصل به الأمر إلى جعل ما كان يسمّى اليمن الجنوبي “دولة ماركسية”. ماذا كانت نتيجة ذلك غير تدمير البلد وتهجير أفضل اليمنيين وإلغاء الدور الذي كان يلعبه ميناء عدن على صعيد التجارة العالمية؟ هل إفقار مواطني اليمن الجنوبي هدف بحدّ ذاته؟

تبدو أوكرانيا جزءا من مشكلة أكبر. إنّها مشكلة من يقطن قصر الكرملين. هل من أمل في حلّ هذه المشكلة يوما، وأن يصبح قيصر الكرملين رجلا طبيعيا بدل البقاء أسر الأوهام؟

إعلامي لبناني

8