نظرية الفوضى

الخميس 2014/01/23

للكتّاب بنات أفكار، ولأني كاتبة فإن لبنات أفكاري صبيا اسمه “شعدون”، هو للرجولة بمعانيها أقرب من الصبيانية وما فيها، وصبي أفكاري هذا فاجأني بفكرة هذا المقال، حين قال: كل ما كتبته جميل، لكنك لم تقولي شيئا عن نظرية الفوضى، لم لا تكتبين عنها!؟ فكل ما يعرفه قرّاؤك شذرات هنا وهناك، لكنك لم تمحصيها كما محصت النظريات والقوانين الفيزيائية الأخرى!

أجبت مشاكسة: هل هذا اختبار لترى كم استوعبت من قراءة كتاب “نظرية الفوضى” الذي حملك إليّ؟

ردّ وعلى شفتيه شيء يشبه الخبث البريء: لا، ولكنه واجب تغطية هذا الجزء الجوهري الذي حثك على الكتابة.

قلت: أفكارك هي التي حفزتني!

قال: لم أكن سأُخلق لك لولا النظرية والكتاب!

قلت طائعة: من أين عليّ أن أبدأ، من النظرية أم من الكتاب أم من تاريخهما؟

قال: ابدئي من البدء كالعادة.

فكتبت: لأن الظواهر الطبيعية لا تأخذ أشكالا هندسية، فلا الغيوم دائرية الشكل، ولا الجبال مخروطية، وخط البرق ليس مستقيما، لكنها جميعا لها أحجام ومؤثرات، وفي هذه أيضا هي متباينة، فبعض الجبال ارتفاعها قد لا يتجاوز 100م، مثل مدخل وادي البيح خلف بيتنا، وقد يبلغ عدة كيلومترات مثل جبال الهيمالايا، والسحب لها مساحات غير محددة، قد تكون صغيرة وجافة، مثل السحب التي تمر على بيتنا، أو إعصارية كالتي تضرب شرق آسيا، فلا توجد مقاييس محددة أو مثالية، لذلك وجب وضع نظريات لدراساتها، فكانت نظرية الفوضى.

وكذلك البشر لا يتصفون بصفات هندسية، فوجب البحث عن نظريات فيزيائية تعللهم، فهم ليس لهم أطوال أو أوزان واحدة، وهم من كل الأجناس والثقافات واللغات والاتجاهات، وهم فقط الذين يصعب التحقق من سلوكهم، وردود أفعالهم، بينما يسهل توقع هذا مع المخلوقات الأخرى، التي هي تأتي بأحجام وألوان وأشكال وأنماط سلوك متقاربة، البشر فقط لا يمكن تحديد المعيار الأمثل لأفعالهم، فمن توقع أن تتحول ثورات الربيع العربي إلى هذه الدموية!

صحّح لي: على فكرة نظرية الفوضى لم تكن لقياس تطور فوضى الربيع العربي، لكنها استخدمت لتسبب الربيع العربي. ثم أضاف: ولا تنسي أن الظواهر الطبيعية تكون كما كتبت، لكنها أيضا تظهر تناسقا هندسيا كما في البلورات، وبعضها تظهر في حالة من السكون (الظاهري) كالجبال، والآخر في حالة من الحركة أو التأرجح الدائم كالغيوم أو الإلكترونات.

شكرته، وكتبت: وكذلك هم البشر، البعض له فكر مستقيم كخطوط البلورات، والبعض يمتلك أفكارا متشابكة كالشجر “الشياطاني”، وبينهما عامة البشر ذوو أفكار معتدلة أو بلا أفكار، وهنا تظهر قيمة التنشئة، التي تقلل أو تشدد على النوازع البشرية سواء المستقيمة أو الملتوية، ومن بينهم يتمّ جمع الحشود.

ثم أكملت: أعود لتاريخ نظرية الفوضى التي ظهرت بوادرها في نهاية القرن التاسع عشر، على يد الفرنسي عالم الرياضيات والفيزياء النظرية جوليس هنري بوانكاريه، حين درس مشكلة حركة 3 أجسام متساوية في كل شيء، ولاحظ اختلاف حركتها بمجرد بدئها التحرك، فخمن وجود بُعد غير مرئي لهذا الاختلاف، ووصل آخرون من بعده إلى نفس النتيجة في تجاربهم خلال الثمانين عاما التي تلتها.

أما النظرية نفسها فلم تتبلور إلا عام 1961، حين كان عالم المناخ الأميركي إدوارد لورنز يعمل على دراسة للتنبؤ بالطقس، وأراد ذات مرة مراجعة سلسلة معينة من الحسابات، وبخطإ غير مقصود بدأ من منتصف السلسلة بدلا من بدايتها، وكانت النتيجة أن السلسلة قد تطورت بشكل مختلف، بدلا من تكرار نفس النمط السابق، فلقد تباعدت الخطوط، لتنتهي بانحراف كبير عن المخطط الأصلي للسلسلة الأصلية، وبمراجعته للأمر وجد أن الحاسوب كان قد خزن الأعداد بستة منازل عشرية في الذاكرة، بينما كانت تظهر على الشاشة ثلاثة أرقام عشرية فقط، لذلك حين ظن لورنز أنه أدخل نفس العدد ذي الثلاثة أرقام العشرية، هو في الواقع وضع رقما جديدا، وهذا الاختلاف الضئيل جدا في الأرقام، أدّى إلى تلك الفروق الضخمة، فحتى ذلك الحين كان التقريب لثلاث مراتب عشرية دقيقا جدا.

وهذا يقودني للقول أن نظرية الفوضى ظهرت حين تقدم الكمبيوتر، فهي تعتمد بشكل كبير على النمذجة modeling في برامج الكمبيوتر، فترسم من تلك الأرقام اللامتناهية أشكالا غير متناهية من النمط الواحد، لذلك أحيانا تدعى بفن العلم art of science، فقبل الكمبيوتر كان من الصعب تخيل الأشكال الناتجة عن تعقيدات أي نظام، كما صارت تظهرها الكمبيوترات المتقدمة اليوم.

فختم قولي: لا تنسي أن هذه هي الحال بالنسبة لجمع الحشود، فلولا الكمبيوتر أو برامج التواصل الاجتماعي -التي ظهرت أولا على الكمبيوتر ثم انتقلت للهواتف الذكية- لما استطاعت ثورات الربيع العربي أن تجمع تلك الحشود، حتى في أكثر الدول العربية فقرا، بدءا باليمن وانتهاء بتونس وباقي دول الربيع العربي بينهما.

16