"نظرية الفوضى" كتاب جديد يجمع علوم الاجتماع والفيزياء لفهم العالم

تغير الوعي الإنساني وتطورت معه العلوم كما تطور معه العالم بأسره، هذا الوعي يظل دائما لصيقا بحاجيات الإنسان المعرفية والفيزيائية وغيرها من متطلبات هذا الكائن التي تتطور بدورها وفق تطوره هو.
الأربعاء 2015/09/16
القارئ يتحلل من من المعرفة العلمية السائدة في كتاب نظرية الفوضى

“إن رفة جناحي فراشة في الهند قد تحدث فيضانات في الأمازون”. انطلاقا من هذه العبارة والتي تتموضع كأولى النظريات التي يتناولها كتاب “نظرية الفوضى/ علم اللامتوقع” للكاتب جايمس غليك الصادر عن دار الساقي، تبدأ الدهشة المعرفية تنتابك ويبدأ عقلك يتحلل من المعرفة العلمية السائدة التي بحوزتك.

يعرض غليك على القارئ أهم ما توصل إليه العلم التقليدي، واضعا فصوله بطريقة لا يعتريها الكلل كباقي الكتب العلمية التخصصية لما تحويه من مصطلحات ومفاهيم ومعادلات وأرقام، عارضا عجز هذا العلم التقليدي عن فهم ظاهرة الاضطراب وفوضى الطبيعة، والتذبذب في عمل القلب والدماغ والطقس، وعدم فهم الجانب غير المنتظم وغير المنسجم في العالم، مستعينا للتوضيح بالخرائط والرسوم.

نظرية “الكايوس/ الفوضى” هي محور اهتمام الكاتب حيث وكأنه يريد أن يلفت انتباهنا إلى أن الاضطراب وعدم الانتظام في واقعنا الحالي لهما دور كبير في ما يحكم حياتنا، أو بمعنى آخر هما ما يمثل الجانب غير المعروف والمظلم الذي لا نراه.

ولكن الآن وبفضل جهود عدد من العلماء والاختصاصيين، أصبح بمقدورنا رؤية هذا الاضطراب والتحكم به، وبالتالي نحن أمام ولادة علم جديد يدعى الكايوس.

“قبل عقدين من الزمن فكر إدوراد لورانز في الطقس، وميشيل هينو في النجوم، وروبرت ماي في توازن الطبيعة، ولم يكن ماندلبروت سوى عالم رياضيات مغمور في شركة “أي بي أم” للكمبيوتر، وميتشل فاينبوم طالب على وشك التخرج في “سيتي كوليدج” في نيويورك، وتشارك معظم الفيزيائيين في مجموعة من الأفكار عن التعقيد”.

وهنا بدأت الحكاية وبدأت تتغير معها العديد من المقولات العلمية والاقتصادية والاجتماعية الراسخة، من قبيل “النظم البسيطة تعمل بطرق بسيطة” أو “السلوك المعقد يشير إلى أسباب معقدة”، ويضرب جيمس غليك عن ذلك أمثلة كثيرة، فمثلما كان عالم بيولوجيا الأعصاب يصرف عمره في دراسة كيمياء الأعصاب عند الإنسان دون أن يعرف شيئا عن الذاكرة أو الإدراك، وأن عالم الاقتصاد يحلل سيكولوجيا عمليات البيع والشراء وقراراتها دون التوصل إلى الميول البعيدة للجمهور.

ولكن بعد أن سمع جمهور من العلماء بأفكار الكايوس علموا أن بعض الظواهر المعقدة والمضطربة باتت قابلة للتفسير، وأن ظواهر أخرى تحتاج إلى إعادة النظر فيها، وأصبحت المقولات السابقة كالآتي “النظم البسيطة بإمكانها أن تولد سلوكا معقدا” و”النظم المعقدة يمكنها أن تعطي سلوكا بسيطا”.

ويطلعنا المؤلف على تعريفات الكايوس، حيث قبولها من هذا الطرف ورفضها من آخر، جعل من وصف هذا المصطلح على غير موضع اتفاق. فمثلا استخرج عالم الرياضيات فيليب هولمز في جامعة “كورن بل” معنى المصطلح من قاموس أكسفورد فوجده “المعقد/ اللادوري/ المدارات الجاذبة”. ووصفه فورد والذي يعتبر نفسه من المبشرين بالكايوس على أنه “نوع من تجمع غني بالتنوع وحرية الاحتمالات والفرص المتكاثرة”، إضافة إلى غيرها من التعريفات التي تناولت هذا المفهوم.

لا بد هنا من التوضيح بأن نظرية الكايوس هذه ليست على علاقة أبدا بما كانت قد طرحته كونداليزا رايس في العام 2007 تقريبا عن مفهوم “الفوضى الخلاقة”، والذي يعني “فوضى متعمدة الأحداث، تؤدي بعد أحداث دامية إلى حالة من الاستقرار، وهو هنا يمثل حالة سياسية.

أما الكايوس كعلم فأهميته تنبع من كونه يطلب من كل فروع المعرفة كعلم الاجتماع التركيز على فهم التعقيد كظاهرة في حد ذاتها، وما أحوجنا في وقتنا الحالي إلى هكذا علم لفهم متغيرات وتعقيدات ظواهرنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية.

15