نظرية الفوضى وأخواتها

الخميس 2014/01/30

كتبت: وفقا لجميس جاليك صاحب كتاب “نظرية الفوضى” الذي لخص فيه تاريخ النظرية وتطوّرها، تعدّ نظرية الفوضى عالمية التطبيق، وعلى جميع الأصعدة والنطاقات، بدءا بالطبيعة من مناخ وفلك، مرورا بالأحياء، متضمّنة البشر وصحتهم -أمراض الشرايين والقلب خاصة-، وأنشطتهم الاقتصادية وخاصة البورصة، وبالتحديد بورصة القطن، التي أكمل فيها بنوا ماندلبرو عالم الرياضيات الفرنسي الأميركي نظرية الفوضى عام 1963، من خلال مراقبته لأسواق الأسهم.

ومنذ أن تعرفت إلى شعدون عرفت أن أية نظرية فيزيائية يمكن أن نطبقها على البشر، إما لتفسير سلوكهم، أو لتغيير سلوكهم، أو لتسيير سلوكهم، وذلك لأنه مادامت نظرية الشواش (الفوضى) قد انطبقت على توصيف عمل القلب، فإنها ستنطبق عليهم، ومنذ أن عرفت الفيزياء السياسية، فإني أضيف لنظرية الفوضى وتطبيقاتها الأنظمة السياسية الديمقراطية والدكتاتورية على حدّ السواء، فكلهم في النجاسة سواء، والنزاهة في السياسة مجرّد حالات فردية، تخص بعض الملوك والحكام ولا تشملهم جميعا.

ثورة نظرية الفوضى في الفيزياء السياسية واسعة كما هي الفيزياء، وهي -بالنسبة لي- تعادل كتاب الأمير لميكافيلي كمرجع للساسة، بل إنها قد تتساوى معه من وجهة النظر السياسية المطلقة، فيما رُميَ إليه من عدم نزاهتها، قد يكون المنشأ الفيزيائي للنظرية طيبا، فكل ما تطل به علينا الطبيعة طاهر، لكن تطبيقها سياسيا غير ذلك.

ظهر لي شعدون من بين سطوري قائلا: وفقا للمراجع فإن الشواش لم تعد نظرية فقط، بل إنها أصبحت طريقة حل، بالرغم من أنها ليست قرآنا بمفهومكم الإسلامي لتقديس الأشياء، ولا كنسية بمفهوم الكتابيين، إلا أنها الطريقة المثلى للتفاعل مع العلم science بالذات وليس الأدب، ودراسة البشر علم لا شِعْر، وبالنسبة لعلماء الفيزياء جاءت النظرية بأمل جديد، وطرق جديدة، وأظن أنكِ قد فَقِهتِ أنها أتت بطريقة جديدة لرؤية الوقائع، خاصة السياسية، وطريقة جديدة في لعبتها، وهذه لا أظن أن العرب قد التفتوا إليها حتى اليوم، فلا أذكر أني رأيت دراسة أو مقالا يتحدث عنها، بالرغم من حديثهم عن الفوضى الخلاقة.

أيدته قائلة: هناك “كلاشيه” قديم في العلوم يقول: “النظام في الفوضى”، وهو يرمي إلى أن للطبيعة صفة أساسية للاستئناف الذاتي بعد أيّة كارثة، بمعنى أن الطبيعة تستطيع إعادة ترتيب نفسها والبدء من جديد ذاتيا. وهذا ما عمدوا إليه من ترديد مصطلح الفوضى الخلاقة، لكن أظن أن هناك فرقا كبيرا بينها وبين نظرية الفوضى، أليس كذلك؟

أكد: نعم، فالطبيعة تجدّد نفسها بعد الكارثة لا أن تتسبب فيها، كما استغلت نظرية الفوضى لتتسبب في الربيع العربي، وليس لتحل أو تحلل مسألته، فنظرية الفوضى أوسع وأشمل من مجرد خلق الفوضى، فما الفوضى الخلاقة إلا جزء بسيط منها.

التفت إليه وأنا أقرأ عليه ما وجدت على الشبكة الإلكترونية: الفوضى الخلاقة مصطلح سياسي مركب، يقصد به حالة من التجلي الإنساني أو السياسي بعد مرحلة من فوضى متعمدة الإحداث. وهو مصطلح في أدبيات الماسونية القديمة، ورد ذكره في عدة مراجع، لكنه لم يطفُ على السطح إلا بعد الغزو الأميركي للعراق، على لسان كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية آن ذاك، في موضوع نشرته “الواشنطن بوست” عام 2005، بعد أن انتشرت فرق الموت والتخريب في العراق، التي اتهم بها الجيش الأميركي وبعض المليشيات المسلحة، التي تؤمن بأن الخلاص سيكون لدى ظهور المهدي المنتظر، الذي يعتقد بأنه سيظهر بعد حالة من انعدام الأمن والنظام، فكانوا يشعلون الفوضى ليسرّعوا ظهور المهدي، ربما!

أكمل قولي: ومنذ ذلك الوقت ظهرت مصطلحات سياسية مستمدّة من العلوم أو الفيزياء لم يتنبه إليها العرب، مثل مصطلح خارطة الطريق، وما أدراك ما خارطة الطريق؟ التي تستخدم وبكثافة من قبل الساسة العرب!

ثم أضاف: انبثق عن ضآلة التأثير الذي قامت عليه نظرية الفوضى قانون تأثير الفراشة، “لو خفقت فراشة بجناحيها في البرازيل سيكون نتيجة تأثيرها على المناخ إعصار بأميركا” -وفقا لتعبير لورنز- أي أن أي اختلاف بسيط في بداية المعطيات، له تأثير كبير على نتائجها، وتأثير الفراشة هذا واضح في ثورات الربيع العربي، بدأت في تونس الصغيرة، التي كانت المُعطى الأولي الذي تتابعت بسببه الثورات في باقي الدول العربية.

ختمت النقاش: بالرغم من أن “تأثير الفراشة” استعارة لفظية، ومصطلح مجازي، إلا أنه -بتصوري- له علاقة بالشكل الذي نتج من جملة لورنز الرياضية السابقة الذكر، التي يظهر تمثيلها على الحاسوب بشكل صورة جناحين لفراشة مفردين. اليوم تعتبر الفراشة رمزا لنظرية الفوضى، وكثيرا ممن يتخذون لفظ فوضى اسما لشركاتهم أو منتجاتهم يكون شعارها على هيئة فراشة زاهية الألوان.

قال: للتنويه فقط، توجد معاهد لتدريب القادة تحمل ذات الاسم ولها نفس الشعار، ولا أظن أن أيّا من القادة العرب قد تدرب فيها!

16