نظرية القواعد المتصارعة والخوف من شبح ماركس

دعوة من مصر للباحثين العرب إلى الإسهام في تطوير علم الاجتماع على المستويات المحلية والإقليمية والكونية، لكي يستوعب البحث السوسيولوجي العربي ظواهر جديدة.
الأربعاء 2018/05/09
ما زال ماركس يزعج البرجوازيين

غريب أمر هذا الرجل المسمى كارل ماركس، لا تخلده مقولتا «يا عمال العالم اتحدوا» و«الدين أفيون الشعوب» فحسب، بل يحيا بذرية عابرة للأجيال تتناسل في الشرق والغرب. انشغل منظرو ما بعد الكولونيالية والليبراليون الجدد واليمين الديني، عام 1991، بتجديد الشماتة بموت ماركس، أكثر من فرحهم بتفكيك أوصال وريثه الشرعي الاتحاد السوفيتي، ثم شهد عام 1998 احتفالات ومراجعات للبيان الشيوعي بمناسبة مرور 150 عاما على صدوره، أذكر أن الأستاذ محمود أمين العالم شارك في إحدى ندواتها بباريس، وقال لي آنذاك إنه يكتب دراسة عن البيان ومآلاته، ثم نشرها وتذكرتها الآن ولا سبيل للعثور عليها، تذكرتها في احتفالات هذه الأيام بمئتي عام على ميلاد ماركس يوم 5 مايو 1818. أي إرادة تلك التي جعلته يؤمن بأن له قضية، ويثق بقدرته على تغيير العالم، وينشر في سن الثلاثين البيان الشيوعي مع رفيقه فريدريك إنجلز، ويصدر كتابه «رأس المال»، ثم لا يكف من قبره عن إثارة الجدل وإزعاج العالم.

 

تصارع القواعد

ماركس أزعجني أيضا، واقتنص السطور السابقة، واحتل مقدمة مقال لا يستهدفه، وأثبت لي أنه رجل يمشي في ركابه الجدل والثورة، وليس كتاب الدكتور أحمد موسى بدوي «القواعد المتصارعة.. نظرية عربية جديدة في علم الاجتماع» عن الثورة، ولا علاقة له بماركس، وكنت أظنه هكذا، وواصلت قراءته باطمئنان، إلى أن قفز اسم ماركس في الصفحة التاسعة عشرة من هذا البحث الذي لا يعنى بالنظريات الثورية، وإنما بعلم الاجتماع.

 

يُحتفى هذه الأيام بالذكرى المئتين لميلاد الفيلسوف الألماني كارل ماركس، الذي كانت أفكاره بابا لتغيير الخارطة العالمية من خلال تأسيسه للاشتراكية العلمية وتنظيره للنظام الشيوعي الذي قام على أرض الواقع بالفعل، وما زالت أفكاره وأطروحاته تخلق جدلا كبيرا إلى اليوم، لا سياسيا فحسب، بل وفي مختلف أنماط الفكر الاجتماعي والفني وغيرها.

صدر كتاب «القواعد المتصارعة.. نظرية عربية جديدة في علم الاجتماع» في أبريل 2018، عن مجلة وادي النيل للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية والتربوية، وقبل قراءته اقترحت على مؤلفه أن يحذف من العنوان، في طبعة لاحقة، كلمتي «عربية جديدة»، فلا جنسية للنظرية التي تنسب إلى صاحبها، إلا إذا كانت من ثمار مفكرين تجمعهم فلسفة ما، مثل مدرسة فرانكفورت، وأي إضافة لأي مؤلف تخصه وحده، ولا بد أن تكون «جديدة» بالضرورة، والإضافة هنا ليست حصاد اجتهاد باحثين عرب لكي تكون «عربية»، كل ما هنالك أن العربية هي لغة المؤلف الذي لم يوافقني إلا على حذف كلمة «عربية». وفي ختام الكتاب قال إن اجتهاده هذا محاولة لتقديم مخطط عام لنظرية «القواعد المتصارعة»، ودعا الباحثين العرب إلى الإسهام في تطوير علم الاجتماع على المستويات المحلية والإقليمية والكونية، لكي يستوعب البحث السوسيولوجي العربي ظواهر جديدة منها الهجرات المؤقتة للقوة العاملة ودورها في التغيير الطبقي والثقافي والاجتماعي في المجتمعات الطاردة والمستقبلة، وانتشار الأفكار والحركات السياسية والدينية وتأثيرها في التغيير الاجتماعي.

لنظرية «القواعد المتصارعة»، في رأي المؤلف، قدرة أكثر تفسيرية من نظريات سوسيولوجية تعتمد على مفاهيم وعلاقات غامضة. هنا تصنيف للبناء الاجتماعي يضم البناء التفاعلي المشترك، والبناء المؤسسي، والبناء النفقي المعتم. في البناء التفاعلي مثلا يرتدي الشخص ما يشاء من أزياء، ولكن البناء المؤسسي يصطدم به حين تحظر دولة أوروبية على المسلمات ارتداء الحجاب في أماكن العمل، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى فعل حركي من الجاليات الإسلامية لتغيير القاعدة المؤسسية. وقد تنشأ قواعد مضادة، فيحرص أعضاء جماعة سياسية أو دينية متطرفة محظورة على ارتداء أزياء تدل على هويتهم، وتحدد انتماءهم، في تحد للقواعد التفاعلية والمؤسسية. وتتصارع القواعد، وينتهي المخاض بسيادة القاعدة المؤسسية على القاعدة التفاعلية التي تفقد فاعليتها كلما زاد الوعي الجمعي، وتأسس نظاما جزائيا عادلا وحاسما، كما جرى بعد جدل أثارته قوانين المساواة بين المرأة والرجل في تونس.

 

فشل التغيير

صلابة التمسك الحرفي بالقواعد تعوق حركة التغيير، أما مرونة الالتزام بالقواعد فتساعد على تطويرها، وإحداث تحولات وتنمية ونهضة تقترن بالتفكير الإبداعي، والرغبة في الاستكشاف، وقدرة على إدارة الصراع، ويدلل المؤلف على مفهومي الصلابة والمرونة بنشأة القواعد البنائية الرأسمالية وبدء انهيار القواعد البنائية الإقطاعية، بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن الخامس عشر، إذ ترتب عليه نمو مدن ساحلية ذات صلة بحركة التجارة العالمية، وما يرتبط بذلك من انتعاش مهن وحرف ومهارات وإبداعات، وعادات استهلاكية جديدة، فانتشرت الأسواق بجوار القلاع الإقطاعية التي نمت وصارت مدنا داخلية جديدة، ولم يستطع الإقطاعيون «مقاومة سحر المدينة بأسواقها وكرنفالاتها ومدارسها الحديثة وجامعاتها»، وتطلعوا إلى العمل التجاري وتمردوا على المجتمع الزراعي، وبمضي الوقت انتظم الفعل البرجوازي في قواعد لعالم اجتماعي جديد انتقل من المدن الساحلية إلى المدن الداخلية، وربحت البرجوازية أرضا جديدة تدعمها قوة اقتصادية ونفوذ سياسي، في «لحظة تاريخية تكاملت فيها قواعد البناءين التفاعلي والمؤسسي»، وهكذا صعدت قوة متناقضة مع القواعد الإقطاعية التي فقدت فاعليتها، وتراجعت إلى الفضاء الريفي.

صلابة التمسك الحرفي بالقواعد تعوق حركة التغيير، أما مرونة الالتزام بالقواعد فتساعد على تطويرها وإحداث النهضة

في ذلك السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والفكري فقد المجتمع الإقطاعي قواعد حمايته، ولكنه ظل «يملك سلطة الجزاء والعنف المشروع، فكانت الثورات الأوروبية إعلانا عن موت القواعد البنائية الإقطاعية، وترسيما نهائيا للقواعد البنائية الرأسمالية التي تتطور فعليا قبل اندلاع هذه الثورات بثلاثة قرون على الأقل».

ولكن الرأسمالية التي لا تستر توحشها، ولا تخفي النهم الاستغلالي للمواطنين والاستعماري الاستنزافي للدول، ما زالت تأمن مخاطر الثورات، فما مصدر هذه الثقة؟ يقول المؤلف إنه وفقا لنظرية القواعد المتصارعة، يمكن فهم عدم وقوع «الثورة على البرجوازية بعد ذلك، كما توقع ماركس، رغم تناقض مصالحها مع الطبقة العمالية والفلاحية، ورغم زيادة حدة الاستغلال»، ويفسر ذلك بعدم نشوء قواعد بنائية جديدة بديلة للقواعد البرجوازية القادرة، بفضل مرونتها، على توسيع آفاق الليبرالية، وتطوير المجتمعات الغربية لنظام يتسم بالمرونة وقابل للتجدد، «ومن الصعوبة البالغة أن تحدث ثورة على قواعد فعالة وسائلة».

فعلها ماركس الذي يمنح قبلات للحياة، فلعنته الرأسمالية، وتحصنت من أشباح أفكاره بإصلاحات ذات طابع ماركسي.

أما عن المؤلف أحمد موسى بدوي فقد كتبت عنه في صحيفة الأهرام المسائي، في 19 أبريل 2009، مقالا عنوانه «باحث حقيقي خارج الحرم الجامعي»، مدفوعا بحماسة أستاذ علم الاجتماع الدكتور محمد حافظ دياب، بعد أن ناقش رسالته للدكتوراه، وقال لي إن هذه الدراسة قنبلة بحثية غير مسبوقة. وصدرت الدراسة لاحقا بعنوان «الأبعاد الاجتماعية لإنتاج واكتساب المعرفة.. حالة علم الاجتماع في الجامعات المصرية» في بيروت عن مركز دراسات الوحدة.

غاب عني أحمد موسى بدوي عام 2009 وأبواب الجامعة المصرية تغلق أمامه، ثم قابلني قبل أيام والجامعات لم تمسها روح ثورة 25 يناير 2011، وتأكد لي أن الثورة تعثرت وفشلت، وعجزت عن الصمود، وتأكد لي صدق الشاعر حافظ إبراهيم في قوله:

وكم ذا بمصر من المضحكات/ كما قال فيها أبو الطيب

وشعب يفرّ من الصالحات/ فرار السليم من الأجرب.

15