نظرية المؤامرة

الخميس 2017/06/01

هل لاحظتم السرعة التي يتحرك بها القائلون بالمؤامرة، أولئك الذين يزعمون أن ما يجدّ في العالم لا يحدث صدفة؟ يكفي أن تقع عملية مثيرة تحتل صدارة الأحداث العالمية، حتى ينهض المؤمنون بهذه النظرية، في اليوم نفسه أحيانا، لتبديد السجف التي يعتقدون أن أصحاب القرار يغلفون بها ما حدث، والكشف عمّا يقسمون أنه الحقيقة، لأنهم على قناعة راسخة بأن وراء الأكمة ما وراءها.

ولا يهمّ أن ينكروا ما راح الناس ضحيته، بل هم يكذّبون العالم أجمع لإعلاء “حقيقتهم”، على غرار الفرنسي تييري ميسان مؤسس شبكة فولتير الذي لا يزال ينكر أحداث 11 سبتمبر، ويدّعي، بعد أن صار يعيش تحت حماية حزب الله والنظام السوري ويجهد في تلميع جرائمهما باسم المؤامرة، أنه مستهدف من السي آي إي، لأنه “نطق بالحق”.

ولفظة المؤامرة، فيما يقول الفيلسوف الفرنسي رفائيل إنتوفن، ظهرت في اللغة الفرنسية أول مرة مع بيليز إحدى شخصيات مسرحية “النساء العالمات” لموليير، وبيليز هذه امرأة مصابة بما يسميه علماء النفس “جنون الغرام”، لا تني تفسر سلوك البشرية جمعاء على ضوء الرغبة التي تتوهم أنها تثيرها في نفوس الرجال. وفي رأيه أن هذه هي حاضنة نظرية التآمر.

إذ يمكن أن نستشف من خلال موقف تلك المرأة ما يلي: أولا، كلما كان الأمر خفيّا كان التآمر أقرب إلى التصديق. وكلما زاد الرجال في التعريض بها، زادت في نظرها رغبتهم فيها. ثانيا، ما تغطيه المظاهر يأخذ الأشكال التي تناسبها، أي الشكل الذي يوافق رغبة تلك المرأة. وبما أن المظاهر تقول العكس، فإن ما يجري وراء ستار المظاهر يسير في اتجاه ما تعتقده. ثالثا، إن في ذلك كله معنى، ومن طبيعة نظريات المؤامرة أن تضفي معنى على كل الصدف التي تحيط بنا. رابعا وأخيرا، بما أن ذلك ممكن، فهو إذن حقيقي.

أكثر من متلازمة بيليز هذه، متلازمة إبريق الشاي الفضائي التي رواها الفيلسوف ومؤرخ الأفكار البريطاني برتراند راسل، ومفادها أنه لو يدّعي شخصٌ ما أنّ بين المرّيخ والأرض إبريقَ شايٍ فضائيّا يسبح في الفلك، لما أمكن لأحد أن يثبت العكس. وإن صادف أن كان ذلك الشخص من أنصار نظرية المؤامرة فسوف يجد في عجز الطرف المقابل عن إثبات العكس دليلا على أن ثمة إبريق شاي يسبح فعلا في الفضاء بين كوكبي الأرض والمريخ.

والخطر لا يكمن في ما ينسجه خيال القائل بنظرية المؤامرة، بل في استعصائه غالبا على الدحض.

كاتب تونسي

15