نظرية المؤامرة أفيون الشعوب

الاثنين 2014/03/03

لو كان هذا في حكم الإمكان لطالبتُ بحذف كلمة مؤامرة من القاموس، أو طالبتُ على أقل تقدير بمنع هذه الكلمة المملة من التداول الإعلامي؛ فهي تحتقر عقل المتلقي وتهين ذكاءه، بل إنها أسخف وأتفه كلمة تُستعمل في القاموس السياسي، يلجأ إليها السّاسة الفاشلون لأجل تفسير إخفاقهم وتبرير فشلهم والتنصل من مسؤوليتهم وإلقاء اللّوم على غيرهم، يلجأ إليها الطغاة المستبدون لتبرير طغيانهم بدعوى أنهم وحدهم حرّاس الوطن وحماة الديار. يلجأ إليها “اليسار الفاشل” في مقاربته لكافة الأحداث تقريباً بدعوى وجود مؤامرة امبريالية ضدّ الشعوب الطيبة والمغلوبة على أمرها.

وفوق هذا وذاك فإنّها كلمة يتفنّن الإسلاميون في استعمالها حين يزعمون وجود مؤامرات غربية يهودية ماسونية شيطانية ضدّ المسلمين والإسلام، فيبررون وجودهم بدعوى أنهم وحدهم حماة الملة والدين.

نظرية المؤامرة، ملاذ من لا رؤية له، عزاء من لا مزية له، شعار من لا يملك مشروعاً، دليل من لا يملك بدائل تُذكر، مجرّد هوس بلا حجّة، لكنه هوس قابل- غريزياً- للتّصديق طالما يلبّي نوعاً من الاستعداد الغريزي لدى الإنسان لكي يتنصل من مسؤولياته في الفشل والإخفاق ويؤدي دور الضحية، فيظن نفسه إما ضحية حظ عاثر، أو سحر يؤثر، أو ضحية القدر، أو حسد الغير، أو آلهة الشر.

فهذا أردوغان رئيس وزراء تركيا يصدع رؤوسنا يومياً في حديثه عن مؤامرة تُحبك ضدّه وضدّ حزبه، وذاك بشار الأسد كان ولا يزال يعتبر الاحتجاجات التي واجهها منذ لحظتها السلمية مجرّد مؤامرة إرهابية أحبكها المندسّون ضدّ سوريا للقضاء على دورها الاستراتيجي في محور الممانعة، وكان مرسي قد اعتبر الاحتجاجات الشعبية ضدّ حكمه مؤامرة لأجل القضاء على الثورة المصرية من طرف فلول النظام السابق، وقبله لم يكن مبارك يتورّع في التلويح بنظرية المؤامرة، وكذلك فعل القذافي إلى حد القرف، ونخشى أن نسمع مثل هذا الأمر يتكرر من طرف من سيحكمون دول الرّبيع العربي بعد عام آخر أو أكثر.

المشكلة أننا بقدر ما نترك للساسة الفاشلين الحق في استعمال كلمة مؤامرة، فإننا لن نخرج من الحلقة المفرغة التي تعيدنا في كل مرة إلى نقطة الصفر، حيث التنصل من استحقاقات الحريات الفردية وحقوق الإنسان والتنمية الاجتماعية بادّعاء وجود مؤامرات غربية أو امبريالية أو صهيونية أو ماسونية أو مؤامرات يحبكها الشيطان شخصيا لكن ضدّ من؟ ضدّ من يحطمون أنفسهم بأنفسهم حتى يصبح أي تآمر خـارجي عليهم مجرّد مضيعة للوقت.

لذلك، وددت لو أننا تخلصنا من هذه الكلمة التي أمست بمثابة أفيون للشعوب، وددتُ لو جرّمنا تداولها إن أمكن، بحيث يتأتى لنا في الأخير أن نتكلم عن الفشل، عن الإخفاق، عن الأخطاء، ومن ثم نتكلم بروح من المسؤولية.

ومن جهة أخرى تكاد تبدو نظرية المؤامرة ملازمة لتاريخنا الهجري.

فقد تم تسجيل جريمة اغتيال عمر بن الخطاب ضد رجل “مجوسي”، أبو لؤلؤة، ووقعت تهمة إشعال الفتنة بين الصحابة على كاهل رجل “يهودي الأصل”، عبد الله بن سبأ، فيما يسمى بالتفسير السبأي للتاريخ، وتم تحميل مسؤولية غزو التتار لتآمر شخص اسمه ابن العلقمي، إلخ.

وعلى نفس المنوال، كثيرون من يصرون اليوم على تفسير الرّبيع العربي بأنه مجرّد مؤامرة امبريالية أو غربية من طرف شخصيات متآمرة من حجم برنارد هنري ليفي (اليهودي) مثلاً وذلك لغاية تفكيك الدّول العربية أو ما بقي منها، فيما اصطلح عليه البعض باسم سايس بيكو 2.

نعم، هناك في كل الأحوال أجندة وأجندة مضادة، هناك حرب إرادات، وهذا طبيعي، لكن الأصل أيضاً أن ليس هناك من أحداث تحدث على الورق قبل أن تحدث في الواقع أولاً.

إن التاريخ محكوم بالانفلات والانفتاح واللاتوقع، اللهم إذا كنا سنتحدث عن شيء يشبه اللوح المحفوظ. وليس هذا هو الموضوع.


كاتب مغربي

8