نظمي النصر سعودي ماهر في وضع خطط النفس الطويل

لهجته القطيفية العذبة، وهو ابن مدينة سيهات شرق السعودية، يغرس عبرها النصر كلماته وهو يتحدث إلى السعوديين عن مستقبل "نيوم"، وعن كونه حقلاً لاختبار السعوديين.
الأحد 2020/06/28
مهندس المهمات الصعبة يخوض تحدي "نيوم"

سواء كان محظوظاً أو جديراً، قُدّر للمهندس السعودي نظمي النصر أن يرافق سلسلة من أضخم المشاريع السعودية التي حققت نقلات نوعية في تاريخ البلاد الاقتصادية والتنموية. كان قريباً من موقع المسؤول الأول أو محايثاً يعكف على جزء منه. شارك ابن شركة أرامكو العريقة في عدد من اللحظات الأثيرة في تاريخ السعودية، وترافق مع ساعات ومشقة بنائها ثم توهجها، من حقل الشيبة النفطي إلى جامعة كاوست وأخيراً في نيوم.

نيوم، مدينة المستقبل التي تستحوذ على خلاصة السعودية الجديدة، يقف نظمي النصر كمدير تنفيذي للمشروع، وكأنه معنيّ بتحقيق جدارة السعوديين بالوصول إلى النقطة المنتظرة في سيرهم الحثيث إلى المستقبل المنشود، على كاهله مسؤولية إثبات القدرة والصبر والدأب لتحقيق ذلك.

نشأ في بيت جده الثريّ أول الأمر، محفوفاً بعائلته الكبيرة، عندما انتقل لبيت والده قريباً من البحر. سيرافقه هذا الاتصال بالبحر في كل حياته، وكل المشاريع الكبرى التي تولاها في ما بعد كانت محاذية تماماً للبحر، حتى حقول النفط والغاز التي عمل فيها، كانت تسبح على بحر من الرمال الصفراء.

في بيت والده ضاقت الأحوال الاقتصادية بعض الشيء، وكان قد تعلق بشخصية أبيه القوية، وتعوّد على حبه ونهمه للقراءة وثقافته واطلاعه الواسعين، فيما كانت والدته بشخصيتها الاجتماعية القيادية رغم أنها لم تكن تحسن القراءة والكتابة، ولكن يقودها حدسها لإدارة واقعها المنزلي ويفد إليها أهالي الحارة للمشورة وطلب الرأي.

التطوير الاستراتيجي

عضويته في المجلس التأسيسي لمشروع "نيوم" مكنت النصر من تطوير الاستراتيجية الأولية لمشروع "خليج نيوم" والتي تشكل إحدى المراحل الأولية من تطوير مشروع "نيوم" ككل.
عضويته في المجلس التأسيسي لمشروع "نيوم" مكنت النصر من تطوير الاستراتيجية الأولية لمشروع "خليج نيوم" والتي تشكل إحدى المراحل الأولية من تطوير مشروع "نيوم" ككل.

شكلت دراسة المرحلة الثانوية بالنسبة له نقلة نوعية في نشأته الذهنية والنفسية، بخروجه من قريته البسيطة في سيهات إلى مدينة الدمام شرق السعودية بمجتمعها المفتوح وانضمامه إلى عالم أكثر اختلاطاً ببقية أبناء المجتمع السعودي القادمين من أطراف البلاد المختلفة لأغراض العمل وطلب الرزق، انصهر في هذه التجربة التي فتت شعور العزلة الذي كان يخيّم على أبناء القرى.

حصل النصر على البكالوريوس في الهندسة الكيميائية عام 1978 من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وانضم في العام نفسه إلى شركة “أرامكو”. ثم انضم إلى فريق العمل المكلف بتنفيذ شبكة الغاز الرئيسة في المملكة، وهو برنامج يهدف إلى توفير الإمدادات للصناعات البتروكيماوية في مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين.

وتمت ترقيته إلى منصب مدير مشاريع، ومن ثم تولى إدارة برنامج زيادة إنتاج للنفط الخام في حقل الغوار، حيث أسهم في سد العجز في الإنتاج الذي حدث بسبب توقف إنتاج النفط من العراق والكويت إبان حرب تحرير الكويت.

أمضى النصر نصف خدمته التي تمتد إلى 35 عاما في العمل مع الشركات الدولية الهندسية في أميركا وبريطانيا وهولندا واليابان. وفي شهر مارس من عام 2014 صدر أمر ملكي بتعيينه عضوًا في الهيئة الاستشارية للمجلس الاقتصادي الأعلى. كما عيّن في العام نفسه عضواً في أول مجلس أمناء لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني.

اختير النصر رئيساً مكلفاً لمركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية، إضافة إلى عمله كنائب للرئيس التنفيذي لجامعة الملك عبدالله. فعمل خلال عضويته بالمجلس التأسيسي لمشروع “نيوم” على تطوير الاستراتيجية الأولية لمشروع “خليج نيوم” والتي تشكل إحدى المراحل الأولية من تطوير مشروع “نيوم” ككل.

عُيّن النصر مديراً لبرنامج تطوير حقل الشيبة وهو مشروع عملاق يقع في الربع الخالي جنوب شرق السعودية، وبدأ الإنتاج منه في منتصف العام 1998. كان الحقل تحدياً على المستوى الوطني والشخصي، وآلت نتيجته إلى النجاح، وكان أول صلة النصر بالمشاريع المحلية العملاقة وإيذاناً بانطلاق كفاءة قيادية سعودية، سيكون لها مردودها الإيجابي على ما ستلده الأيام القادمة الحبلى بفرص التنمية العريضة.

جاء مشروع تطوير حقل الشيبة كأول مهمة لشركة أرامكو بعد انتقالها إلى صفتها السعودية البحتة، ولم تكن بذلك خطوة عادية في مجال إنتاج سلعة النفط، بل كان تحولاً نوعياً في هذه الصناعة الثمينة، وكان النصر من موقعه كمسؤول عن قطاع التطوير في هذا الحقل الضخم، مشرفاً على عملية التحول هذه، وسط ظروف صعبة استطاعت الحلول المبتكرة تحقيق اختراق كبير في هذه المهمة المدفونة في محيط من الرمال القاسية والتضاريس الشاقة.

مشاق البدايات

مشروع حقل الشيبة يعد نقطة تحوّل في شخصية النصر وموقعه الوطني وثقته بنفسه وتطلعه إلى المزيد من الواجبات الوطنية التي تنتظره، وقد أهّلته التجارب الثرية التي تلقاها لصقل كفاءته القيادية

كان مشروع الشيبة، نقطة تحول في شخصية النصر وموقعه الوطني وثقته بنفسه وتطلعه إلى المزيد من الًواجبات الوطنية التي تنتظره، وقد أهّلته التجارب الثرية التي تلقاها لصقل كفاءته القيادية وأخصبت مهاراته في التخطيط والإدارة وبناء المشاريع الأولية.

أما جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية التي تُعرف اختصاراً باسم “كاوست”، وهي جامعة سعودية حديثة مخصصة للأبحاث والدراسات العليا، تقع في مدينة ثول على شاطئ البحر الأحمر شمال مدينة جدة غربي السعودية، تُقدّر مساحتها بحوالي 36 مليون م2 وهي أكبر المدن الجامعية على مستوى العالم. فقد كان للنصر دور كبير في إنجاحها، وحين دشّنت حضر حفل الافتتاح أكثر من عشرة رؤساء وزعماء لدول عربية وأجنبية، وفي أثناء الحفل كرّم العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز كبار الإداريين بالجامعة بأعلى درجات الشرف وبالوسام الملكي، ومن بينهم النصر جراء الجهد الكبير الذي بذله في تأسيس الجامعة والمساعدة في إطلاق حلمه الشخصي بتحويل تلك الأرض القفر إلى ميدان فسيح وغني بالعلوم والمعارف والكشوفات.

كان النصر مدمناً على إنجاز الأعمال التأسيسية وتحمل مشاقّ البدايات وعثراتها المألوفة لديه، نفسه الطويل في الإدارة المبكرة والمبتكرة للمشاريع الناشئة، أهّله ليكون الاسم المطروح دائماً في المفاصل التنموية للسعودية المعاصرة.

في بواكير مشواره الوظيفي وتسلسله القيادي، عيّن في إدارة التخطيط العام لـ”أرامكو” وعمل مديراً لقسم التخطيط طويل المدى، إذ تولّى مسؤولية إعداد استراتيجيات الشركة وخطط أعمالها. وفعل الأمر ذاته، في جامعة “كاوست” التي أضحت اليوم صرحاً علمياً شاخصاً تحيط به مدينة اقتصادية مستقلة، وضعت لبناتها قبل15 عاماً من الآن.

وقبل أن تؤول إليه مسؤولية العمل في إدارة مشروع نيوم وقيادة دفة واحد من أقطاب المستقبل السعودي المنشود، عمل النصر على تطوير الاستراتيجية الأولية لمشروع خليج “نيوم” التي تشكل إحدى المراحل الأولية من تطوير «نيوم» ككل. وكان ذلك توطئة لتعيينه في موقعه الجديد، على مشارف المستقبل السعودي الواعد والسخي بالآمال المرتقبة والوعود المشرعة.

طموح بلا حدود

النصر وفريق عمله يتوجب عليهم أن ينأوا بـ"نيوم" عن كل التبعات السياسية والإعلامية التي يمكن أن تلقي بظلالها عليه، جراء انخراط السعودية في الملفات المختلفة التي يحتمها أمنها القومي والإقليمي
النصر وفريق عمله يتوجب عليهم أن ينأوا بـ"نيوم" عن كل التبعات السياسية والإعلامية التي يمكن أن تلقي بظلالها عليه، جراء انخراط السعودية في الملفات المختلفة التي يحتمها أمنها القومي والإقليمي

أعلن المجلس التأسيسي لمشروع “نيوم” تعيين النصر، رئيساً تنفيذياً، خلفا لكلاوس كلاينفيلد، الذي تم تعيينه مستشاراً لرئيس مجلس إدارة مشروع “نيوم” الأمير محمد بن سلمان، بدءاً من تاريخ 1 أغسطس 2018، وسيكون مسؤولاً عن تطوير الاستراتيجية، وتطوير خطط الأعمال للقطاعات الاقتصادية الأساسية في “نيوم”.

سيخوض النصر اختباراً جديداً على أرض نيوم، وتحدياً لقدرته على تجاوز أشواك التحديات وبلوغ الغاية المأمولة من وراء «نيوم» الذي يمثل تاج مشاريع المستقبل السعودي في مضمار تحولاته الجديدة والمصيرية.

ويُعد مشروع "نيوم" الأكثر طموحاً على مستوى العالم، الذي يتم تطويره على مساحة أكثر من  26 ألف كيلومتر مربع شمال غرب المملكة، وسيكون «نيوم» إحدى ركائز التحول الاقتصادي للمملكة لتوفير مصادر دخل متنوعة من خلال قطاعات نيوم الاقتصادية والاستثمارات العقارية.

بلهجته القطيفية العذبة، وهو ابن مدينة سيهات شرق السعودية، يغرس النصر كلماته وهو يتحدث إلى السعوديين عن مستقبل «نيوم»، وعن كونه حقلاً لاختبار السعوديين في حفل تدشين إطلاق أكاديمية نيوم، وقال “سيكون هذا العام 2020 هو بداية الزخم الفعلي لمشروعات نيوم الحالمة، والتي ستكون شاهدة على همة السعوديين لبناء مستقبل واعد لبلدهم”.

وجاء العام 2020 بتحدياته القاسية على الاقتصاد والتنمية، لاسيما جائحة كورونا التي حتمت على المالية السعودية اتخاذ مجموعة من الإجراءات “المؤلمة”، لمواجهة الآثار المالية والاقتصادية لأزمة كورونا.

ومع أن الإجراءات المعلن عنها أخيراً تضمنت تأجيل عدد من المشروعات المرتبطة برؤية 2030، إلا أن المتابع للتصريحات الرسمية حتى وقت قريب يجد حديثاً عن استمرار العمل بمشروع مثل مدينة نيوم، والتي تشكل جوهرة التاج في رؤية 2030 بميزانية تبلغ حوالي 500 بليون دولار، كما هو مخطط له، إذ تعتمد الرؤية في جزء كبير منها على تعزيز الاستثمار في القطاع الخدمي والترفيهي من قبل مستثمرين محليين ودوليين.

ويتوجب على النصر وفريق عمله أن ينأى بـ“نيوم” عن كل التبعات السياسية والإعلامية التي يمكن أن تلقي بظلالها عليه جراء انخراط السعودية في الملفات المختلفة التي يحتمها أمنها القومي والإقليمي والنجاة بـ“نيوم” من استهداف الخصوم التقليديين للمملكة في محاولاتهم المضنية لإحباط الخطط التنموية وتثبيط النزعة الإصلاحية للسعودية الجديدة. تجربة جديدة يخوضها النصر، لا تشبه كل المسؤوليات الضخمة التي تولاها سابقاً، وإن كانت لا تقل عنها  في الأهمية والمحورية، لكن مشروعاً يحمل كل هذه الآمال العِراض ويتقاطع مع الكثير من المجالات السياسية والأمنية وتحيط به تحديات منظورة وأخرى غير متوقعة، ستكون مرحلة شاقة ومرهقة وسيكون على نظمي أن يحسب لذلك ألف حساب.

8