نظير عياد أزهري مصري يقدّس التراث مكلّف بفضح المتطرفين

طروحات رئيس مرصد الأزهر العالمي لمكافحة التطرف عن التجديد تتناقض مع التجديد نفسه، لأنه يعتنق نهجا إقصائيا لكل من يقترب من الملف الديني بخلاف الأزهر.
الثلاثاء 2020/06/23
معركته مع المتطرفين لن تخرج عن دائرة المواجهة الإعلامية

يمكن أن يفسر استدعاء نظير عياد رئيس مجمع البحوث الإسلامية لقيادة مرصد الأزهر العالمي لمكافحة التطرف والفتوى الإلكترونية، أخيرا، أسباب استمرار الأفكار المتشددة في المجتمع وإخفاق المؤسسة الدينية في اختراق حجج وأسانيد التيارات التي تتخذ من الدين مبررا لأفعالها الشاذة.

مضت خمس سنوات على إنشاء المرصد، وما زالت نفس الأفكار حاضرة، التي تستند على أدلة وبراهين يتم استقطاعها من نصوص دينية وتراثية لاستقطاب الشباب وضعاف النفوس وأعداء الإنسانية، رغم تعدد المنابر الدينية الرسمية المكلفة بالتصدي للمنحرفين فكريا وتصحيح المعتقدات التي يروجونها.

تظل معضلة عياد، أنه من أشد المعارضين لدعوات هدم التراث وتشعر أنه يعتبره أحد أركان الإسلام، في حين أن أغلب التبريرات التي يستند عليها المتطرفون تأتي مرجعيتها من نصوص دينية لم تعد صالحة للواقع المعاصر، بالتالي فالمواجهة مع هؤلاء بأفكار تجاوزها الزمن خاسرة.

كيف يفكر المتطرفون

يُفترض أن مرصد الأزهر هدفه معرفة كيف يفكر المتطرفون، والآلية المستخدمة لاستقطاب الشباب، ووضع طرق المواجهة، والرد عليها بـ12 لغة، ومعرفة نقاط الضعف التي تلجأ إليها التيارات المتشددة لاستمالة واستغلال فئات للانضمام إليها من أجل تفنيدها وضرب أساساتها.

يصعب فصل اختيار عياد في هذا المنصب الحيوي دون ربطه بتماهي شخصيته مع أفكار أحمد الطيب شيخ الأزهر، فالأخير يتعرض لانتقادات متكررة لإصراره على تقديس التراث، والأول لديه قناعات شبيهة وتوجهاته لمكافحة التطرف لا تخلو من الحديث عن استقلال المؤسسة.

معضلة عياد تعود إلى كونه أساسًا من أشد المعارضين لدعوات هدم التراث وتشعر أنه يعتبره أحد أركان الإسلام، في حين أن أغلب التبريرات التي يستند عليها المتطرفون تأتي مرجعيتها من نصوص دينية لم تعد صالحة للواقع المعاصر

يفسر ذلك، سرعة تدرجه بالمناصب داخل الأزهر، فقد حصل على درجة الليسانس من كلية أصول الدين عام 1995، وعين معيدا بالكلية في العام التالي، وحصل على الماجستير والدكتوراه في العقيدة والفلسفة، ونال درجة الأستاذية بكلية الدراسات الإسلامية والعربية، ثم عمل وكيلا لها، قبل أن يتم اختياره أمينا لمجمع البحوث الإسلامية منذ عام، ورئيسا لتحرير مجلة “صوت الأزهر” في أبريل الماضي.

سار عياد على نهج الأزهر في مكافحة التطرف ظاهريا، وهذه مشكلة معقدة تنذر ببقاء قوى التشدد حاضرة بقوة، لأن المؤسسة متهمة بمحاربة تيارات العنف بسطحية، فتراها تصف أنصار هذه التيارات بأبشع العبارات، لكن تقدم إليهم خدمة مجانية بتحصين التراث من الانتقادات.

يكفي التدقيق في شخصيته، والتركيز بين سطور كلامه الهادئ الرصين، للاقتناع بأن معركته مع المتطرفين لن تخرج عن دائرة المواجهة الإعلامية، ولو كان يقوم بنقد حججهم وتفنيد أسانيدهم لبدأ بهدم أساسيات الفكر والحجة، ولم يكتف باتهامهم باجتزاء النصوص فقط.

لا يقتنع رئيس مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، بأنه مهما بلغت درجة الاجتزاء هناك نصوص تراثية كاملة كفيلة بصناعة متشددين دون الحاجة إلى الاقتطاع منها حسب الحاجة والظرف، لتبرير الأفعال والتوجهات التي تعتمد على التكفير وسفك الدماء والانتقام من المختلفين.

عندما تصاعدت وتيرة الهجوم على شيخ الأزهر لتمسكه بالتراث، ارتدى نظير عياد عباءة الأزهري الذي يتولى مهمة تجميل الصورة، بقوله “لا مانع من تقديم التراث بصورة جديدة تحافظ على ثوابته”، كأن الأزمة في الشكل وليست في المضمون.

يمكن البناء على هذه القناعات بأن معركة الأزهر مع المتطرفين تبدو شكلية أيضا، ولو كان جادا في المواجهة لبدأ بتنقية المناهج الأزهرية من الدروس التي تحض على التشدد الفكري والديني، وهي معضلة أخرى أمام عياد في سبيل تحقيق تقدم ملموس في ملف محاربة التطرف، إذ يمكن أن يخرج من مؤسسات التعليم الأزهرية حاملون لنفس الفكر.

معركة خاسرة

قناعات عياد تميل إلى التشدد، لاسيما حين ينظر إلى أصحاب العقائد الأخرى، فهو ما زال يطلق على المسيحيين لقب نصارى، وهو الذي أصدر كتابا في عام 2016، سماه “مشكلات العقيدة النصرانية ـ عقيدة التثليث عند النصارى“
قناعات عياد تميل إلى التشدد، لاسيما حين ينظر إلى أصحاب العقائد الأخرى، فهو ما زال يطلق على المسيحيين لقب نصارى، وهو الذي أصدر كتابا في عام 2016، سماه “مشكلات العقيدة النصرانية ـ عقيدة التثليث عند النصارى“

يعترف أكثر المتابعين لتحركات الرجل على الساحة الدينية، بأنه يكن العداء للتيارات الإرهابية، وفي محطات عديدة برأ الدين من أقوالها وأفعالها، لكن لم يتحدث مرة واحدة عن خروج أنصار هذه التيارات عن الملّة، كرسالة ترهيب لمن يفكرون في الانضمام إليهم أو التعاطف معهم، أيّ أنه لم يستثمر أهمية رأي الأزهر في الإفتاء بنبرة حادة لتخويف المعجبين بالإرهابيين.

إن كانت لعياد أسانيد صحيحة في فضح الفكر المتطرف، فأصحاب هذا التوجه لديهم أيضا تبريرات دينية، ما يعني أن الاكتفاء بالمواجهة مع هؤلاء بالتلاسن والعبارات المطاطة واللغة الجامدة لن يُفضي إلى شيء، لأنهم يتحدثون إلى العامة بلغة بسيطة تلامس ثقافتهم، في حين أن مرصد الأزهر ما زال يتبع نفس القوالب الدينية الصلبة التي لا يفهمها عموم الناس.

لا تزال التقارير التي تصدر عن مرصد الأزهر خالية من التطرق إلى أسباب التطرف ذاتها، والأزمة الأكبر أنه في أحيان كثيرة تكون مواقفه عبارة عن رد فعل، فتراه مثلا يعلق على حادثة إرهابية في الصومال، ولا يبادر مسبقا بفضح الأفكار التي يبني عليها الإرهابيون تصرفاتهم، والأطراف الداعمة لهم، وأهدافهم البعيدة عن الدين لتحقيق مآرب سياسية باسمه.

محاباة السلفيين

يؤخذ على عياد أنه تفرغ لمحاربة التطرف الفكري والديني خارج الحدود، وغض الطرف عن المتشددين في مصر، فلم يدخل معركة مع التيار السلفي الذي يتبنى خطابا متطرفا وتحريضيا، ويصدر فتاوى تتناغم إلى حد بعيد مع العناصر التكفيرية، إلى درجة أن بعضها يبرر الأفعال الإقصائية تجاه المختلفين مع العقيدة الإسلامية.

يلتمس البعض العذر لعياد في تلك النقطة، بأن الأزهر معروف عنه أنه يضم الكثير من رجال الدين أصحاب التوجه السلفي، بالتالي من الصعب أن يقحم الرجل نفسه في معركة يتم توظيفها لتشويه صورة المؤسسة الدينية، ويعطي معارضيها السلاح الذي يواجهونها به، أو على الأقل يتكالب عليه علماء السلفية للتخلص منه.

إذا كان هذا العذر منطقيا، فهو يتناقض مع مصداقية مرصد الأزهر في محاربة التطرف عموما، أيّا كانت الجهة أو الأشخاص، في الداخل أو في الخارج، لأن غض الطرف عن الدخول في مواجهة مع فئة من المتشددين، لتضارب المصالح أو تجنب معركة خاسرة، يرفع سقف الاتهامات الموجهة للأزهر، وأنه أسس المرصد لمجرد إبعاد شبهة التشدد عن نفسه.

معركة الأزهر مع المتطرفين تبدو معركة شكلية لا أكثر. فلو كان جادا في المواجهة لبدأ بتنقية المناهج الأزهرية من الدروس التي تحض على التشدد الفكري والديني
معركة الأزهر مع المتطرفين تبدو معركة شكلية لا أكثر. فلو كان جادا في المواجهة لبدأ بتنقية المناهج الأزهرية من الدروس التي تحض على التشدد الفكري والديني

عندما يرد البعض من قادة ورموز الأزهر على المعارضين، يستندون إلى وجود مرصد محاربة التطرف، لإثبات أن المؤسسة بريئة من هذه التهمة، ما يثير الشكوك في أن وجوده على الساحة محاولة لتبييض وجه الأزهر، بذريعة أن الجهة المتهمة بتصدير التشدد للعالم لا يمكن أن تؤسس منبرا لمحاربته وفضح أفكار وأسانيد أصحابه.

تبدو قناعات عياد تميل إلى التشدد، لاسيما عند النظر إلى أصحاب العقائد الأخرى، فتراه يطلق على المسيحيين لقب نصارى، وهو الذي أصدر كتابا في عام 2016 عندما كان أستاذا بكلية الدراسات الإسلامية في جامعة كفرالشيخ، شمال شرق القاهرة، وسماه “مشكلات العقيدة النصرانية.. عقيدة التثليث عند النصارى”.

لا يحتاج الأمر إلى كثير عناء عند الاطلاع على مؤلفات عياد، لاكتشاف أن لديه تناقضات فكرية، بين ظاهرية التسامح مع أصحاب العقائد الأخرى، قبل أن يصل إلى منصب مرموق داخل الأزهر، وبين محاولة الظهور في ثوب المعتدل الذي يحارب التطرف بعد اعتلاء مجمع البحوث الإسلامية، وترؤس مرصد الأزهر.

ذكر في كتابه “عقيدة التثليث عند النصارى”، أن الله عندما تحدث عن هذه العقيدة في القرآن الكريم، حكم بكفرهم، وبعد استشهاد عياد بأكثر من نص وموضع، ذكر في الكتاب أن هذه العقيدة باطلة، وأصحابها يستشهدون بنصوص غير صحيحة، وعلى فرض صحتها فهي من واقع فكرهم المنحرف.

ما يلفت الانتباه، أن عياد الذي يدافع عن قداسة التراث، هو نفسه الذي رفض قدسية العقيدة الثالوثية عند المسيحيين، باعتبارهم يستخدمون هذا الأسلوب المقدس لتقوية عقيدتهم وجعلها مقبولة، ويقطعون كل الطرق للطعن عليها.

إذا كان عياد لم يعد يستخدم هذه التوصيفات بعد اعتلاء المناصب الأزهرية الهامة، فإنه يكفي أن لديه قناعات تشير إلى أن هناك أصحاب عقيدة، أيّ عقيدة، يجوز وصفهم بالكفار، ويعتنقون فكرا منحرفا وباطلا، ما يمكن البناء عليه أنه يصعب التنبؤ بخوضه معارك ضارية مع المتطرفين الذين ينظرون لنفس العقيدة، على الأقل، بطريقة دونية أو تربص.

تظل أبرز مشكلات عياد أنه من الشخصيات التي تقدس الأزهر، ويعتبره المسؤول الأول عن الرد باسم الإسلام، ما انعكس على قناعاته في طريقة الرد على دعوات تجديد الخطاب الديني، ومن هي الأطراف التي يُفترض أن تقوم بهذه المهمة، هل رجال الدين أم الباحثون في شؤون العقيدة الدينية والتنويريون أم كل هؤلاء معا؟

يمكن اختصار أزمة الرجل مع التجديد في نظرته إلى العلمانيين والتنويريين، إذ لا يقتنع بأيّ دور لهم في هذه القضية ولو في مجال الاجتهاد بالرأي وعرض وجهات النظر حتى لو كان يصعب تطبيقها، ويرى أن الأزهر وحده المفترض أن يقوم بهذه المهمة، وتجديد الخطاب الديني لن يتم إلا بتكاتف المؤسسات والهيئات الدينية تحت راية الأزهر.

العداء مع التنوير

مشكلة بعض رجال الدين، من أمثال عياد، مع التجديد تكمن في نظرتهم إلى العلمانيين والتنويريين، فهم لا يقتنعون بأيّ دور لهؤلاء في مجال الاجتهاد بالرأي وعرض وجهات النظر
مشكلة بعض رجال الدين، من أمثال عياد، مع التجديد تكمن في نظرتهم إلى العلمانيين والتنويريين، فهم لا يقتنعون بأيّ دور لهؤلاء في مجال الاجتهاد بالرأي وعرض وجهات النظر

يرى معارضون للرجل، أن طروحاته عن التجديد تتناقض مع التجديد نفسه، لأنه يعتنق نهجا إقصائيا لكل من يقترب من الملف الديني بخلاف الأزهر، الذي يجب أن تكون رايته هي الأعلى في تكريس واضح لمفهوم القداسة، وتقديمه على أنه الوسيط الوحيد بين العبد وربه.

يرفض نظير عياد الاقتناع بأنه مكلف بمهمة مواجهة التشدد، والحد من التطرف الفكري، ولا يمكن التمسك باحتكار الأزهر للتجديد باعتباره مستقبل أمة. كما أن قبوله للآخر بآرائه وقناعاته دون إقصاء طالما استهدفت التسامح والوسطية، من صميم التجديد.

صحيح أنه من النادر خروج قيادة أزهرية لتغرد خارج السرب، لكن منصب عياد يحتم عليه أن يتبنى خطابا مستقلا يمنح التوازن للمؤسسة الدينية، بين ما هو مرفوض من قمة الهرم وما هو مقبول من بعض دوائر صناعة القرار في الداخل، لأن إظهار هذا الاختلاف في وجهات النظر من شأنه أن يمنح المصداقية للأزهر في قبول الرأي الآخر، بعيدا عن تكريس الكهنوت، وتقوية شوكة مرصد مكافحة التطرف في مواجهة المتشددين.

يصعب فصل التماهي غير المحدود بين شخصية عياد وأحمد الطيب، عن الجذور التي تربط الاثنين بالانتماء إلى المدرسة السنية الأشعرية، التي أسسها أبو الحسن الأشعري، وينتهي نسبه إلى الصحابي أبي موسى الأشعري، ويتحرك الاثنان وفق اتجاه له أصول جامدة في صياغتها وأفكارها، حيث تعتمد على أحاديث الآحاد التي ترفض أن تتوسط بين النقائض.

المدرسة التي ينتمي إليها عياد تعاني من كونها أصولية جدا، وهو ما يؤثر على أفكار رجالها في ما يخص القضايا المعاصرة والتفكير النقدي العقلاني، ويقول معارضوها إنها لا تفرق بين التراث البشري الذي نتج عن الاجتهاد، والتراث الديني الثابت الذي لا يقبل التغيير باعتباره من البديهيات، مثل الصلوات وغيرها.

ينعكس تخلي رجل الدين، مثل نظير عياد، عن قناعاته تجاه القضايا المعاصرة على مرونته في الخطاب، إلى درجة أنه يتحدث بطريقة توحي للمتلقي بأن رأيه نابع من سلطة دينية، في حين أن الإسلام تأسس على الوسطية، وأن يكون الدين تكليف الله للفرد، لا تكليفا من المؤسسة الدينية.

وقد تحدث سابقا، بنفسه، عن أن العلاقة بين رجال الدين والمثقفين توافقية وتكاملية حول روح التجديد تماشيا مع متطلبات العصر، لكن يبدو أن هذا الحديث لا يتفق مع أفكاره الحقيقية، بدليل أنه يرى “التجديد مهمة ينبغي ألا يتصدى لها سوى أهل التخصص”، وهي ذات اللغة التي يتحدث بها شيخه أحمد الطيب، ما يعني أن التوافق والتكامل موجودان داخل الأزهر، وليس مسموحا للآخرين بالانضمام إلى هذه الدائرة.

13