نعمان هادي رسام الوجوه العراقي الذي ينقب بحثا عن العاطفة

الفنان العراقي رسم لوحات لم يرها أحد، وهو رسام من ذلك النوع الذي لا يعنى كثيرا بمصير لوحاته بقدر ما يتذكر متعته حين كان يرسمها.
الخميس 2020/08/06
العراقي الغريب بنزعته الإنسانية

أين يكمن الخطأ في أن يتخصص الرسام في رسم الوجوه الشخصية؟ يتذكر البعض رسامي الساحات مثل مونمارتر في باريس وبياسا إسبانيا في روما من أجل ألاّ يقيم لذلك التخصص وزنا. ولكن في الوقت نفسه هناك لوسيان فرويد (1933 – 2011).

فرويد رسم ملكة بريطانيا في لوحة صغيرة جدا ولم يعترض أحد لا لشيء إلا لأن اللوحة ستكون ممهورة بتوقيعه. بيعت لوحاته بالملايين أثناء حياته. هناك سلالة من الرسامين، العراقي نعمان هادي واحد منهم، تستحق أعمالهم أن تذهب إلى المتاحف العالمية ومنها متحف البورتريه بلندن.

هادي ليس رساما عاديا، بل إنه لم يكن كذلك في أيّ مرحلة من مراحله الفنية. صحيح أنه حاول بين حين وآخر أن يتحرر من عقدة رسم الوجوه التي هي عقدة الآخرين وليست عقدته، غير أنه سرعان ما كان يعود إلى شغفه العظيم بالوجوه. فهي عالمه الذي يجد في تفاصيله معاني الوجود.

حلق هادي بالصنعة بجناحي خياله فكانت رسومه خلاصة للقاء الموهبة الفذة بالخيال الذي يرتقي بالرسم إلى مصاف الخلق. ظهر فنيا في وقت كان الرسامون العراقيون قد أصيبوا بحمى التجريد فلم ينخرط في الفوضى بل ظل حريصا على منهجه الكلاسيكي في الرسم من غير أن يكرر تجارب الفنانين الذين أعجب بهم ومنهم معلمه فائق حسن.

كان صنيعة فهمه لطريقة خاصة في الرسم لا تضحي بالحرفة ولكنها لا تخضع لها في الوقت نفسه. ذهبت عينه بعيدا. خصوصا إلى رامبرنت، معلم عصر الباروك.

تعلم هادي الرسم جيدا وصار عليه وهو يعيش في باريس أن يترك أثرا يشير إلى ذلك. إنها فكرة عن حياة يقضيها المرء في خدمة شغفه.

صانع لوحات يطارد متعته

الرسم بالنسبة إلى الفنان العراقي هو محاولة لإعادة النظر في الواقع
الرسم بالنسبة إلى الفنان العراقي هو محاولة لإعادة النظر في الواقع

ولد في الكرخ من بغداد عام 1943. درس الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد وتخرج منها عام 1967. بعدها عمل مدرسا للرسم في المدارس الثانوية وهو ما أهله لأن يقيم معرضا وطنيا لرسوم الأطفال عام 1970. أقام أول معارضه الشخصية عام 1970 على قاعة المتحف الوطني للفن الحديث “كولبنكيان” وبعد سنة أقام معرضه الثاني الذي كان مقتصرا على الصور الشخصية. بعدها غادر إلى باريس التي أقام فيها معرضه الشخصي الثالث. عاد إلى بغداد لينفّذ ست لوحات كبيرة للمتحف البغدادي. ومن يومها وهو يعيش ويعمل ويقيم معارضه في باريس.

لن نتمكن من التعرف على حقيقته لو اعتبرناه رسام موضوعات. الموضوع لديه ليس سوى ذريعة. إنه يتحايل على الحياة لكي يرسم. لديه وجهة نظر خاصة تولي المرئيات أهمية استثنائية فمن خلالها يمكنه التعرف على عدّته رساما وهو في ذلك لا يتكئ على الموضوع بقدر ما يسعى من خلاله إلى التعرف على موهبته في استعادة الواقع باعتباره فكرة يتمكن الرسام من خلالها إلى الاحتكام إلى خياله باعتباره قوة خلق.

الرسم بالنسبة إلى هادي هو محاولة لإعادة النظر في الواقع. لا يقدم الرسام صورة عن الواقع بقدر ما يخلق متعة مادتها طريقة جديدة في النظر إلى ذلك الواقع. كان هادي في كل ما فعله صانع لوحات ولم يكن خادما للواقع.

لذة العيش

رسم هادي لوحات لم يرها أحد. ذلك قدر الرسام الذي يرسم صورا شخصية وذلك هو مصير لوحاته. رسام من ذلك النوع لا يعنى كثيرا بمصير لوحاته بقدر ما يتذكر متعته حين كان يرسمها. لقد اكتسب من خلال تلك المتعة مهارة استثنائية في القبض على مواقع التعبير. ذلك ما جعله قريبا من الأسلوب التعبيري في الرسم. وهنا يمكن الحديث عن معجزة الوجه البشري التي يتعثر بها الرسام أثناء عمله من غير أن يكون معنيا بالبحث عنها.

كل لوحة شخصية من فنسنت فان غوخ هي معجزة. يصطدم الرسام حينها بمواده وتقنيات يده ومزاج خياله فيقرر أن يرسم بطريقة مختلفة. وهو ما يعني أن هناك مئات من اللوحات التي رسمها هادي والتي لم تجد طريقها إلى العرض العام كانت تعبر عن مزاجه المختلف الذي استبسل في أدائه. لقد تعلم من الوجوه التي رسمها ما لم يتعلمه أثناء الدراسة.

كان قربه من المدرسة التعبيرية في أسلوبه أمرا طبيعيا حين رسم لوحات، سعى من خلالها إلى استحضار أناس ذلك البلد الذي صار بعيدا. لا يزال هادي مسكونا بالموضوعات الشعبية التي يستحضرها لكي ينعش ذاكرته.

هادي واحد من قلة من الرسامين العراقيين الذين يسترجعون تفاصيل حياة عاشوها في الجزء الغاطس من سيرتهم. ذلك الجزء الذي لا يحضر إلا عن طريق الرسم. فهم من خلاله يقيمون علاقة بالرسوم التي أعجبوا بها في صباهم. وهي الرسوم التي فتحت أمامهم الأبواب في اتجاه التعرف على لذة العيش في مجتمع محافظ. لقد قاوموا الانغلاق عن طريق الرسم.

الملون ونضارته

جيل هادي من الرسامين تربى على أهمية اللون في الحكم على قيمة العمل الفني
جيل هادي من الرسامين تربى على أهمية اللون في الحكم على قيمة العمل الفني

ينتمي هادي إلى جيل من الرسامين تربى على أهمية اللون في الحكم على قيمة العمل الفني ومدى تمكن صانعه من أدواته وطريق النظر إلى العالم الخارجي. لم يكن الرسام إلا طريقته في صنع مفاجآت لونية. ذلك ما وضعه هادي في اعتباره دائما بغض النظر عن الموضوع الذي يعالجه. وهو ما جعله واحدا من أهم الملونين في تاريخ الرسم الحديث في العراق. خاصية جعلت لوحاته تتمتع بقدر لافت من النضارة والليونة والإشراق والقدرة على جذب الأنظار لما ينطوي عليه النظر إليها من متعة بصرية. اللون، يا له من عنصر شديد الضراوة. يكفي هادي أن يُشار إليه باعتباره ملونا ليشعر بالاعتزاز بما فعله.

رسم هادي وجها يذكر بصرخة النرويجي إدفارد مونش. كانت تلك صرخة احتجاج على ما تعرض له العراق من احتلال وغزو. مع تلك الصرخة بدأ الرسام مرحلة أسلوبية جديدة سعى من خلالها إلى رسم المجاميع البشرية بطريقة توحي بالاحتجاج. هل مثلت تلك المرحلة تحولا في مساره الأسلوبي؟

من الصعب الإجابة بالإيجاب على ذلك السؤال. فهادي أثناء انشغاله برسم الوجوه لم يخف نزعته الإنسانية. كان إنسانيا وهو ينقب في تفاصيل الوجه البشري بحثا عن عناصر العاطفة المشتركة التي جعلت ذلك الوجه قادرا على أن يخاطب أكبر عدد ممكن من المتلقين الذين يقعون في شباك عاطفته. حين رسم الصرخة لم يتخل عن أسلوبه التعبيري بل كرّسه.

استحضر هادي صرخة مونخ ليؤكد أن الألم الإنساني لا يمكن تجزئته تبعا لأسبابه. لقد انفتح بذلك الألم من مساحته الفردية إلى مجال حيوي جسده ظهور المجاميع البشرية. ولقد كان هادي بارعا في تجسيد ذلك الألم الصعب.

 ستكون نزعة الفنان الإنسانية درسا مهما في تاريخ الرسم الحديث في العراق الذي تميز رساموه إما بنزعاتهم الفردية أو بحيادهم الموضوعي البارد. الاستثناءات هنا قليلة. يمكن ذكر محمود صبري وعلاء بشير باعتبارهما نموذجين لامتزاج النزعة الإنسانية بالأسلوب.

وإذا ما طور هادي اهتمامه بذلك المسار الأسلوبي فإنه كما أرى سيكون نموذجا متقدما في ذلك المجال. لقد اهتم في ماضيه بالموضوعات الشعبية من غير أن تنطوي رسومه على نزعة شعبوية. ذلك الاهتمام سيجعله قادرا على العثور على مواقع العاطفة الإنسانية لينفتح عليها من غير أن يخضع لها.

12