نعمة الانسحاب الأميركي من سوريا

الانسحاب الأميركي من الشمال ومن الأزمة السورية ككل، نعمة كان من الأفضل لو حلت باكرا. كان من الأفضل لو لم تتدخل الولايات المتحدة في الأزمة أصلا.
الثلاثاء 2019/10/22
تنازل أميركي عن الأكراد دون ثمن

ربما يكون أفضل شيء حدث للسوريين مؤخرا هو الانسحاب الأميركي من الشمال. فالولايات المتحدة لا تزال أكبر أعداء الثورة السورية منذ الأيام الأولى لانطلاقتها. ولعلنا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن الأميركيين تسببوا بفشل الثورة السورية أكثر من أي سبب آخر، وأكثر من أي دولة أخرى.

الانسحاب الأميركي من الشمال ومن الأزمة السورية ككل، نعمة كان من الأفضل لو حلت باكرا. كان من الأفضل لو لم تتدخل الولايات المتحدة في الأزمة أصلا، ولكن مكانتها كشرطي للعالم، تتيح لها التدخل حتى في سلوك البطاريق بالقطب الشمالي، أو نشاط الخفافيش في كهف كروبيرا بأبخازيا.

وكما في التدخل بأزمتهم قبل سنوات، أضر الأميركيون السوريين بانسحابهم اليوم. فقد منحوا ثلث البلاد للنظام دون حتى أن يفاوض عليه. مكرمة من واشنطن إلى موسكو وصلت إلى يدي بشار الأسد في دمشق. كأن شيئا لم يكن طوال تلك السنوات وكأن الثورة لم تقم أصلا عام 2011.

ما الذي فعله الأميركيون للسوريين؟ ما الذي قدموه لنصرة شعب نزح منه الملايين وقتل مئات الآلاف واعتقل عشرات الآلاف، فقط لأنه طالب باستعادة الدولة من عائلة الأسد وخدمها وحاشيتها.

جميع قرارات الولايات المتحدة في الثورة السورية كانت خاطئة بحسابات السوريين الذين يتطلعون لإصلاح بلادهم ويبحثون عن دعم حقيقي ضد طاغيتهم. جميع القرارات كانت أنانية وتخدم إما حلفاء دمشق، أو خصومها الذين باعوا واشتروا بالسوريين آلاف المرات، وعلى رأسهم تركيا.

لم ينطق رئيس الولايات المتحدة السابق باراك أوباما بأن الأسد فقد شرعيته، حتى دخلت إيران وحزب الله اللبناني إلى سوريا. وعندما قررت واشنطن تسليح المعارضة اختارت المجموعات المتطرفة، وعندما أرادت صناعة معارضة سياسية لنظام الأسد ساندت قاصري البصيرة وعديمي الحنكة والدهاء.

لم تسمح واشنطن بإسقاط الأسد بعدما سحبت منه الشرعية. ثم سلّمت سوريا للإيرانيين من أجل إتمام اتفاق نووي معهم، وعندما أُرهق الإيرانيون من الدفاع عن الأسد بمفردهم، منح أوباما المسالم ضوءا أخضر للروس لمساعدتهم. وهنا تحولت المعارضة إلى تطرف والمعارضون إلى إرهابيين.

غرق الأميركيون في الحرب على الإرهاب في سوريا أكثر بكثير مما كان يحلم الأسد. فقد غيرت واشنطن بوصلة الحرب في البلاد من مقاومة الأسد وحلفائه، إلى محاربة داعش والنصرة. وطوال الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تحارب فيه الإرهاب، كان يُمنع على المعارضة التفكير بإسقاط الأسد عسكريا.

لم ينته الضرر الأميركي هنا، فمنذ أن فتحت أبواب جنيف للمفاوضات بين الأسد ومعارضيه، مارست واشنطن دورا معطلا لأي حل للأزمة قد يأتي من خصوم دمشق أو حلفائها. لم تفرض واشنطن في زمن أوباما أو خليفته دونالد ترامب، حلا ولم تقبل بحل من غيرها، لأنها ببساطة لا تتعجل إنهاء الأزمة.

لطالما كان حل الأزمة السورية ثانويا بالنسبة للولايات المتحدة. لطالما كانت تأتي الأزمة في المرتبة الثانية على سلم أولوياتها في المنطقة. فحتى عام 2015 كانت أولوياتها في الاتفاق النووي مع إيران، ثم تحولت بعدها لمحاربة داعش حتى نهاية عام 2018، ومن بعدها شرعت بحربها الاقتصادية على إيران.

لم تسلم بقعة في سوريا من تواطؤ الأميركيين على الثورة، حتى الجولان المحتل منحته أميركا لإسرائيل وكأنه أحد ممتلكاتها. ولم يسلم أحد في سوريا من ضرر الأميركيين، حتى الأكراد الذين حاربوا معهم الإرهاب وكانوا القوة الضاربة لهم ضد التنظيم الإرهابي لسنوات، باعوهم للأتراك بلحظة ودون مقابل.

مهما حاولنا تجميل حقيقة ما جرى في الشمال السوري فهي لن تتغير. مجرد تنازل أميركي عن الأكراد دون ثمن. وبتعبير آخر تركت الولايات المتحدة سكان الشمال السوري ليتقاسم الروس والأتراك حياتهم وأراضيهم وأحلامهم، ولم يشفع لهم إخلاصهم لواشنطن ولا نبذهم للتطرف في مناطقهم.

لقد خذلت الولايات المتحدة جميع السوريين، ولم ينج من تواطئها أحد في الداخل أو الخارج. فمن بقي في البلاد، مرغما أو راغبا، عاش تحت وطأة العقوبات الأميركية على سوريا. عاش بردا وفقرا وفشلا، يتحمل النظام وحلفاؤه نصف المسؤولية فيهم، والولايات المتحدة بعقوباتها تتحمل النصف الآخر.

اليوم وبعد سنوات طويلة من التواطؤ على السوريين وبلادهم، تقرر الولايات المتحدة الخروج من البلاد. نأمل أن يكون ذلك انسحابا كاملا، وتخرج واشنطن من الأزمة بجيشها وعسسها ومؤامراتها وحساباتها السياسية والعسكرية. فعندها، وعندها فقط، يبدأ الحديث عن فرص حل للأزمة السورية.

لن تكون النهاية سعيدة للكثيرين لأن الحل سيكون منقوصا وجائرا بمواطن عدة، ولكن جميع السوريين يريدون انتهاء الأزمة لأنهم تعبوا من تلاعب العالم بهم، ومن متاجرة الولايات المتحدة وغيرها بأزمتهم. لقد سأم السوريون من نفاق واشنطن في ادّعاء دعم المعارضة، واستيقظوا من وهم معاداتها للأسد.

بعد انسحاب الولايات المتحدة، لن يبقى سوى ثلاث دول تتحكم بسوريا وهي إيران وروسيا وتركيا، ولن يبقى على طاولة المفاوضات السورية، سواء في جنيف أو أستانة أو أي مكان أخر، سوى الأسد والمعارضة السورية التركية. فجميع منصات المعارضة الأخرى ستكون مضطرة للاختيار بين دمشق وأنقرة.

الخروج من الأزمة وفق هذه الوصفة يبدو سهلا ولكنه مؤلم ومحزن ومحبط. فلو عرف السوريون أن من سيتفاوض على مستقبلهم في نهاية المطاف هما الجولاني والأسد، لما خرجوا بثورتهم. ولو قرأوا في طالعهم أن أقوى أصدقاء ثورتهم سيكون ألد أعدائها، لكانوا راهنوا على حصان آخر غير أميركا.

9