نعمت شفيق عربية تحمل وسام "السيدة القائد" تساهم في إنقاذ اقتصاد العالم

الأحد 2016/09/25
أول امرأة في تاريخ إنكلترا تتولى منصب إدارة كلية لندن

بروكسل - لن تكون لحظة عادية بالنسبة إليها، فهي المرة الأولى التي ستجلس فيها امرأة من أصول مصرية على كرسي عمادة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة لندن بالمملكة المتحدة. مشوار طويل جداً قطَعته المرأة التي نالَت العديد من الألقاب قبل خطوتها الأخيرة.

تُعرف باسميْن وتحمل ثلاث جنسيات وتتقن العربية والإنكليزية والفرنسية، وكانت قد تبوأت مناصب دولية في منظمات عالمية قبل أن يختارها السلك الأكاديمي في جامعة لندن لإحدى أكثر المهام حساسية فيها.

نعمت طلعت شفيق أو مينوش شفيق ولدت في الإسكندرية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في العام 1962 لعائلة ثرية سرعان ما خسرت كلَّ شيء عقب قرار التأميم الذي قامت به الحكومة المصرية في عهد الرئيس جمال عبدالناصر.

لماذا يوجد فقراء

عاشت طفولتها الأولى في الإسكندرية حيث التحقت لسنوات قليلة بالمدرسة الأميركية الداخلية المعروفة محلياً باسم “شدس”. قبل أن تترك عائلتها مصر أواسط ستينات القرن العشرين متجهة نحو الولايات المتحدة الأميركية، حيث نشأت شفيق حتى السنة الأخيرة بالمرحلة الثانوية التي أنهتها في مصر والتحقت عقبَها مباشرة بالجامعة الأميركية في العاصمة المصرية لتمضي عاماً واحداً فيها ولتنتقل مباشرة إلى جامعة ماساتشوستس.

حصلت على درجة البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية، لتدخل مباشرة سوق العمل المهني عبر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية من خلال بوابة الشرق الأوسط.

أمضت عامين متتاليين في مكتب القاهرة، لتنتقل بعد ذلك إلى العاصمة البريطانية لندن حيث أكملت دراستها الأكاديمية منهية درجة الماجستير في الاقتصاد من كلية لندن ثم الدكتوراه من كلية سانت أنتوني في جامعة أكسفورد.

شفيق تعرف باسمين وتحمل ثلاث جنسيات وتتقن العربية والإنكليزية والفرنسية، وكانت قرارات التأميم في مصر عاملا حاسما في حياة عائلتها التي انتقلت إلى أميركا أواسط ستينات القرن العشرين

السؤال الذي رافق شفيق طيلة مسيرتها الأكاديمية والمهنية هو “لماذا يوجد فقراء وأغنياء”، سؤال سكنَها منذ طفولتها التي تحوَّلت بفِعل قرار التأميم وصولاً إلى انضمامها إلى صندوق النقد الدولي بعد تخرجها من أكسفورد، حيث شغلت فيه العديد من المناصب بدءاً من قسم الأبحاث، واهتمت بالاشتغال على النمذجة والاستشراف الاقتصادي العالمي ومن ثم في وقت لاحق على أثر القضايا البيئية على الاقتصاد الوطني والعالمي، صبَّت اهتمامها البحثي عقب ذلك على منطقة أوروبا الشرقية والشرق الأوسط ونشرت العديد من الكتب والدراسات والمقالات حول الواقع والمستقبل الاقتصادي وآليات اقتصاديات السلام وأسواق العمل والتكامل الإقليمي وقضايا النوع الاجتماعي.

في العام 2004 ونتيجة لأبحاثها واشتغالها المميز استطاعت أن تكون أصغر نائب لرئيس صندوق النقد الدولي وهي في عمر 36 سنة، فبدأت منذ تولّيها ذلك المنصب بتنشيط عمل البنك في القطاع الخاص والاستثمار بالبنى التحتية من خلال استراتيجيات تستند إلى أسس علمية. واستطاعت من خلالها رفع أداء محفظة المشاريع بقيمة 50 مليار دولار فضلاً عن نمو محافِظ المشاريع الأخرى بقيمة مليار دولار أميركي سنوياً.

في ذات السياق اشتغلت شفيق على إدارة فريق الإدارة العليا لصندوق النقد الدولي حيث اقتصرت مهمتها هناك في بادئ الأمر على تقديم أفضل المشورات في مجال السياسات والاستثمارات الخاصة في قطاع الاتصالات والنفط والتعدين والغاز في العالم.

الطريق إلى بنك إنكلترا

نشاطها ذاك جذب إليها الأنظار، إذ اشتغلت إلى جانب وجودها في صندوق النقد الدولي، أميناً عاماً دائماً في إدارة التنمية الدولية التابعة لحكومة المملكة المتحدة في بريطانيا، واستطاعت من خلال منصبها ذاك تجاوز الكثير من الصعاب في دورة الاقتصاد المحلي والعالمي المرتبط بالشأن البريطاني، من خلال إيجاد الحلول الناجعة وتطبيقها في أقصر مدة زمنية.

هذه الجهود المتتالية هي التي دفعتها للحصول على لقب “سيدة العام” في بريطانيا، وهي التي دفعتها أيضاً للوقوف في قصر بيرمنغهام في عيد ميلاد الملكة إليزابيث الثانية التي منحتها رتبة “السيدة القائد” وهو أحد أرفع الأوسمة التي تمنحها المملكة باسم الملكة لخمس طبقات من بينهم العسكريون والمدنيون على حد سواء بحسب وسائل إعلام إنكليزية.

أعضاء لجنة السياسة النقدية لبنك إنكلترا وبينهم نعمت شفيق التي وصفها كثيرون بأنها “فولاذ حديدي داخل قفاز حريري” سواء في حياتها الأكاديمية أو المهنية الاستشارية

مركز القرار في بنك إنكلترا كان الوصول إليه سهلاً أمام شفيق، فملفُّ إنجازاتها كان يسبق حضورها ويجعلها طموحة لأيّ جهة عالمية كي تكون فيها، وهذا ما حدث. فبعد أن أنهت التزامها مع الحكومة البريطانية كأمين عام لإدارة التنمية الدولية، تبوأت شفيق منصبها الجديد كنائب محافظ البنك المركزي في إنكلترا لتكون رابع سيدة تشغل هذا المنصب منذ تأسيس البنك في عام 1964. إلى جانب وجودها في لجنة السياسات النقدية في بنك إنكلترا، حيث تتركز إحدى مهام هذه اللجنة في تحديد أسعار الفائدة وتتكون من تسعة أعضاء بينهم امرأتان إحداهما المصرية نعمت شفيق وهما أول امرأتين تستحوذان على هذا المنصب منذ خروج المصرفية البريطانية كيت باركر من البنك في العام 2010.

مهامها في بنك إنكلترا كانت تنصبّ على إعادة تشكيل عــملـيات البـنك والميزانية العمومية وتــنفـيذ الإصـلاحات الاقتصادية المتعلقة بالعملة الوطنية البريطانية، فضلاً عن دورها في إدارة الأزمات والمخاطر وتقديم الدراسات الخاصة بالموازنة بـين حاجة السوق وخـطط البنك، والتواصل مع صندوق النقد الدولي وتــــمثـيل إدارتـها في المـؤسسات الدولية وفي مشاركات البنك الدولية.

بين أقوى نساء الكوكب

نظراً لإسهاماتها العديدة في مختلف الاتجاهات اختارت مجلة فوربس شفيق لعامين متتاليين في 2015 و2016 ضمن قائمة النساء الأكثر نفوذاً في العالم، ومع اقتراب انتهاء عقدها مع بنك إنكلترا الذي يمتد لخمس سنوات، بدأت المؤسسات البريطانية تسعى لاستقطاب شفيق لمكانتها العلمية والأكاديمية والمهنية، لتتفق أستاذة الاقتصاد مع كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية على شغل منصب الإدارة فيها بدءاً من فبراير عام 2017، ولتكون بذلك المدير رقم 16 للجامعة والمرأة الأولى التي تتولى هذا المنصب في تاريخ إنكلترا.

قالت شفيق لوسائل إعلام بريطانية عن منصبها المرتقب “إنه من المستحيل أن تقاوم فرصة قيادة جامعة عريقة على مستوى عالمي كمدرسة لندن للاقتصاد والسياسة، والتي تعدُّ من أفضل المدارس التي تجري بحوث العلوم الاجتماعية والتدريس”، فالسعي نحو مؤسسة تجمع بين التميز الفكري والوصول إلى العالمية يمثِّلُ لحظة تحدّ ترغب شفيق في خوضها على حد تعبيرها.

مارك كارني محافظ البنك المركزي البريطاني يقول عقب قرار شفيق بالانتقال إلى رئاسة كلية لندن بعد انتهاء عقدها مع البنك "سوف نودع نعمت مع كل الامتنان والندم، لقد ساعدت في دفع الإصلاحات الحيوية في البنك خلال جميع المراحل المحلية والدولية"

إنقاذ اقتصادات العالم

تم تعيين شفيق في ديسمبر الماضي إلى جانب أربع شخصيات أخرى هم الرئيس التنفيذي والعضو المنتدَب لشركة أليانز إليزابيث كورل، ورجل الأعمال البريطاني ورئيس لجنة الاستثمارات بجامعة أكسفورد السير بول رودوك، ومدير سلسلة متاجر ويتروز مارك برايس والكاتبة والصحافية البريطانية موريل جراي، في منصب عضو مجلس أمناء المتحف الوطني البريطاني بقرار من رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون.

وقبل ذلك أشرفت بحكم عملها الذي استمر ما يقارب خمسة عشر عاماً في صندوق النقد الدولي على إعداد برنامجي إنقاذ اقتصادي مكثَّف لليونان والبرتغال عقب الأزمة المالية الخانقة التي كادت تطيح باقتصاد البلدين. إلى جانب وجودها كمحافظ بالمعهد الوطني البريطاني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، واشتغالها الأكاديمي في كلية وراتون لإدارة الأعمال، وفي كلية الاقتصاد بجامعتَي جورج تاون وبنسلفانيا.

كثيرة هي الآراء التي قيلت في نعمت شفيق والتي تتقاطع في ما بينها بالإعجاب والتقدير لهذه المسيرة المهنية الناجحة، فقد وصفها كثيرون بأنها “فولاذ حديدي داخل قفّاز حريري”، في إشارة إلى شخصيَّتها الصلبة في الإدارة حيث امتلكت الوصفة السحرية في دمج السحر مع الطموح ومواجهة أصعب الملفات الاقتصادية وتقديم الحلول الناجعة لها، بينما قال مارك كارني محافظ البنك المركزي البريطاني عقب قرار شفيق الانتقال بعد انتهاء عقدها مع البنك إلى رئاسة كلية لندن “سوف نودِّع نعمت مع كل الامتنان والندم، لقد ساعدت في دفع الإصلاحات الحيوية في البنك خلال جميع المراحل المحلية والدولية”.

7