نعم لتمثال بورقيبة

الخميس 2016/05/26

خلال زيارتي الأخيرة إلى تونس، عايشت عن كثب الجدل بين مختلف الطوائف السياسية حول إعادة تنصيب تمثال الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة في وسط العاصمة التونسية ومدن أخرى. وقد وصل الجدل إلى عامة الناس، ومختلف الشرائح الاجتماعية، حتى أن سائق التاكسي ونادل المقهى وبائع الجرائد يشاركون فيه.

قرأت مقالات في الصحف التونسية لسياسيين ورؤساء أحزاب يعترضون على إعادة تنصيب التمثال، ووصل الأمر ببعضهم إلى الدعوة إلى وقفات احتجاجية بكامل البلاد، اعتراضا على ما وصف بأنه تغاض عن دور بورقيبة في تصفية بعض الرموز السياسية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وأن بورقيبة لم تكن يداه بيضوين تماما ولم تخل فترة حكمه من دم خصوصا في ما يتعلق باعتقال وتعذيب الطلبة والمعارضين السياسيين.

علاقة التونسيين ببورقيبة علاقة عاطفية بالأساس، مبنية على فكرة المحرر من الاستعمار، محرر المرأة، محرر الدولة، وبالتالي فبورقيبة زعيم روحي أكثر منه سياسي. لم تثبت عليه خيانة أو فساد، ولم يسرق البلاد، ومات وهو لا يملك شيئا، وهو في المخيلة الشعبية نقيض من نهب الثروات والبلاد ونشر الفساد والظلم، وكمم الأفواه وأرسى الدكتاتوية (بن علي وأصهاره).

في حوار مع أحد الشبان التونسيين ممن ولدوا بعد تنحية بورقيبة في 1987 من قبل الرئيس المخلوع بن علي، اكتشفت أن الجيل الجديد يعرف الزعيم السابق معرفة متوارثة وأن علاقتهم به تشبه علاقة الآباء تماما، علاقة روحية، لا تلتفت كثيرا إلى التفاصيل السياسية، أو المنجزات الفعلية للرئيس.

جميع التونسيين يتفقون على أن إنجازات بورقيبة في مجالي المرأة والتعليم لا يمكن إنكارها، وهي الإنجازات التي ساعدت الدولة المدنية في تونس على النهوض والاستمرار إلى يومنا هذا ووضعت المبادئ الأساسية للدولة المدنية ودولة المؤسسات والحريات.

ربما تكون لبورقيبة مساوئه، لكنها مساوئ واتهامات لا تجد طريقها ولا أذنا تسمعها إلا داخل الجدل السياسي بين الأحزاب والنخب السياسية، لكن القاعدة الشعبية لا تلتفت إليها ولا تعيرها أدنى اهتمام، فما رسخ في القلوب وتوارثته الأجيال هو حب هذا الرجل الذي حرر المرأة ومنحها حقها وسوى بينها وبين الرجل في كل شيء، الذي حرر البلاد وعلم الأجيال وحارب الفقر والتخلف والرجعية بكل أنواعها. الذي كان يظهر على الشاشات وهو يبكي ودموعه تغرق لحيته، لأنه أحب البلاد ورغب في أن تكون في أفضل صورة لها، الذي كان يلوح بيديه مخاطبا المرأة “بناتي العزيزات أنا فخور بكن، وبثقافتكن، ووعيكن، مثلكن مثل الرجل، سافرن وادرسن، وتحملن المسؤوليات”.

في اعتقادي أن حبا كهذا، يعيش لعقود وتتوارثه الأجيال وراثة وجدانية صرفة، يستحق تمثالا. كنت أعبر مدينة المنستير عندما رأيت تمثال الزعيم الروحي بورقيبة في مدخل المدينة، التمثال معهود: بورقيبة على حصانه، يمسك لجام الحصان بيد، ويلوح بيده الأخرى للجماهير. ويجب أن أعترف أن مشهد التمثال في مدخل المدينة أشعرني بالراحة والاطمئنان، وحرك بداخلي الحنين.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

21