نعوم تشومسكي مفكر يهودي يحمل الحقيقة في وجه القوة

الأحد 2014/08/24
نعوم تشومسكي الأشهر والأشرف

لا يحتاج إلى تعريف؛ اسم تجاوز كل الأسماء، تحاول الغوص في عوالمه فتجد نفسك في محيط لا قرار له، إنه الموسوعي على طريقة علماء أيام زمان، حيث كان واحدهم طبيبا وعالم فلك وعالم رياضيات ونحاتا. لن ندخل في غياهب علم اللسانيات؛ حيث يقيس أي باحث دخل هذا العالم نفسه بمسطرته، ولا بغياهب علم النفس الذي جعلنا نراه بالمنظار الأصح، ولا بعلم الفلسفة حيث يعطي للحياة والحقيقة المعنى الأجد والأصوب، ولا بأنه الأكثر اقتباسا بتاريخ البشرية؛ ولا بكونه الأكثر انتقادا لحكومته ولإسرائيل؛ ولا لكونه المبصر أخلاقيا بين العميان أخلاقيا في المجتمعات المتقدمة… إنه نعوم تشومسكي الذي سأركز على جانبين مترابطين من عوالمه؛ وكيف يراهما الرجل: أولهما يُطلق عليه تقليديا “السلطة الرابعة” والمتمثل بقوة الإعلام، والثاني سأطلق عليه السلطة الخامسة “سلطة المثقف” النادرة كندرة تشومسكي في عالم اليوم.


في الإعلام وحرية الكلمة


“إذا كنت تؤمن بحرية التعبير، فأنت تؤمن بحرية التعبير عن الآراء التي لا تعجبك” هكذا يرى تشومسكي حرية الكلمة؛ فهو رفض اتخاذ إجراءات قانونية ضد أولئك الذين شهروا به وفضّل التصدي لذلك من خلال رسائل مفتوحة في الصحف، ومثال ذلك ردّه على مقالة كتبتها إيما بروكيز في صحيفة “الجارديان” زعمت فيها نفيه لوجود مذبحة “سربرنيتسا“، ودفعت شكوى تشومسكي الصحيفة لنشر اعتذار وتصحيح؛ وسحب المقالة.


صناعة الإذعان


يرى تشومسكي وسائل الإعلام في الولايات المتحدة أداة طيّعة بيد الحكومة الأميركية وشركائها لخدمة مصالحهم المشتركة. بالنسبة إليه الإعلام الأميركي يقوم بـ”صناعة الإذعان” بين أوساط الجماهير؛ فالولايات المتحدة تقوم باستخدام وسائل خفية وغير عنفية للسيطرة بعكس الأنظمة الاستبدادية وقبضتها الحديدية. يقول: “إن الدعاية تمثل بالنسبة إلى الأنظمة الديموقراطية ما تمثله العصا للأنظمة الاستبدادية”. الملكية للشركات الكبرى، والتمويل من الإعلان لا من القراء، ومجموعات الضغط القوية تضع أذن الجرة حيث تشاء بخدمة النخبة وأهوائها وأجنداتها السياسية؛ فـ”جرائم إسرائيل دفاع عن النفس″ و”الفلسطيني إرهابي”.

لم يغیّر تشومسكي لونه، أو يخرج من جلده، منذ أن برز ناقدا في الحرب الفیتنامیة؛ لیواصل نشر أفكاره النقدية للسیاسة الأمیركیة الخارجیة والداخلیة، بما فیها رأسمالیة أمیركا ودور وسائل الإعلام العامة في “صناعة الإذعان”، من خلال تحالف الاقتصاد والسیاسة لغسل العقول أو برمجتها.

كتب الرجل نعوم تشومسكي ناهزت المئة كتاب وهي الأكثر استشهادا عند الغربيين، ولا يتقدمها في ذلك سوى الإنجيل


العشر العجاف


أعد تشومسكي قائمة من عشر استراتيجيات اختزل فيها الطّرق التي تستعملها وسائل الإعلام العالميّة للسيطرة على الشّعوب وتتمثل بالإلهاء وإزاحة الاهتمام، وخلق المشاكل وبرمجة الحلول لها، والتدرج بالاستعباد، والتأجيل والتسويف والامتهان الذهني، واستثارة العواطف، وتعطيل العقل وتكريس الجهل والحماقة، وتعويض التمرد بالإحساس بالذنب، وجعل المتلقي يذعن ويستسلم لدونيته مقابل معرفة وفوقية الأخ الأكبر “العم سام”.


غسل الأدمغة وصناعة الأعداء


برأي تشومسكي، تتقن أميركا صنع الأعداء على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ فخلق العداوات والتعصب الديني، وبرمجة الجمهور تجاه شخص أو مسألة ما، تقانات أساسية في خلق مواقف تبعية، يوجه تشومسكي اليوم انتقادات لاذعة لوسائل الإعلام الأميركية، ولكونه أحد رواد وضع النقاط على الحروف فإنه لا يتردد في التأكيد على أن المؤسسات الإعلامية شبيهة بإدارات ذات أهداف معينة مرسومة ومقررة من قبل أولئك الذين يمتلكونها ويسيطرون عليها، إن أهدافها هي أن يكون لديها جمهور مطيع غير فعال من المشاهدين والمنشطين غير المشاركين، قوامهم ذرات معزولة لا تستطيع أن تنتظم لوضع مواردها المحدودة مع بعضها بحيث تصبح قوة؛ وهذا بالضبط هو ما تريده السلطة.

ومن خلال ذلك يمكن للمرء أن يتخيّل أي منظومة أمامه. إنها منظومة إعلامية مكرّسة لغسل الأدمغة وبرمجتها بالطريقة الشيطانية المجرمة التي تشاء جاعلة المواطن أكثر غباء وسلبية، غير مشارك أو مهتم، يمكن السيطرة عليه وضبطه بسهولة؛ وفي الوقت ذاته جعله يشعر أنه يتحرك ولكن كـ”الروبوتات”.


رسام الخرائط


يقول “ديفيد بارساميان”، الصحفي الأميركي في مقدمة كتابه “ضبط الرعاع″ وهو مبني على مجموعة حوارات مطولة أجراها مع نعوم تشومسكي إن “إسهام تشومسكي يكمن في حقيقة أنه يؤكد باستمرار ليس فقط على الحاجة إلى أن نحصل على المعلومة، وأن نتصرف، ولكن أيضا على أننا قادرون على القيام بذلك، وتعليقاته، ومشاركاته، وقدرته على الاطلاع مثال على ذلك، إنه “رسام خرائط”.

قال تشومسكي إن "المثقف هو من يحمل الحقيقة في وجه القوة وإن معظم تاريخ المثقفين يميل إلى الخنوع للسلطة؛ وإذا لم أخن هذا العرف، سوف أشعر بالخجل من نفسي"


الحلف "المقدس"


يعتقد تشومسكي أن ما يحسبه الناس اختلافا في الآراء أو تنوعات في التغطية أمر مثير للسخرية. إن مجرد قيام صحيفة "نيويورك تايمز" بشيء من النقد لا يجعلها تُوصَف بصوت اليسار الليبرالي. وسائل الإعلام بالنسبة إلى تشومسكي جزء من جهاز دعاية أكبر يتحرك ببطء في حياة أميركا.

لقد سارت الأمور على هذا النحو طيلة خمسين عاما. وبعد الحرب العالمية الثانية كانت مواقف الرأي العام في أميركا متشابهة لما كانت عليه في أوروبا، ديمقراطية اشتراكية وهذا ما سبب الهلع داخل المجتمع التجاري لذلك بدأ هذا القطاع التجاري حملات دعاية ضخمة. وكانت الشركات تدفع ثلث كلفة الكتب المدرسية، كما تولت أمر الرياضة والترفيه وما “هوليوود ذاتها إلا مؤسسة جبارة تدور في فلك البرمجة الدماغية والذوقية والأخلاقية التي تريدها سياسة الهيمنة الأميركية”. باختصار هناك حلف “مقدس″ بين رأس المال والإعلام والتقانات وتجارة السلاح والنفط والسياسة تتحكم بكوكبنا ومصير أهله.


الرجل الاستثناء


في عرضه لموقف تشومسكي تجاه الثقافة والمثقف خرج المهندس فتحي الحبّوبي بهذه المقدمة النارية: “في الزمن الراهن، زمن المداهنة والخيانة، زمن الرذالة والسفالة وعدم الثبات على المبادئ، زمن البائعين لضمائرهم وذممهم بأبخس الأثمان..

في الزمن الراهن حيث كثر الجبناء، المستمرؤون للصمت، وحيث ندرت شيم الكبار، بل وعزّ الرجال الذين يستحقّون فعلا وعن جدارة حمل صفة (الرجال)… وفي زمن كثر فيه أشباه المثقّفين المكتفين إمّا بدور المتفرّج أو بدور مثقّف السلطة التابع لا المتبوع، المنافق والمشارك في فخّ المؤامرة السلطويّة السافلة.. في هذا الزمن الرديء بكلّ المقاييس، كان الاستثناء ويا للمفارقة من مركز ثقل الرداءة، وهو أميركا. إنّه أهمّ المفكّرين الأحياء على الإطلاق حسب استطلاع مجلة “بروسبكت” الإنكليزية. إنّه أبرز داعية سلام وحقوق إنسان في العالم. إنّه أستاذ اللغات نعوم تشومسكي الذي لا يزال يعيش بيننا اليوم كآخر الرجال العظماء باعتباره قامة فكريّة سامقة في الفكر السياسي المعاصر و مثقّفا عضويّا بالمفهوم الغرامشي”.


مئة كتاب


كُتُبُ الرجل الذي قال: “إن من مسؤولية المثقفين أن يقولوا الحقيقة ويفضحوا الأكاذيب” ناهزت المئة وهي الأكثر استشهادا عند الغربيين؛ ولا يتقدّمها في ذلك سوى الإنجيل، لقد فضح تشومسكي الممارسات القذرة للسياسة الخارجيّة للولايات المتّحدة الأميركية منذ الحرب العالميّة الثانية وبروزها كقوّة عظمى وحيدة. حتّى إنّه قال بهذا الخصوص “لو طبقنا قوانين محاكمات نورمبرغ، لوجب شنق كل رئيس أميركي أتى بعد الحرب العالمية الثانية”.

من عناوين كتبه “ماذا يريد العم سام”، “الديمقراطية الرادعة” ، “النزعة الإنسانية العسكرية الجديدة”، “قراصنة وأباطرة”، “أسرار، أكاذيب وديمقراطية”، “الهيمنة أم البقاء”، “الربح مقدّما على الشعب”، “عشر استراتيجيّات للتحكّم بالشعوب”، “الغزو مستمرّ”، “الدول الفاشلة” و”الدول المارقة” دالة على المضامين وكاشفة للتوهّج والتوجّه الفكري والخطّ الثوري الثابت لصاحبها المهووس بهاجس التغيير، المعادي لسياسة بلاده الاستبداديّة التوسعيّة الظالمة، باعتبارها إمبراطوريّة لا يمكنها الاستمرار دون استخدام القوة والعنف.


الديموقراطية القمعية


لنعوم تشومسكي موقف نقدي تجاه الديمقراطيّة، فهي بالنسبة إليه “مجرد أداة تستعملها الأقلية بغية التحكم في الأغلبيّة” بحيث تغدو مجرد شكل من أشكال “السيطرة على السكّان” في إطار ممارسة الوظيفة الأساسية للحكومة الأميركية وهي “حماية الأقليّة الأغنياء من الأغلبية” كما قال جيمس ماديسون سنة 1787.

لم يغیّر تشومسكي لونه، أو يخرج من جلده، منذ أن برز ناقدا في الحرب الفیتنامیة؛ لیواصل نشر أفكاره النقدية للسیاسة الأمیركیة الخارجیة والداخلیة، بما فیها رأسمالیة أمیركا ودور وسائل الإعلام العامة في "صناعة الإذعان"


صراع الحضارات الملفق


أما فكرة صراع الحضارات التي أسّس لها كل من صموئيل هنتنغتون وبرنارد لويس، فيراها تشومسكي “فكرة خيالية ملفّقة” ناتجة عن “ظهور من يريد هذا الصدام من أمثال أسامة بن لادن وجورج بوش الابن”. وهدفها الحقيقي إنّما هو القضاء على كل قوّة مستقلّة تحررّية، ضمانا لبقاء الهيمنة الأميركية على العالم كقوّة وحيدة.


الصديق الأعز إدوارد سعيد


حين نتكلم عن تشومسكي والثقافة يحضر صديقه الأعز الراحل إدوارد سعيد، ويحضر نضاله، وتحضر مقولته الخالدة: “أعتقد أن الخيار الذي يواجهه المثقف هو إمَّا أن يتحالف مع استقرار المنتصرين والحكام وإمَّا أن يعتبر أن الاستقرار حالة طارئة تهدد الأقل حظًّا بخطر الانقراض الكامل، ويأخذ بالحسبان تجربة التبعية ذاتها، وذكرى الأصوات والأشخاص المنسيين وهذا هو الدرب الأصعب، المثقف الحقيقي يقف بالضرورة على الضفة المقابلة للسلطة، يقف بسلمية وحيدًا بصدره العاري، يصرخ في وجهها بالحقائق التي لا تعجبها ولا تعجب جمهورها الذي ينساق خلف دعاياتها المضللة حول الأمن والوحدة والدين والمقاومة والإرهاب”.

المثقف الحقيقي لا يستسلم للحظة الظالمة ولو كان مُقدرًا لها أن تبقى قرنًا، بل يهاجمها كما لو أنَّه سيكون السبب في رحيلها. لا تصدقوا كذبة الرأي والرأي الآخر، فتأييد القتل واستباحة الدماء وانتهاك الأعراض وممارسة الكذب والخداع وقول الزور، ليس رأيًا؛ بل جريمة.


الأخلاق


يرى تشومسكي أن “المثقف هو من يحمل الحقيقة في وجه القوة”. وهو القائل أيضاً: “إن معظم تاريخ المثقّفين يميل إلى الخنوع للسلطة؛ وإذا لم أخن هذا العرف، سوف أشعر بالخجل من نفسي”.

ففي الوقت الذي كان فيه تشومسكي يوجه نقدا لاذعا للسياسة العنصرية للكيان الصهيوني حيال الفلسطينيين والتي تمثلت في الدمار والحصار الظالم لقطاع غزة، كان المثقفون العرب في غالبيتهم يؤثرون الصمت المتواطئ.

فلكثير منهم، ما حدث في البلاد العربية مؤخراً ليس إلا ثورة رعاع، أحدهم يقبل أن يكون وزيرا للثقافة في حكومة اختارها الديكتاتور في محاولة جبانة ويائسة للالتفاف على الثورة الشعبية المصرية العظيمة وتأبيد سلطتها؛ وهناك من يقبل بل ربما يسعى للحصول على جوائز وأوسمة ممن تلطخت أيديهم بدماء شعوبهم، لقد انهار وضع المثقف في بلادنا ؛ فتراه لا يسعى فقط لإرضاء الاستبداد بل حتى لإرضاء الإمبراطورية الكبرى، ولو على حساب الحق والكرامة والوطن، فالمثقف التابع ينصر القوي على المستضعف والمظلوم، ويرى مجده وكرامته مرتبطة بعلو صوت التأييد للباطل، ما دام يتوقع أنه يرضي القويّ، أو لعله ينال من فتات مائدة المستكبر.

يكفي أن ترى ما يجري في سوريا من انسحاق وخنوع وتزوير وبيع للضمائر والصمت المطبق؛ يكفي لتقول رحم الله الثقافة والمثقفين.

9