نعيشها لنرويها

الأربعاء 2015/04/15

بعد أن وُسمت عقود طويلة من إبداعنا العربي المعاصر بزمن الرواية، هل نقول إننا نعيش زمن السير؟ سير الأفراد والشعوب والمجتمعات والأقطار، سير الألم والانكسار والفرح والتجلي، بم نفسر هذا التواتر المذهل لنصوص كتبها أدباء وسياسيون ونجوم الفن، ليبعثوا طفولتهم ومدنهم ومحيطهم العائلي من الرماد؟ كيف نستوعب هذا التلاحق غير المسبوق في التاريخ الحديث لسير المدن الأليفة والموحشة، وسير الوقت بفصوله المتقلبة، وسير الأوطان والمنافي، وسير الداخل العميق، وسير الأبطال والزعماء الخالدين والأفاقين أيضا؟

تترجم السير، أي سير، “فتنة أصيلة بالذات”؛ حيث يمكن للوقائع والصور التي يشخصها الأديب أو المفكر أو السياسي، أن تنطوي على جدل عميق مع هوية ملتبسة، تستبق قدر الفناء. وهي العلاقة النابعة من وعينا ونحن نحكي ما جرى، بأن تحولاتنا الحياتية، وتأثيرنا في الفضاء والتاريخ والمحيط الجماعي، لا يمكن أن تستسلم بسهولة لمدارك الغير. السّير صون للذات من التلاشي، ودرء لـسوء الفهم المتأصل في مخيلة الغرباء عنا، واستنهاض للذاكرة المنذورة للمحو.

لأجل ذلك فإن السيرة بحق هي فن تحويل الحياة إلى رواية، هي تشكيل نوعي لفتنة الذات الداخلية كما يدركها صاحبها، وكما يتمثلها زمنيا. ولن يستطيع السارد أن يترجم تفاصيل تكون الهوية الذاتية وتناميها المتشابك دونما إعادة تركيب وتوليف وتصرف في ملامح صورها المتغايرة، وبغير ما قيمة مضافة تجسر المسافة بين التاريخ والتخييل، وبين الحقيقة والتكييف الجمالي.

ما الذي تريد أن تقوله السير؟ وما الذي تقوى على قوله؟ قد تقول ما كان، أو ما راود الأحلام، قد تكتب مواساة، أو تطهرا، أو بما هي مجرد مسعى لتمثّل الماضي، من أفق الوعي باكتمال المسير، أو قربه من مدارات الأفول. تأملا في تجارب لم تكتمل، وأخرى لم تفسح لها مجريات الحياة الضيقة مساحة للإيناع؛ أو برغبة الإفضاء بحجم الخسائر، والسعي إلى مجاوزة فجوات القساوة واليأس، وربما لإبهار الآخرين بإيقاع نجاح استثنائي.

بيد أن تلك الكتابات أيضا تنطوي في العمق، جميعها، على مساحات مواجهة مع الخوف المتأصل فينا من النسيان والفقد. وتشبث صامت بما تبقى من مرافئ العمر، نحن “نعيشها لنرويها”، بتعبير غابرييل غارسيا مركيز.

من هنا قد تكون السيرة “صورا للماضي” (هشام شرابي)، أو”رائحة للمكان” (عبد الإله بلقزيز)، أو”مدينة ملونة” (حليم بركات)، أو”قلبا مفتوحا” (عبده وازن)، أو برزخا “بين الوطن والمنفى” (شفيق الحوت)، أو”خبط أجنحة” (أمجد ناصر)، أو مجرد وجود “خارج المكان” (إدوارد سعيد)، إنما هي في النهاية جواب عن سؤال سرمدي مؤداه “ماذا علمتني الحياة” (جلال أمين).

كاتب من المغرب

15