نعيم الجماعات الجهادية جحيم مؤجل لمقاتليها الجدد

عادة ما تحرص التنظيمات الجهادية على إخفاء صراعاتها الداخلية لتبدو منسجمة مع صورة “جنة النعيم” التي تسوّقها بغاية استقطاب مقاتلين أجانب جدد إلى صفوفها. غير أنّ هذه العناصر الجديدة ما إن تلتحق عمليا بتلك المجموعات وتطّلع على خورها التنظيمي، سرعان ما يحف بها الندم وتصاب بخيبة أمل تدفعها إما للهرب والفرار من الجحيم الذي أقحمت نفسها فيه، أو إلى التمرّد الذي يجني عليها أشكالا عديدة من التعذيب والقتل كجزاء لما اعتقدت أنه “نصرة إخوانها”. قاعدة عامّة تحكم جل الجماعات الجهادية، يرصد الصحفي بموقع “ذي إنترسبت” الأميركي جيرمي سكاهيل تفاصيل إحداها من خلال شهادة تحصل عليها من داخل تنظيم حركة الشباب الصومالية.
الخميس 2015/10/15
رحلة الجهاديين الأجانب: من الترغيب إلى الترحيب إلى التعذيب والقتل

مقديشو - بات جليا أنّ المجموعات الجهادية تستغل دائما حالة الفراغ السياسي الذي تشهده العديد من الدول لتبسط نفوذها بقوة السّلاح، ما يدخل تلك البلدان في موجة من العنف والحروب الأهلية التي تعزّزها، عن قصد أو عن غير قصد، تدخلات الدول الكبرى ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية التي لا تتوانى عن لعب دور شرطي العالم تحت راية مقاومة الإرهاب.

وبسبب غياب الاستقرار في الصومال، على سبيل المثال، على مدار ما يقارب القرن تحول هذا البلد إلى مرتع وبيئة خصبة لنشأة الأفكار المتطرفة التي كان آخرها بروز مجموعة ما يسمى بـ“حركة الشباب”، التي تحولت بسرعة إلى فصيل مسلح خطير تمكن من استقطاب العديد من الشباب الأجانب إلى صفوفه، فضلا عن عدد كبير من الشباب الصومالي، رغم حملات المقاومة التي تشنها القوات الأفريقية بدعم أميركي ضدّه.

ولطالما انشغلت المؤسسات الأميركية المعنية بـ”مكافحة الإرهاب” مطوّلا بالتهديد الذي تشكله حركة الشباب في الصومال، المصنفة كجماعة إرهابية، وبنجاحها في استقطاب عدد من شباب الدول الغربية وتجنيدهم للعمل معها. حيث تمكنت الحركة من استمالة المئات من المقاتلين الأجانب وجلبهم إلى الصومال، من بينهم حوالي 40 مواطنا أميركيا، استنادا إلى أشرطة الفيديو الدعائية المعروضة على الشبكة العنكبوتية، وعبر التجنيد المباشر داخل مجتمعات المهاجرين الساخطين على سياسات الدول الغربية.

ولكن الودّ بين المقاتلين الأجانب وحركة الشباب لم يدم طويلا، إذ سرعان ما انقلبت الحركة على الوافدين الأجانب الذين انضموا إليها، وشنت حملة وحشية على من اعتبرتهم جواسيس في صفوفها. وهو ما أدى إلى صراع داخلي في الحركة، حسب المقال الصادر عن موقع “ذي إنترسبت” الأميركي.

وقد اغتالت حركة الشباب عددا من المقاتلين الذين تم إدراج أسمائهم على قائمات القتل وإلقاء القبض التي أصدرتها وكالة الاستخبارات الأميركية “السي أي إيه” على مدى السنوات القليلة الماضية.

وتدير الحركة حاليا شبكة من السجون السرية، حيث تلقي فيها مقاتليها الأجانب بتهمة التجسّس وأغلبهم من القادمين من بريطانيا وأميركا ودول غربية أخرى. ويقوم مقاتلو حركة الشباب بتعذيب المتهمين باستخدام أساليب مختلفة كأسلوب محاكاة الغرق والضرب، والحرمان من الطعام والنوم، بالإضافة إلى عمليات الصلب والإعدام العلني للمشتبه بهم في القيام بأعمال جوسسة.

جيرمي سكاهيل: حركة الشباب تدير سجونا سرية تلقي فيها مقاتليها الأجانب بتهمة التجسس

شهادة من الداخل

لدى سعيه إلى كشف الأوضاع الدائرة في كواليس حركة الشباب، اتصل موقع “ذي إنترسبت” بإبراهيم (اسم مستعار)، وهو مواطن من إحدى الدول الغربية، سافر إلى الصومال من أجل الانضمام إلى حركة الشباب، وهو يعيش حاليا في الأراضي التي تسيطر الحركة عليها وتعتقد أنه عضو مخلص لها. وبعد أن تأكد الموقع من هويته الحقيقية، تعهد بعدم كشفها، ووافق على عدم تحديد بلده الأصلي، إذ أن انتقاده لحركة الشباب يمكن أن يؤدي إلى قتله أو سجنه.

وعلى غرار غيره من الشباب الغربيين من ذوي الأصول الصومالية؛ قرر إبراهيم التوجه إلى الصومال بعد مشاهدة فيديوهات حركة الشباب على الإنترنت ومتابعة أخبار المعارك الدائرة بين مقاتلي الحركة وقوات الاتحاد الأفريقي المدعومة من الولايات المتحدة. وقال إبراهيم “في ذلك الوقت كانت تحدث أمور كثيرة، وشعرت بأنه من واجبي الديني المشاركة في الجهاد المقدس الدائر في الصومال، وأنه عليّ كشاب مسلم، تحمل مسؤولية دعم إخواني وأخواتي في الصومال ضد العدو”، لافتا إلى أنه “شعر بأنه لا بدّ من تلبية نداء الوطن”.

اعتقد إبراهيم، وفق تعبيره، أنّ حركة الشباب تقاتل لإقامة نظام يستند إلى الشريعة الإسلامية، وهو ما يمكنه من العيش وفق قناعاته الدينية. كما اعتقد أن الانضمام إلى الجهاد يمكن أن يساعد في جعل ذلك واقعا ملموسا في الصومال. وأفاد قائلا “في ذلك الوقت؛ كانوا سعداء بانضمام من يسمونهم المقاتلين الأجانب، ورحبوا بهم كثيرا، فقد شاركنا معهم في التدريب الأساسي على الأسلحة الصغيرة وما إلى ذلك، وبدا كل شيء سهلا”. ولكن فترة الانسجام النسبي داخل الحركة لم تدم لوقت طويل وبدأت معاناة إبراهيم.

وبالنسبة إلى عضو الكونغرس المنتخب من ولاية مينيسوتا، كيث أليسون، الممثل لأكبر جالية صومالية في أميركا، المقيمة في مينيسوتا بمنطقة سانت باول؛ تعد قصة إبراهيم مثالا مفيدا يشجع الأعضاء المغتربين في حركة الشباب على رواية قصصهم أيضا، بدلا من احتجازهم أو قتلهم، على غرار ما تلجأ إليه الحكومة الأميركية حاليا من تدابير. حيث يقول أليسون “أعتقد أن شخصا كان في صفوف حركة الشباب ويعتبرها حركة إرهابية لا تسعى لتحرير الصومال، من المرجح أن يكون أكثر قابلية لتعزيز السلام والأمن عوض رميه في السجن. إننا بحاجة لأن نتعلم من هؤلاء الناس، ونستخدمهم لإيصال رسالة إلى الشبان الذين قد تغريهم رسالة حركة الشباب”.

فترة العسل

بعد تفكك اتحاد المحاكم الإسلامية، ظهرت حركة الشباب كقوة مقاومة وحيدة متبقية ضد ما تسميه الاحتلال الأجنبي. وسرعان ما انتقلت الحركة من مكون بسيط من الحراك الإسلامي من أجل “تحرير” الصومال إلى “رائدة النضال الجهادي”. وعززت الحركة بذلك تحالفها مع تنظيم القاعدة، وشرعت في تجنيد المقاتلين الأجانب. وفي الوقت نفسه؛ رأت القاعدة في الصومال مركزا مستقبليا لعملياتها.

وفي أوائل يناير عام 2007، تناول أيمن الظواهري خليفة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الوضع الصومالي في تسجيل تم نشره على الإنترنت، حاثا الأجانب على الالتحاق بـ“إخوانهم للجهاد”.

وقد كان هنالك مواطن أميركي من ولاية ألاباما يدعى عمر حمامي، وهو من أشهر المقاتلين في تاريخ الصومال ويعرف هناك بأبي منصور الأمير، من أوائل من لبوا نداء الظواهري، حيث سافر إلى الصومال وتزوج امرأة صومالية، وسرعان ما أصبح السفير المحبوب الناطق بالإنكليزية لاستمالة الشباب الغربي. وقد نشر حمامي مقاطع فيديو على يوتيوب يصف فيها أفراح الجهاد ونمط الحياة الإسلامية المريح.

القيادة الصومالية المتنفذة لحركة الشباب سرعان ما اعتبرت أن تدفق المقاتلين الأجانب يعد تهديدا لسلطتها
كما أنتج أغاني هيب هوب، توقع فيها وفاته في غارة لطائرة من دون طيار أو بصاروخ كروز. ويقول بخصوص إبراهيم الذي التقاه في وقت سابق “لقد كان بمثابة رمز للمقاتلين الأجانب. وكان هنا منذ نهاية العام 2006، وقد خاض الكثير من المعارك، وكان متعلما وعلى درجة عالية من الذكاء”.

وفي أواخر عام 2007، بعد عام من وصوله إلى الصومال، ظهر حمامي على قناة تلفزيونية عربية، مرتديا كوفية تغطي جزءا كبيرا من وجهه، شارحا أسباب انضمامه إلى حركة الشباب قائلا “يا مسلمي أميركا، خذوا بعين الاعتبار الوضع في الصومال. فبعد 15 عاما من الفوضى والحكم القمعي لأمراء الحرب المدعومين من الولايات المتحدة؛ قام إخوانكم بتأسيس العدل والسلام في هذه البلاد”. وفي ذلك الوقت قدر مسؤولون صوماليون أن أكثر من 450 مقاتلا أجنبيا وصلوا إلى الصومال للانضمام إلى صفوف حركة الشباب.

واقتفاء لخطى حمامي، بعد تلقيه التدريب الأساسي في صفوف حركة الشباب، بدأ إبراهيم بالمشاركة في هجمات ضد قوات بعثة الاتحاد الأفريقي، وهي قوات معظمها من أوغندا وبوروندي. ويتذكر إبراهيم قائلا “شاركت في الكثير من المعارك، معظمها كانت داخل مقديشو، ولم يكن لأي منها اسم، عندما جئت مكثت مع المقاتلين الأجانب، الذين يعرفون بالمهاجرين. وكان هناك مقاتلون من أميركا وكندا وبريطانيا والدنمارك والسودان والسعودية ودول شرق أفريقيا”.

لكن سرعان ما اعتبرت القيادة الصومالية المتنفذة لحركة الشباب، هذا التدفق الكبير للمقاتلين الأجانب تهديدا لسلطتها. وبحلول العام 2011، وقع انقسام داخل الحركة، وهو ما وضع المقاتلين الأجانب في مواجهة مع القيادة الصومالية، وجرفهم إلى صراع دموي، سيؤدي في النهاية إلى ندم إبراهيم على القدوم إلى الصومال والانضمام لحركة الشباب.

بوادر التصدع

مع اتجاه القيادة المحلية لحركة الشباب الصومالية لتأكيد سلطتها على الملتحقين الغربيين بها، بدأ التباين بين الطرفين، تباين بين القيادة المحلية للحركة والمقاتلين الأجانب. وشرع عمر حمامي بتوجيه انتقادات كثيرة لتكتيكات وقرارات قيادة الحركة بشكل علني، حيث يقول إبراهيم إنّ “حمامي لم يتقبل أي نوع من الإهانة وعدم الاحترام، وكان يكافح من أجل ضمان حقوقه”. وأضاف “أنه خلال صراع حمامي مع قيادة الحركة تجول مرتديا حزاما ناسفا في بعض الأحيان. وكانت الرسالة التي أراد إيصالها: إذا حاولتم قتلي فسوف تموتون معي”.

وفي وقت لاحق تحالف حمامي ومقاتلون أجانب آخرون مع القيادي الصومالي والعضو البارز في حركة الشباب مختار روبو. وهو ما أدى فعليا إلى اندلاع صراع داخلي للسيطرة على الحركة. وقد شنت الحركة على إثر ذلك حملة اغتيالات ضد المقاتلين الأجانب البارزين وحلفاؤهم الصوماليين. وفي يونيو 2013، اغتالت الحركة الشيخ معلم برهان، وإبراهيم الأفغاني وهو صومالي عاش في الولايات المتحدة في فترة الثمانينات من القرن الماضي. وفي هذا الصدد يقول إبراهيم “هذان الرجلان أرادا بطريقة ما إعلان ثورة صغيرة، أو انتفاضة، وحاولا التحدث علنا. فأخذوهما خارج مدينة براوة وقتلوهما هناك”.

ولفت إلى أنّ روبو الذي رصدت أميركا 5 ملايين دولار مقابل رأسه؛ انتقد بدوره زعيم الحركة أبا الزبير بشكل علني، واتهمه بإصدار أوامر بتصفية المقاتلين الأجانب، والتآمر لقتل حمامي، ووصف ذلك بـ”الجريمة الكبيرة ضد إخواننا”. وبعد تصريحاته تلك هرب من الأراضي التي تسيطر عليها حركة الشباب وعاد سالما إلى معقل عشيرته، بعد أن شعر بأنه لم يكن آمنا.

وقد أدت مغادرة روبو إلى فقدان حمامي للحماية الأساسية، وبدأت تغريداته على تويتر تشير إلى وجود محاولات لقتله. وفي أبريل عام 2013، نشر حمامي صورة له تظهر ما وصفه بمحاولة اغتيال فاشلة له نفذتها حركة الشباب بعد أن تم إطلاق النار عليه على مستوى الرقبة. وزعم حمامي لاحقا أن الحركة حاولت اغتياله بطرق مختلفة، ودون تغريدة قال فيها “لقد جن جنون أبي الزبير، لقد أعلن حربا أهلية”. وفي الثاني عشر من سبتمبر عام 2013 تم قتل حمامي بالفعل على يد عناصر من حركة الشباب.

ولدى حديثه عن الدور الذي لعبه الأجانب في تطوير الحركة، يقول إبراهيم إنّ “المقاتلين الأجانب ساهموا في تطوير حركة الشباب، وكان أبو منصور الأميركي (حمامي) واحدا من الذين لعبوا دورا مهما، فقد كان يتمتع بالذكاء ويحسن فعل الكثير من الأمور، وجعل الحركة أكثر عالمية. وقد قتلته الحركة، وهذا واضح، لأنه شكل تهديدا عاما”.

ولما تبيّن إبراهيم حقيقة هذا التصدع الداخلي في حركة الشباب، وشاهد كيف يتم قتل أو سجن رفاقه الأجانب، بدأت تخامره الشكوك، وأدرك أنه ارتكب خطأ فادحا بالقدوم إلى الصومال، وفهم أنّ حياته قد لا تنتهي بالموت في سبيل ما يسميه بـ”الجهاد” بل بالقتل أو السجن على يد حلفائه السابقين.

وقال إبراهيم “لقد انتابتني الشكوك أول مرة بشأن الفساد الذي ينخر الحركة التي جئت من أجلها إلى الصومال؛ كان ثمة شعور داخلي بوجود خطأ ما، وتكتمت على شكوكي ولم أكن أريد التحدث عنها، حاولت تجاوزها بطريقة أو بأخرى، ولكن سرعان ما أصبحت الجرائم علنية، وشعرنا بأننا (المقاتلين الأجانب) لم نعد موضع ترحيب ولا احترام، وتمت معاملتنا كمواطنين من الدرجة الثانية”.

وأضاف أنّه بالنظر إلى تطور حركة الشباب، “من الواضح أن المقاتلين الأجانب هم الذين بنوا سمعتها العالمية؛ ففي البداية كانت محلية، وعندما انضم إليها المقاتلون الأجانب قامت بتحسين أدائها في الإعلام والتدريب، لكن تلك الحقبة قد انتهت وولت إلى الأبد”.

وعموما وعلى الرغم من دقة هذه الأوضاع وعدم استقرارها داخل هذه الجماعة إلا أنّه لا يمكن التكهّن بمستقبل حركة الشباب في الصومال ولا بالمصير الذي يمكن أن تؤول إليه. وقد يبدو الحديث عن إمكانية زوال هذه المجموعة على المدى القصير والمتوسط عبثيا في الوقت الذي لم تقدم فيه الحكومة الصومالية أي تطور قد يعطي ضمانات لقدرتها على المواجهة الفعالة لهذه الحركة. هذا فضلا عن تنامي نفوذ هذه المجموعة ونجاحها النسبي في مواصلة الحصول على الدعم الذي يساعدها على تنفيذ بعض العمليات، على قلّتها، والتي تعلن من خلالها عن حضورها على الساحة.

6