نغمات "جاز في قرطاج" توحّد بين تونس وأوروبا موسيقيا

مهرجان "جاز في قرطاج" شهد هذا العام انفتاحا على الفضاءات الخارجية للعاصمة تونس وذلك بهدف تقريب هذا النمط الموسيقي الثوري من المتابع التونسي.
السبت 2019/04/13
عروض بشبابيك مقفلة

لعشاق موسيقى الجاز في تونس تاريخ طويل من الشغف والمتابعة، انطلق منذ العام 1970، حين أسّست مدينة طبرقة التونسية مهرجانها الخاص بهذا النمط الغنائي الثوري، والذي عرف أوجه في سنوات التسعينات وإلى غاية بداية الألفية الثالثة، لكن مهرجان المدينة الساحلية عرف في السنوات الأخيرة العديد من الإكراهات التي جعلته يتراجع القهقرة، ليأتي مهرجان “جاز في قرطاج” ويسحب البساط من “جاز طبرقة” معليا من صوت الساكسوفون والقيثارة والكونترباص في مدينة تونس وضواحيها على مدار أزيد من عقد من الزمن.

تونس- تختتم، الأحد، بتونس العاصمة الدورة الرابعة عشرة من مهرجان “جاز في قرطاج” من خلال سهرة ثنائية تجمع كلا من سارة ماكوي من الولايات المتحدة والبريطاني شارلي وينستون في عرض يراوح بين موسيقى البلوز والبوب والروك والفولك.

وشهدت دورة هذا العام انفتاحا على الفضاءات الخارجية للعاصمة تونس وضواحيها الشمالية خاصة، كمدينتي المرسى وقمرت، في بادرة هي الأولى من نوعها منذ تأسيس المهرجان في العام 2005، وذلك من أجل المزيد من تقريب هذا النمط الموسيقي الثوري من المتابع التونسي العاشق لموسيقى الجاز.

ولتونس تاريخ مديد مع موسيقى الجاز، حيث دأبت مدينة طبرقة (شمال غرب) منذ العام 1970 على إقامة مهرجان لموسيقى الجاز في شهري يوليو وأغسطس من كل عام، الأمر الذي جعل المدينة الساحلية محجا لعشاق موسيقى الجاز وأساطينها، لعل أشهرهما الراحلين ميريام ماكيبا وراي تشارلز، لكن المهرجان الذي نشأ كبيرا سرعان ما خفت بريقه مع بداية الألفية الثالثة نتيجة عدة عوامل تنظيمية ولوجستية كعدم جاهزية “مسرح البحر” بالمدينة لاستقبال 6 آلاف متفرج لانعدام شروط السلامة فيه، ليسحب مهرجان “جاز في قرطاج” البساط من تحت أقدام المهرجان الأول مُحّققا مع تعاقب دوراته نجاحات مبهرة.

وهو ما أكده الخمسيني، رياض، في حديثه لـ“العرب”، الذي قال مازحا “أحمد الله على نعمة جاز في قرطاج الذي عوّضني عن غياب مهرجان الجاز بطبرقة، وأنا الذي تعوّدت على أجوائه منذ كنت يافعا، أنا مهووس بالجاز، ولا مناص عندي من فسحة من الجاز والبلوز وإن اقتضى الأمر السفر إلى خارج البلاد مرة في السنة لإشباع شغفي”.

وظهرت موسيقى الجاز لأول مرة مع بداية القرن العشرين في ثقافات أصحاب البشرة السوداء في مدينة نيو أورليانز الأميركية، حيث لعبت هذه الموسيقى لأول مرة في مراسم الدفن، ويعود أصل كلمة جاز من كلمة كريول التي تعني الرقص الأفريقي والحب والترابط.

مراد المطهري: "تونس تقابل أوروبا" يتيح للتونسيين اكتشاف قامات أوروبية في الجاز
مراد المطهري: "تونس تقابل أوروبا" يتيح للتونسيين اكتشاف قامات أوروبية في الجاز

وتعتبر موسيقى الجاز منتجا يجمع بين الأنغام الأوروبية والإيقاعات الأفريقية، وقد تم تطويرها من قبل الأميركيين ذوي الأصول الأفريقية، إذ جمعت بين أسلوب الراغتايم (أغاني مع إيقاع متزامن) وموسيقى البلوز، وهي عادة ما تلعب على الآلات الموسيقية النحاسية وآلات النفخ الخشبية، حيث شهدت بعد ذلك دخول آلات مثل البانو والقيثارة، وهي موسيقى ثورية ابتدعها عبيد أميركا قبل إلغاء نظام الرق والعبودية في العام 1863، ليتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد تباعا كتعبير موسيقي حر يقطع مع العبودية ويروم التحرر في عالم يرونه أجمل.

وقال مدير مهرجان “جاز في قرطاج” ومؤسّسه، مراد المطهري، لـ”العرب”، “إن المهرجان في نسخته الـ14، عرف برنامجا ثريا ومتنوعا، ممّا جعل الإقبال الجماهيري يكون كثيفا وعلى غير العادة هذا العام، وأن التحدي في الدورات القادمة بات على أشده في ظل هذا الاهتمام المتزايد للمتابع التونسي بهذا النمط من الغناء النوعي”.

وتضمنت فعاليات المهرجان أحد عشر عرضا من تونس والجزائر وفرنسا وبلجيكا والنمسا وسويسرا وإيطاليا وكوبا وغانا وتركيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وهايتي، توزعت على مجموعة من الفضاءات، هي قاعة سينما الحمراء بالمرسى وأكروبوليوم قرطاج وفضاء النجمة الزهراء بسيدي بوسعيد والمعهد الفرنسي بتونس العاصمة، وقاعة فرساي جناح قمرت، وهناك عروض أخرى جابت شوارع مدينة المرسى.

وعن جديد هذه الدورة قال المطهري “شهدت دورة هذا العام إنشاء شراكة دائمة بين المهرجان والاتحاد الأوروبي، وذلك ضمن برنامج ‘تونس تقابل أوروبا’، حيث تعرف أحباء الجاز من التونسيين خلال هذه المحطة على مجموعة ‘كوكوروكو’ البريطانية وموسيقى الأفروبيتآند سول المنمقة بموسيقى الجاز والثنائي النمساوي ديو فوس وليت شفريد وثلاثي مارك بيرنود، أيقونة الجاز العصري في سويسرا، والجزائري خيرالدين مكاشيش وما يقدمه من جاز مفعم بالنغمات الأندلسية،  والفرنسي بومشالو، والجزائري-الفرنسي دجام والإيطالي ماريو بيوندي”.

ولم تغب تونس عن مهرجان “جاز في قرطاج” كعادتها، حيث قدم سداسي عمر الواعر عرض “عنبر” الذي يستعرض الجاز في صيغة مغايرة ومتوْنسة انطلاقا من أغان تونسية لكل من صليحة ونعمة، وقد استضاف السداسي في عرضهم عازفة الكمان التونسية ياسمين عزيز.

كما مثلت مريم توكابري عبر موسيقاها همزة الوصل بين تونس وكوبا، وهي التي افتتحت المهرجان في الرابع من أبريل الجاري، عبر مشروعها الغنائي “من تونس إلى هافانا”، والذي مزجت فيه بين الموسيقى التونسية والكوبية وراوحت بين الغناء باللغتين العربية والإسبانية.

وما يحسب لمهرجان هذا العام علاوة على انفتاحه على أكثر من فضاء خارجي واقترابه أكثر فأكثر من جمهور الشارع، أن جل العروض المقترحة أتت ثنائية، أي في جزأين، وفي شتى أنواع الموسيقى الرديفة للجاز، ممّا أثرى ذائقة التقبّل لدى الجمهور وأضفى على المهرجان صبغة من
التنوع جعل كل السهرات تُقدم بشبابيك مُقفلة.

13