نفاد صبر الرياض: رسالة سعودية لطهران من مؤتمر المعارضة الإيرانية

حضور شخصية نافذة كالأمير تركي الفيصل لمؤتمر المعارضة الإيرانية حدث نادر، لكنه يعكس تغيّرا نوعيا في الاستراتيجية الخليجية تجاه إيران، ودعما سياسيا لم تجر العادة على إظهاره في العلن من قبل؛ وهو أمر فرضته طبيعة المتغيرات في المنطقة والصمت الغربي على تمادي التطاول الإيراني الذي أصبح يشكل خطرا وجوديا على منطقة الشرق الأوسط.
الثلاثاء 2016/07/12
استراتيجية خليجية جديدة تجاه إيران

باريس - نفد صبر السعودية ودول عربية وخليجية أخرى تجاه إيران التي يقول دبلوماسيون غربيون يعملون في منطقة الشرق الأوسط إن التغيير في نهجها الرامي إلى بسط النفوذ في المنطقة على أسس طائفية وزعزعة استقرار دول عربية، لا يلوح في المستقبل القريب.

وكان حضور الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية السابق لمؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس الأحد انعكاسا لمزاج سعودي لم يعد يقبل المساومة في حرب إقليمية مفتوحة غيرت من موازين القوى التقليدية كثيرا.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي انهال هجوم إيراني حاد على الأمير تركي، الذي هتف مع مريم رجوي، زعيمة المعارضة الإيرانية، قائلا إنه يريد إسقاط النظام الإيراني.

وقد اعتبر محللون وكتاب سعوديون أن مشاركة الأمير تركي الفيصل في مؤتمر المعارضة الإيرانية، وإعلانه عن تأييد العالم الإسلامي للانتفاضات في إيران، يعكسان دعما سياسيا لم تجر العادة على إظهاره في العلن من قبل.

ويعتبر الأمير تركي أحد أكثر الشخصيات العربية النافذة المتابعة لمجريات الأحداث داخل إيران وتحركاتها الخارجية واتفاقاتها السرية التي لطالما تابعها عن كثب منذ أن عمل سفيرا للرياض في لندن وواشنطن، ومنذ رئاسته للاستخبارات السعودية.

ولم يتطرق أي من المسؤولين الإيرانيين لمهاجمة الأمير تركي الفيصل علنا. وتخشى طهران من عدد من الملفات السرية التي قالت مصادر إن الأمير تركي مازال يحتفظ بها رغم عدم شغله أي منصب رسمي، وتأكيده مرارا على أن تحركاته لا تمثل السلطات السعودية.

ورغم تأكيد المحلل السياسي السعودي جمال خاشقجي على أن حضور الأمير تركي الفيصل كان بصفته شخصية وليست “رسمية”، إلا أنه بيّن أن مشاركته تعبر عن “المزاج العام السعودي الرسمي والشعبي”، بعد أن “ضاقت السعودية بممارسات إيران”.

وقال خاشقجي “الأمير تركي الفيصل حضر المؤتمر بصفته الشخصية، فهو مسؤول سابق في الحكومة السعودية وحاليا يترأس مركز الملك فيصل للدراسات والأبحاث. لقد تلقى الأمير تركي دعوة واستجاب لها كأمثاله من السياسيين الآخرين وأعضاء في حكومات مختلفة شاركوا في المؤتمر، فلا يعني حضوره أن السعودية خلف المؤتمر”،

واستطرد موضحا أن “السعودية أيضا تتميز بالتزامها الصارم بالشرعية الدولية، بمعنى أنها لا تتدخل في الشؤون الإيرانية بالطريقة الإيرانية، بمعنى أنها لا ترسل أسلحة لمعارضة هناك أو تدعم حركات انفصالية لأن هذا يخالف الشرعية الدولية، بينما إيران تفعل هذا طولا وعرضا”.

التمثيل العربي والدولي الكبير يعكس حالة الامتعاض الكبيرة من النظام القائم في طهران وممارساته بحق شعبه وجيرانه

تمثيل كبير

يؤكّد المراقبون والمتابعون لمؤتمر المعارضة الإيرانية، التي انعقد وعلى مدى يومي 9 و10 يوليو الجاري في باريس، أن التمثيل العربي والدولي الكبير يعكس حالة الامتعاض الكبيرة من النظام القائم في طهران وممارساته بحق شعبه وجيرانه.

ووفقا لبيان أصدره المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية من مقره في باريس، وتلقت “العرب” نسخة منه، يأتي “تجمع هذا العام بعد أن أضحى نظام ولاية الفقيه الحاكم في إيران يشكل تهديدا كبيرا وتحدياّ لجميع شعوب وبلدان منطقة الشرق الأوسط، بل وجميع الدول العربية والإسلامية، كما أن المؤشرات خلال عام مضى أثبتت هشاشة هذا النظام وتراجعه أمام مواقف وإجراءات حاسمة”.

وأضاف البيان أن “تجمع هذا العام يأتي بعد ثلاث سنوات من رئاسة حسن روحاني وثبوت زيف ادعاءاته للإصلاح وتحسين الظروف السياسية والاقتصادية في إيران، كما أن الوتيرة المتصاعدة لتدخل نظام ولاية الفقيه في مختلف البلدان كسوريا والعراق واليمن ولبنان والبحرين وغيرها لم تبق أي شك بأن النظام الإيراني، كلما استمر في الحكم استمرت الحروب والإرهاب والمجازر في مختلف دول المنطقة”.

ويأتي هذا الحدث، الذي شارك فيه أكثر من 100 ألف من أبناء الجالية الإيرانية المنتشرة في مختلف دول العالم، وبحضور عربي ودولي كبير، وحظي لأول مرة بتغطية إعلامية واسعة، بالتزامن مع وتفاقم الصراعات الداخلية داخل تركيبة الحكم الإيراني، وذلك على الرغم من الامتيازات الكبيرة والتنازلات التي أعطتها وقدمتها دول العالم لهذا النظام على حساب دول المنطقة وشعوبها واستقرارها وأمنها من أجل توقيع الاتفاق النووي.

ودعت مريم رجوي، رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في كلمة لها خلال افتتاح وختام المؤتمر إلى “إسقاط نظام ولاية الفقيه في إيران”.

حالة امتعاض كبيرة من نظام طهران

وغازلت رجوي السعودية من خلال إعلانها عن دعم عاصفة الحزم واتهامها لطهران بارتكاب جرائم في سوريا والعراق والتدخل في شؤون المنطقة، معتبرة أن عاصفة الحزم أفشلت خطط نظام طهران في اليمن وأثبتت وهنه. وترى المعارضة أن الاعتراف بحق الشعب الإيراني في إسقاط النظام لتحقيق الحرية والديمقراطية ليس فقط لصالح الشعب الايراني وإنما حاجة السلام والهدوء في المنطقة والعالم تقتضي ذلك. وتدعم الحكومة الإيرانية الميليشيات المسلحة في العراق وسوريا واليمن ولبنان، فيما تتبع سياسات أخرى غير مباشرة لإثارة الفتنة والقلاقل في دول عربية أخرى.

وبحسب روبرت كابلان، كبير محللي الجغرافيا السياسية في مركز ستراتفور الأميركي للأبحاث، “فإن عدم الاستقرار الذي تسببه إيران سوف لن يؤدي إلى انفجار الأوضاع على الصعيد المحلي، ولكن بالنسبة إلى أمة قوية ومتماسكة داخليا ومندفعة نحو الخارج انطلاقا من جغرافيتها الطبيعية، قد تتسبب في تحطيم المنطقة من حولها”.

ويقول خبراء إن أبرز نتائج التدخّل الإيراني في الشرق الأوسط ستكون استمرار النزاعات العسكرية وازدياد التطرف السني والشيعي في المنطقة، وسيؤثر ذلك أيضا على بقية العالم.

وأثنى أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، على الحضور الجريء للأمير تركي الفيصل في مؤتمر المعارضة الإيرانية بباريس، محمّلا إيران المسؤولية بسبب سياساتها. وقال قرقاش عبر حسابه الرسمي على تويتر إن “الحضور الجريء للأمير تركي الفيصل في مؤتمر المعارضة الإيرانية يأتي بعد ‘نفاد’ صبر أشبه بصبر أيوب، منطق التدخل ولغته المذهبية وعدم احترام الجيرة مسؤول”.

يؤكّد النجاح الذي حققه مؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس على صحة الاتهامات الموجهة لنظام طهران بالعمل على دعم الفوضى في الشرق الأوسط، وذلك بتواطؤ من قوى غربية، تتجاهل الدعم الإيراني للميليشيات المسلحة في اليمن والعراق وسوريا، وتتغاضى عن التقارير المتواترة عن شحنات من الأسلحة وشبكات التجسس الإيرانية التي تم الكشف عنها في عدة دول خليجية، وخصوصا البحرين، التي تكنّ لها طهران عداء تاريخيا خاصة.
حضور الأمير تركي الفيصل لمؤتمر المعارضة الإيرانية انعكاس لمزاج سعودي لم يعد يقبل المساومة في حرب إقليمية مفتوحة

صوت المعارضة يعلو

كتب مجيد رفيع زاده، رئيس المجلس الأميركي الدولي، مقالا مؤيدا للمؤتمر، في صحيفة “هافينغتون بوست” الأميركية، أشار فيه إلى أن الحشد في مؤتمر “فري إيران” بفرنسا يمثل أكبر تجمع للمطالبين بالحرية والديمقراطية في إيران. وأضاف أن الحشد طالب بتغيير النظام في إيران بحكومة ديمقراطية تعددية، وحظي بدعم أكثر من 20 من الحائزين على جائزة نوبل.

واعتبر أن هذا الحشد وما تمتلكه تلك الحركة المعارضة من نفوذ وموارد يظهران أنه بإمكان السياسيين والقادة والجمهوريين والديمقراطيين الانضمام إليها ودعمها إذا كانوا يتطلعون إلى إحداث تغيير في الحكومة الإيرانية، مشيرا إلى أن عدد المسؤولين الأميركيين الذين يحتضنون ويحضرون المؤتمر السنوي للمعارضة الإيرانية في زيادة سنوية. وهذا الحشد مهم للتأكيد على وجود منظمة إيرانية لديها عدد كبير من الإيرانيين المعارضين، وبإمكانها التواصل مع الشعب في الداخل لإحداث التغيير الجذري في الحكومة الإيرانية، ومؤسستها السياسية على يد الإيرانيين أنفسهم دون الحاجة إلى تدخل خارجي أو عسكري. وساد التوتر والشديد لدى قادة طهران بعد الإعلان عن هدف تجمع المعارضة الإثنين، وتأييد رئيس الاستخبارات السعودى لإسقاط النظام الإيراني، وذلك لأن إيران لم تتوقع حجم المشاركة التي دلّت على معارضة واسعة لسياسة طهران في المنطقة.

وتعكس ردة فعل نظام طهران وتصريحات مسؤوليه، الذين أصروا على وصف المعارضة الإيرانية بـ”الإرهابية”، واتهمها الرياض بـ”التآمر على طهران”، مدى تأثير هذا المؤتمر عليهم، وهم أدرى بصحة الأرقام والحقائق المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان والتعسف الذي تواجهه الأقليات غير الفارسية، والتفاوت الطبقي الكبير في هذا البلد النفطي، الذي يوجه كل موارده المالية لدعم الحرس الثوري وتقوية يد المرشد الأعلى وتسليح الميليشيات وأذرعه في الخارج، وهو ينتظر انتهاء أزمة العقوبات وتدفق الأموال عليه ليمضي قدما في مشروعه التخريبي.

7