نفايات لبنان حديقة غناء في صيدا

في الوقت الذي يشكل فيه ملف النفايات في لبنان قضية وطنية شائكة قامت بشأنه حركات احتجاجية وشعبية أحرجت السياسيين، استطاعت مدينة صيدا في الجنوب أن تستفيد من جبل من القمامة تراكم لمدة 30 سنة فحولته إلى مشروع بيئي واستثماري من خلال حديقة ومعمل لإعادة تدوير هذه النفايات التي كانت تشكل مصدر قلق للمسؤولين والمتساكنين على حد سواء.
السبت 2016/04/09
نسيم عليل من مصب نفايات

صيدا (جنوب لبنان) - استطاعت مدينة صيدا جنوب لبنان أن تحوّل أزمتها مع النفايات التي شوّهت واجهة المدينة البحرية وسمعتها لأكثر من 30 عاما، إلى فرصة ونموذج عبر تحويلها إلى مطمر صحي وحديقة، ومعمل لفرز النفايات وإعادة تصنيعها بشكل كامل، دون الحاجة إلى طمر أي جزء منها.

ويعيش لبنان منذ نحو 10 شهور، وتحديدا في بيروت ومحافظة جبل لبنان، أزمة تراكم للنفايات بسبب غياب الشفافية في إلزام شركات جديدة بجمع ومعالجة النفايات، وسط احتجاجات وتظاهرات شعبية يقودها المجتمع المدني، بلغت ذروتها بمشاركة العشرات من الآلاف أواخر الصيف الماضي.

وسيتم افتتاح الحديقة البحرية في صيدا، التي أقيمت على جزء من جبل النفايات القديم أواخر أبريل الجاري.

ولا توجد روائح كريهة في معمل معالجة النفايات القريب من الحديقة، باستثناء مناطق الفرز وإعادة التصنيع في المعمل الذي يشغّل نحو 200 عامل يقومون بفرز ومعالجة نحو 250 طنا من النفايات يوميا.

وقال رئيس بلدية صيدا محمد السعودي، إن “موضوع إزالة الجبل كان ضمن برنامج محدد ومدروس، هذا الجبل تراكم نتيجة نفايات مدينة صيدا و15 قرية في شرقه أو ما نسميه اتحاد بلديات صيدا – الزهراني ويشمل 16 بلدية”، وهي المناطق نفسها التي يقوم معمل النفايات اليوم بإعادة معالجة نفاياتها.

وأضاف السعودي “استطعنا تحويل المشكلة إلى فرصة”، مستطردا “استطعنا بداية أن نؤمن معمل المعالجة (للنفايات) وهو يكاد يكون الوحيد من نوعه في لبنان في الوقت الحاضر”.

وتابع “الحل الذي اعتمد في صيدا هو نموذج يجب أن يُعمم على جميع المناطق، ومعمل معالجة النفايات في صيدا يستطيع معالجة 500 طن من النفايات يوميا، وهو يعمل حاليا بنصف قدرته، أي أنه فعليا قادر على معالجة نفايات صيدا – الزهراني، بالإضافة إلى منطقة إقليم الخروب (جبل لبنان)”.

وينتج لبنان 7 آلاف طن من النفايات يوميا في كل المناطق اللبنانية، وفي بيروت وجبل لبنان (حيث المشكلة حاليا).

وتدفع البلدية مقابل كل طن تجري معالجته 95 دولارا أميركيا، وهي كلفة لا تقارن بالتي كانت مقترحة لدفعها من أجل ترحيل النفايات من لبنان أو لدفعها لشركات بهدف جمع القمامة وطمرها في مناطق متفرقة من البلاد، والتي تراوحت بين 150 و200 دولار أميركي للطن الواحد.

كلفة مشروع تحويل جبل النفايات إلى مطمر وحديقة وإنشاء حاجز بحري تبلغ نحو 50 مليون دولار، تمول نصفها الحكومة اللبنانية من خلال وزارة البيئة، والنصف الآخر ممول من جهات عربية

وبلغت كلفة مشروع تحويل جبل النفايات إلى مطمر وحديقة وإنشاء حاجز بحري، نحو 50 مليون دولار، تمول نصفها الحكومة اللبنانية من خلال وزارة البيئة، والنصف الآخر ممول من جهات عربية.

من جهته، قال المدير العام لمعمل معالجة النفايات، نبيل زنتوت، “هذا هو المعمل الوحيد الموجود في لبنان بل وفي الشرق الأوسط الذي يعمل بهذه التقنية من الفرز والمعالجة”، في إشارة إلى ما يعرف بـ”المعالجة اللاهوائية أو البيولوجية”.

وأوضح أن المعمل حاليا يقوم بتدوير والاستفادة من كل النفايات التي يقوم بفرزها، “وبات قادرا على إنتاج أحجار للبناء والكرتون الذي يجري بيعه إلى أصحاب المعامل للاستفادة منه، وكذلك القليل من الحديد والمعادن التي يشتريها تجار مختصون”.

وأشار إلى أن “كل المواد العضوية يتم إدخالها إلى الخزانات وتتحول نسبة 85 بالمئة منها إلى غاز الميثان الذي نستخدمه لتوليد طاقة حرارية وكهربائية تبلغ ألفي كيلو واط/الساعة (نحو 4000 أمبير/الساعة)، وطاقة مماثلة من الحرارة حيث نستخدم هذه الطاقة لتشغيل المعمل كله”.

وأضاف “نعيد معالجة كل النفايات البلاستيكية ويعاد تدويرها على شكل حبيبات بلاستيكية ونصدر غالبية المنتج إلى بلدان أفريقيا”.

ووفق زنتوت، فإن المعمل ينتج حاليا “10 أطنان يوميا من السماد العضوي من دون رائحة، يتم توزيعه مجانا على المزارعين ويستخدم كمحسّن للتربة”، وقال في هذا الصدد “وزعنا هذا السماد حتى الآن على 50 مزارعا والنتائج مرضية بالنسبة إليهم”.

ويظهر أن هناك “عوائق” تمنع تعميم هذه التجربة من التعاون بين القطاع العام اللبناني ممثلا بالبلديات والقطاع الخاص ممثلا بمعمل معالجة النفايات “الوحيد في لبنان والشرق الأوسط”، لحل أزمة تراكم النفايات، فضلا عن عجز الحكومة عن إيجاد حل مناسب بيئيا للمواطنين كالمطامر التي تحولت إلى مكبات. وقررت الحكومة اللبنانية في مارس الماضي تخصيص ثلاثة مطامر صحية لفرز النفايات ومعالجتها، بعد تخلي الحكومة عن العقد الذي كانت وقعته مع شركة “شينوك” وكلفتها بموجبه بمسألة ترحيل النفايات إلى روسيا مقابل 200 دولار أميركي للطن.

واتضح لاحقا أن “الأوراق التي قدمتها الشركة عن موافقة الحكومة الروسية على استقبال النفايات اللبنانية مزوّرة، ما استدعى إلغاء العقد معها”.

20