نفتالي بينيت هل سيكون قريبا أول رئيس وزراء متدين لا يؤمن بإسرائيل

السبت 2017/05/20
نفتالي بينيت خليفة نتنياهو المنتظر الذي أعلن موت الدولة الفلسطينية

القاهرة- يعد صعود نفتالي بينيت زعيم حزب “البيت اليهودي” ووزير التعليم الإسرائيلي الحالي إلى قمة الهرم السياسي في إسرائيل، انعكاسا لتصاعد قوة اليمين المتشدد فيها ودليلا على اقتناع شرائح كبيرة في المجتمع بصحة مواقف المستوطنين وبضرورة الانغلاق ورفض الآخر.

غير أن منح أحد اليهود المتدينين المتشددين الفرصة لقيادة الدولة لأول مرة من شأنه أن يفاقم الخلافات الداخلية في إسرائيل ويحدث انقسامات كبيرة، فما حجم تأثير بينيت في صنع القرار؟

وما هي طبيعة علاقته المعقدة مع نتنياهو؟ وما العقبات التي قد تواجهه وهو يشق طريقه بسرعة نحو منصب رئيس الوزراء نفسه؟

في يناير الماضي شعر الوزير بينيت أكثر من أيّ وقت مضى باقتراب تحقّق أحلامه، وأعلن بكل جرأة للجمهور “لقد اتنهى عصر الدولة الفلسطينية”، مستندا في ذلك إلى تصريحات الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب المساندة لمواقفه ومواقف أنصاره من عتاة المتشددين دينيا في إسرائيل تجاه الفلسطينيين والعرب.

ومنذ تلك التاريخ لم يركن بينيت المتشدّد للهدوء بل ضاعف جهوده للإطاحة بمن يرفضون سياساته داخل إسرائيل، وسعى إلى فرض تلك السياسات من خلال سلسلة قرارات تمسّ المجتمع والثقافة وتعد الجيل القادم لمزيد من التعصب والعدوان، وبكل همة عمل على دعم المستوطنين.

التستر بعباءة الدين

ومع أن بينيت لم يكمل عامه السادس والأربعين من العمر بعد، فقد ولد في مارس 1972 في حيفا، إلا أنه يعدّ الحاكم الفعلي حاليا لإسرائيل، ويبدو الأمر وكأن المستوطنين، الذين يمثلهم ولا يتجاوز عددهم 10 بالمئة من جملة الإسرائيليين، قد انتصروا في معركة الشد والجذب وحكموا الدولة، حتى أن نتنياهو نفسه وقع أسيرا له .

على الرغم من أن الرجل ينتمي إلى الحزب المعبر عن تيار الصهيونية الدينية الذي يمثل المتدينين “الحريديم”، إلا أن الكثيرين يتّهمونه بالتستر وراء الدين واستغلاله كما فعل أبوه. وكما سبق وفعل مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل نفسه، والذي لم يقم بختان ولده الوحيد هانز بالرغم من أن ابنه كان يبلغ الثالثة عشرة من عمره عند وفاة والده، علما بأن الشريعة اليهودية تعتبر الختان من أبرز رموزها.

ومن المعروف أن الحريديم رافضون لإقامة دولة إسرائيل الحالية باعتبارها زندقة واعتراضا على مشيئة السماء، ويرون أن صحيح الدين ينص على انتظار علامات تسبق المسيح اليهودي المخلص ثم ظهوره وإقامته لما يسمّى بـ”مملكة إسرائيل” على أرض إسرائيل الكاملة من البحر إلى النهر، وعلى هذا يؤمن هؤلاء المتدينون بأن مسارعة العلمانيين بتأسيس دولة إسرائيل كان كفرًا مبينًا.

الحريديم الذين ينتمي إليهم بينيت رافضون لإقامة دولة إسرائيل الحالية باعتبارها زندقة واعتراضا على مشيئة السماء، ويرون أن صحيح الدين ينص على انتظار علامات تسبق المسيح اليهودي المخلص ثم ظهوره وإقامته لما يسمى بـ"مملكة إسرائيل" على أرض إسرائيل الكاملة من البحر إلى النهر، وعلى هذا يؤمن هؤلاء المتدينون بأن مسارعة العلمانيين بتأسيس دولة إسرائيل كان كفرا مبينا

الحزب الذي ينتمي إليه بينيت يسمى “هابايت يهودي” أي “البيت اليهودي”، وكما هو واضح من اسمه فإنه سيكون منطقيا أن يتأثر نهجه بنهج بقية الأحزاب الدينية، وتتعامل معه بقية أطراف اللعبة السياسية في إسرائيل بناء على الخبرات السابقة مع تلك الأحزاب التي تمكنت من انتزاع مكاسب مجتمعية تفوق مكاسبها العددية في الكنيست.

صحيح أن الأحزاب الدينية لم تستطع مجتمعة أن تحصل على أغلبية مقاعد الكنيست، وهو ما لم يستطع أيّ حزب في تاريخ إسرائيل الوصول إليه، إلا أنها مع ذلك تشكل دورا حاسما في كثير من الأحيان في الوضع النهائي للائتلاف الحاكم، وكثيرا ما تشترط دخول أو عدم دخول أطراف بعينها في الائتلاف، ناهيك عن الابتزاز المالي بالحصول على مخصّصات مالية في القطاعات المهمة بالنسبة إليها.

وجاء بينيت ليحقق لتلك الأحزاب نقلة نوعية، وهو لا يكتفي بالتهديد بإسقاط الحكومة، إذ سبق للحزب باسمه القديم “مفدال” أن أسقط حكومة شارون عام 2002، بل يسعى إلى جذب ناخبي حزب الليكود للتصويت لصالح حزبه، ويتوقع خبراء أن يسيطر سيطرة مباشرة على الليكود ومن ثم الوصول إلى مقعد رئيس الوزراء، ليأتي لأول مرة لهذا المنصب سياسي متدين بينما كان كل من أتى للمنصب من قبل شخصا علمانيا أو تقليديا، أي محافظا على التقاليد.

الوريث المنتظر

منذ 2013 وصحيفة هاآرتس الإسرائيلية الشهيرة تعتبر بينيت “وريث بيبي” المنتظر، أي خليفة نتنياهو، وطالما أن ملفات الفساد باتت تحيط بالأخير من كل حدب وصوب فإن هاجس لحاقه برئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت إلى السجن مازال قائمًا، ومن ثم يرحل نتنياهو ويتم تصعيد بينيت.

إضافة إلى هذا فإن ثمة احتمالا بأن تسقط الحكومة أيضا، وبالتالي تتم الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة نتيجة للخلافات بين أطراف الائتلاف الحكومي، وعلى سبيل المثال دبّ مؤخرا خلاف علني حاد وصل إلى التهديد بإسقاط الحكومة على خلفية الصراع حول السيطرة على التلفزيون بعد إعادة هيكلته.

بينيت المتشدد لا يركن للهدوء

في إسرائيل كانت القوى العلمانية تتعاون دائمًا مع الأحزاب الدينية على مضض، وهو ما عبر عنه إسحاق شامير رئيس الوزراء الأسبق الذي تولى المنصب بعد تقاعد مناحيم بيغين في مذكراته بقوله “كنا مرغمين على التعايش مع الأحزاب الدينية منذ قيام الدولة فهم يرافقوننا منذ البداية تقريبا، وقد ورثنا هذه الأحزاب من المنظمة الصهيونية العالمية التي أقيم في إطارها أول حزب ديني هو همزراحي”.

شامير أضاف “تلك الأحزاب الدينية كانت ولا تزال تطالب بجعل الشريعة اليهودية أساسا روحيا لليهودية الحديثة، وكانت تطرح دائما أسئلة مهمة مثل: من هو اليهودي؟ وما هو مكان الدين في الدولة اليهودية في القرنين العشرين والحادي والعشرين؟ ويتعلق السؤالان بجوهر الكيان القومي وهما معقدان وعميقان جدا ولا يحتاج الأمر إلى إجابة عليهما، لا في هذه الأسطر ولا في أيّ مكان آخر، وكل ما أستطيع قوله هو إنني رغم عدم تديني إلا أنني أحترم الفلسفة اليهودية الأساسية والتربية القومية”.

ملامح وجه بينيت قريبة من ملامح وجه مناحيم بيغين، زعيم عصابة شتيرن ورئيس الوزراء الأسبق الذي وقّع معاهدة السلام مع مصر، والذي في عهده اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان وحاصر بيروت وارتكب مذبحة صابرا وشاتيلا، وواقع الحال أن مسيرة هذا الوزير المتشدد تأثرت ببيغين بالفعل، كما أنه من أبناء أسرة مهاجرة من الولايات المتحدة.

ومن المحطات المؤثرة في حياة هذا السياسي المتطرف هجرة والديه إلى إسرائيل بعد حرب 67 مباشرة قادميْن من سان فرانسيسكو بأميركا، حيث عملا لفترة في أحد الكيبوتسات أو المزارع الجماعية، ثم انتقلا إلى فيلا لها حديقة، ثم إلى قصر في حيفا في وقت قصير نسبيا.

وكان لافتًا إعلان والده بعد ذلك الاتجاه إلى التدين ونبذ العلمانية وضلوعه في عمليات جمع التبرعات من يهود كندا بشكل خاص. وفي تلك الفترة قرر الأب توجيه ابنه للمدارس الدينية وإن ظلت اللغة الإنكليزية هي السائدة في المنزل خلال سنوات طفولة بينيت الأولى، مع ملاحظة أن الأسرة العلمانية كانت طيلة حياتها لا تزور المعابد ولا تشعل شموع السبت في المنزل أو غيرها من أبسط مظاهر التدين، وحاول الأب العمل في العقارات لكنه لم يحقق نجاحا يذكر.

رجل اليمين القوي

بلغة الأرقام فإن نفتالي بينيت هو رجل اليمين القوي القادر في الانتخابات القادمة على قيادة الليكود للفوز بـ29 مقعدًا مقابل 23 فقط لأقرب منافسيه يائير لابيد زعيم حزب يش عاتيد

المحطة الأبرز في مسيرة بينيت هي عمله كمدير لحملة نتنياهو الانتخابية ثم بعد ذلك كمدير لمكتبه وكذلك الخلاف الحاد الذي نشب بينه وبين سارة زوجة نتنياهو، فعلى الرغم من أنه صرّح بأنه لا يوجد في قلبه ذرة غضب من نتنياهو أو من سارة إلا أنه من الواضح أن الاشتباك بين الطرفين كان قاسيا وكان السبب الأبرز الذي أدى إلى استقالته من مكتب نتنياهو عندما كان الأخير زعيما للمعارضة.

بلغة الأرقام فإن نفتالي بينيت هو رجل اليمين القوي القادر في الانتخابات القادمة على قيادة الليكود للفوز بـ29 مقعدًا مقابل 23 فقط لأقرب منافسيه يائير لابيد زعيم حزب يش عاتيد، ويأتي بعدهما في استطلاعات الرأي موشيه يعلون، وهو شخصية لها تاريخها وإنجازاتها وهو وزير الدفاع المستقيل من حكومة نتنياهو في أعقاب ضم أفيجدور ليبرمان إليها، وهكذا خلصت تلك الاستطلاعات إلى أن بينيت هو الوريث الأقرب لنتنياهو.

والملاحظ أنه على الرغم من أن المشهد التصويتي في إسرائيل معقد جدًا فإن الإعلام الإسرائيلي يتحدث دوما عن بينيت باعتباره رئيس الوزراء القادم.

موقع “والا” الإلكتروني الإسرائيلي كتب تعليقا على الانتخابات الداخلية في حزب البيت اليهودي التي عقدت منذ أسابيع قال فيه “في الطريق لقيادة إسرائيل انتخاب بينيت للمرة الثانية لقيادة البيت اليهودي، وأظهرت نتائج الانتخابات الداخلية للحزب والتي شارك فيها 15 ألف عضو في اللجنة المركزية للحزب أنه لم تحدث مفاجآت، ولم يتم تفتيت الأصوات بينه وبين الاثنين الأبرز من منافسيه، أحدهما جنرال صاحب تاريخ عنيف والآخر حاخام، حيث حصل بينيت على 80 بالمئة من جملة الأصوات، وحصل الجنرال يوناتان برينسكي صاحب المركز الثاني على 12.2 بالمئة، بينما نال الحاخام القاضي إسحاق زاجا المركز الثالث بنسبة 7 بالمئة فقط”.

بينيت يعدّ الحاكم الفعلي حاليا لإسرائيل

مواجهات بينيت مع نتنياهو شهدت تصعيدا مباشرا وعلنيا في ظل اقتراب موعد زيارة ترامب للمنطقة وتواتر الحديث عن “صفقة كبرى” يجري الإعداد لها في القضية الفلسطينية، وعن مفاوضات مباشرة مع الفلسطينيين، فبعد تبادل اتهامات تتعلق بسياسات إسرائيل طالب وزير التعليم رئيس وزرائه بأن يوضح للإدارة الأميركية الجديدة أن تل أبيب تتطلع لنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وفي المقابل أكد معاونو نتنياهو أن هذا هو موقفه بالأساس وبالتالي لم تكن هناك حاجة لنسبها إلى بينيت.

احتقار العلمانيين اليهود

من نقاط ضعف بينيت الدائمة كون زوجته غير متديّنة بالقدر الكافي على عكس شقيقيه. فهي لا تلتزم بقواعد الحشمة ومنع الاختلاط وفقا للشريعة اليهودية ما يعرضه أحيانا لتصويت عقابيّ لدى جمهور ناخبيه من المتدينين.

وكان قد انضم للجيش الإسرائيلي عام 1990 حيث كان من المتدينين القلائل الذين خدموا في قوات النخبة، إذ ترفض شريحة كبيرة من المتدينين الانضمام للجيش من الأساس وتكتفي بالدعاء له ودراسة التلمود، بينما تكتفي شريحة أخرى بالخدمة لفترة قصيرة وفي مواقع ووحدات لا يوجد بها اختلاط مع النساء وتقدم أطعمة مطابقة للشريعة اليهودية.

ما يعكس طبيعة شخصية بينيت العنيفة والتي من شأنها أن تؤجج الخلاف مع العلمانيين، ومع اليسار الإسرائيلي كله بالطبع، تغريدة أطلقها منذ أيام الوزير المتشدد، لكنه اضطر لحذفها بعد دقائق من نشرها، تحدث فيها عن تأييده الكامل لكل “بصقة” وكل خرطوم مياه، وكل ركلة نالها متظاهرون إسرائيليون من معسكر اليسار على يد مشاغبين من اليمين الإسرائيلي يتهمون اليسار بالتعاطف مع من أسماهم الفلسطينيين القتلة”.

ويقول مراقبون إسرائيليون إنه من المفترض إذا وصل بينيت إلى للحكم أن يعلي من شأن ما يسمى “دولة الشريعة”، وبالتالي سيكون هناك رفض أو تشكك في مشروعية “دولة القانون” التي ينادي بها العلمانيون، مع ملاحظة أن المرجعية الدينية لليهود المتدينين منقسمة على ذاتها.

12