نفر كباب بطعم كمشة رمل ساخن

السبت 2016/12/24

لا أظنُّ أنّ كائناً أرضياً يزعجه صوت التمطيق أثناء تناول الطعام، مثلما هو الأمر معي.

ذهبتُ البارحة برجليَّ صوب المطعم الذي أكره الذهاب إليه لاكتظاظه المستمر بالجياع، لكنّ عطر أسياخ الكباب الممددة فوق منقل الحطب، قد سحلني بقوة إلى قلب الواقعة.

كان الدكان غاصّا بالزبائن، وكان بمستطاعي أن أرى بعضهم مزروعا بلعابٍ سائل، وهو ينطر كرسيا سيشغر بعد آخر لقمة يدسّها أكيلٌ بفمه الشاسع. عرفت هذا المطعم الطامس بدربونة عمّونية عتيقة منذ عشرين سنة، ودخلتُهُ أقلّ من عشر مرات. هو مطعم صغير يشبه كثيرا دكان كباب الإخلاص ببغداد، ومشوياته طيبة وطازجة وخبزه ساخن، لكن تذكّر إنّ عليك أن تجلس على كرسيّك تسع ساعات، حتى يأتيك نفر الكباب محمولا بيمين نادلٍ مستعجلٍ يشيلُ بوجهه أثر ابتسامة، كما لو أنه

يحثّكَ على النهوض فورا من كرسيّك البارد، وتقبيل مؤخرته لأنه أحضر لك ماعون الكباب بهذا الوقت القياسيّ العظيم.

أخيرا وجدتُ طاولة صغيرة من كرسيين، جلستُ على أحدهما بمواجهة رجل استوطن المقعد الثاني. شريكي في المائدة كان يدحسُ في فمه خبزا صرفا بانتظار أسياخ اللحم، وكان أداؤه في هذه العملية منفّرا إلى الحدّ الذي تمنيتُ فيه أنْ يغصّ ويموت حتى لو كان أبا لعشر بنات. لسوء الحظّ وسخام اليوم أنّ ماعونه قد وصل قبل ماعوني. سيخان من اللحم المشوي وسيخ من الشحم، وثالث ملظومة فيه ست قطعٍ من البصل والطماطم.

لم ينس صاحبي القاسي أن يوصي النادل غير الصبور على رغيفين كبيرين من الخبز الحار. أسباب كثيرة قد توفرت لي الآن، كي أترك المكان وأذهب إلى مطعمٍ آخر، منها تلك السمفونية الرائعة التي يعزفها شريك المائدة، الذي بطش بكل محتويات الصحن والخبز، لكنه ظلّ حريصا على إبقاء قطعة كباب صغيرة، سيلتهمها مع آخر اللقيمات الطيبات، كي يبقى طعم الكباب يلبط فوق لسانه الضخم خمس سنوات.

في الزمن الذي وصل فيه ماعوني العزيز، قام جليسي بحركة وضيعة أخرى، وسحب من أثاث المائدة عودا خشبيا مدببا من الجهتين، وشرع بتنظيف أسنانه من دحائس أكلٍ نائمة.

لم أشعر بطعم الكباب أبدا، فلقد قتل هذا السافلُ فيَّ روح التسامح، حتى أنني بقيتُ أنظر إليه وهو يقطع الشارع، علَّ قدمه تزلّ ويسقط بحفرة المجاري المفتوحة في أول الزقاق.

الحقّ هو أنني لم أكن أتمنى له الموت أو عطب الرقبة. أردتُ فقط أن تنكسر رجلهُ أو يتهدّم الصف الأعلى من أسنانه.

24