نفقات الجيوش العربية.. عبء على التنمية

الاثنين 2013/12/09

من الطبيعي جداً أن يتساءل كل مواطن عربي عن جدوى أداء الجيوش العربية وجدوى موازناتها ونفقاتها، التي كانت لها آثار سلبية مباشرة على تطور الصحة والتعليم، والتنمية البشرية.

وفي وقت تعاني فيه المجتمعات العربية من معدلات بطالة تصل إلى 30 في المئة وأرقام فلكية للأمية، وصلت إلى 70 مليون أمي، تطالعنا تقديرات خبراء عسكريين بأن الدول العربية تبوأت المركز الأول عالمياً على صعيد الإنفاق العسكري والأمني، حيث قُدِّر الإنفاق في العامين الماضيين بأكثر من 300 مليار دولار أميركي للعام الواحد، مقارنة مع ما يقارب نحو 820مليار دولار الحجم الكلي للناتج، والإنفاق الجاري لمجموع الدول العربية سنويا، أي ما نسبته 26 بالمئة.

وتشير المعطيات إلى أن إجمالي الإنفاق العسكري والأمني التراكمي للبلدان العربية قدِّر بنحو 680 مليار دولار خلال الفترة بين 2002 و2010، أي بمعدل 75 مليار دولار سنويا. إضافة إلى ذلك جاء في تقرير صادر عن «صندوق النقد العربي» و»المؤسسة العربية للاستثمار» أن الإنفاق الدفاعي العربي شكَّل أكثر من سبعة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول العربية خلال السنوات العشر الماضية»، وهي من أعلى النسب في العالم. ووفقاً لتقديرات 2013 ستكون الأعلى بلا منازع مقارنة مع الحجم الكلي للناتج والإنفاق الجاري للبلدان العربية سنوياً، بارتفاعها إلى ما نسبته 26بالمئة كما أشرنا سابقاً، علماً بأن مستوى الإنفاق العسكري العالمي يشكّل وسطياً ما نسبته 2.7 بالمئة من الدخل القومي للدول العربية مجتمعة.

يقدر باحثون بأن ما تنفقه الدول العربية، وبلدان أخرى في العالم الثالث على جيوشها، يفوق حجم ما تنفقه هذه الدول على التنمية الاقتصادية والمجتمعية والبنية التحتية وخلق فرص العمل والتعليم والصحة والبحث العلمي.. الخ. ويترجم ذلك بعدم إخضاع الإنفاق على التسلح والأمن لمعايير تراعي ضرورات أن لا يؤثر ذلك على متطلبات تنمية مستدامة ومتوازنة، ومعالجة المعضلات الاقتصادية والفقر والعوز في الخدمات العامة والرعاية الاجتماعية.

ويتبادر للذهن في ظل تبوأ البلدان العربية المركز الأول عالمياً في الإنفاق العسكري والأمني، مقارنة مع الحجم الكلي للناتج والإنفاق المحلي للبلدان العربية، أن ثمن طائرة «F22» البالغ 100 مليون دولار يكفي لتشجير 240 كيلومتر مربع، وهذا كفيل بإنقاذ موريتانيا مثلا من مشكلة التصحر التي باتت تهدّد العاصمة نواكشوط، بعد أن ابتلعت الكثير من البلدات والقرى الموريتانية.

ويمكن للبحث العلمي أن يحقق قفزة نوعية فيما لو حوِّل لصالحه جزء من الإنفاق العسكري والأمني، فالإنفاق على البحث العلمي في البلدان العربية لا يتجاوز 02 بالمئة من الموازنات العامة، وبالأرقام يعادل ذلك 14.7 دولار أمريكي للفرد، في مقابل 1205 دولارات للفرد في الولايات المتحدة، وحوالي 531 دولار للفرد في الاتحاد الأوروبي. وهو ما يؤكد أن الفجوة العلمية بين البلدان العربية والبلدان المتقدمة ليس مردها ضعف الإمكانيات المادية، بل عدم الاهتمام بالبحث العلمي ومخرجات التعليم.

ومن الأهمية الإشارة إلى أن تقرير منظمة الشفافية الدولية الصادر مؤخرا، قد وفٍّر مؤشرات ذات دلالة على مستوى أداء المؤسسة العسكرية في الدول العربية التي حصلت فيها احتجاجات على النظم السياسية خلال الأعوام الأخيرة، حيث تنفق الأموال بشكل سري، وتمنح العقود لمقربين ومحسوبين على بعض المسؤولين فيها، وتعرقل جهود التحول إلى الديمقراطية في تلك الدول. فضلاً عن ذلك لا تعلن تلك الدول عن عدد العاملين في جهازها العسكري، أو أعداد من يتلقون رواتب من الجيش. وتعزو دراسات وتقارير دولية سبب انتشار الفساد بالقطاعات العسكرية العربية إلى انعدام التدقيق من قبل الجهات التشريعية في موازنات المؤسسات العسكرية.

إن زيادة الإنفاق العسكري في الدول العربية، وتراجع أوجه الإنفاق الأخرى على التنمية ومعالجة مشكلات الفقر والبطالة والأمية وتدهور البيئة، تعتبر دلالة خطيرة في ظل عدم انحياز الجيوش العربية منذ اليوم الأول لثورات الشعوب المطالبة بالحرية من النظم الاستبدادية التي نالت من الاقتصاد والتعليم والثقافة، الأمر الذي يؤكد ضرورة إعادة تشكيل الجيوش وصياغة المؤسسة العسكرية بشكل ممنهج، وبما يلبي تطلعات الشعوب العربية وتطورها، ناهيك عن حفظ الأمن والسلم الأهلي، وحماية الأوطان من أي عدو خارجي يتربص بالدول العربية ومقدراتها الوفيرة، وهذا أضعف الإيمان. عندئذ يمكن القول بأن ثورات الربيع العربي حققت الأهداف التي انطلقت من أجل تحقيقها.


كاتب فلسطيني

9