نفق أمني بين إسرائيل ومصر.. الهدف أبعد من داعش

السبت 2017/08/05

بعد أيام قليلة من تضييق الخناق على بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في ملف الفساد الذي يلاحقه، أعلن الأخير عن تدشين حاجز مضاد للأنفاق عند نقطة التقاء الحدود الإسرائيلية مع مصر وقطاع غزة. تدعو هذه الخطوة إلى التساؤل حول احتمال أن يكون الحاجز المضاد للأنفاق ستارا لتحرك إسرائيلي دعائي أو ميداني، خاصة وأنه تأخر كثيرا، فقد جرى الحديث عنه منذ فترة طويلة، لكنه كان في كل مرة يظهر ويختفي وفقا لبعض المقتضيات السياسية.

وبررت التقارير الإسرائيلية التي تحدثت عن المشروع بأن مصر “عجزت حتى الآن عن شل حركة مقاتلي داعش في شبه جزيرة سيناء واجتثاثهم من وسطها، إضافة إلى شهية الجماعة الإرهابية لمد أعمالها العدائية إلى إسرائيل”.

وقالت إن الحاجز المضاد “إجراء أساسي لحماية المجتمعات المتاخمة لقطاع غزة”.

ولا يبدو التبرير الإسرائيلي مقنعا خاصة أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يشكل تهديدا حقيقيا لإسرائيل، لا من جبهة سيناء أو سوريا أو حتى قطاع غزة، لذلك يبدو أن الهدف فقط هو المبالغة في حجم وتأثير داعش في سيناء، خاصة أن غالبية التقارير الإسرائيلية تتحدث عن تواجد عناصر التنظيم الإرهابي في سيناء كلها ولا تشير إلى اختباء عناصره وسط كثافات سكانية في مساحة لا تزيد عن 2 بالمئة من مساحة سيناء، وتحديدا في مستطيل محدود العمق بين رفح والعريش في شمال سيناء.

ويثير هذا الموقف الريبة لدى دوائر سياسية وأمنية في مصر، وما يجعل احتمال تعمد التضخيم قائما كثرة المناورات التي تجريها إسرائيل في المنطقة الجنوبية ومحيط إيلات بشكل خاص هذا العام والإعلان عن فتح مخازن الحرب الشاملة بعد سنوات من الإهمال.

ما يجعل احتمال تعمد التضخيم قائما كثرة المناورات التي تجريها إسرائيل في المنطقة الجنوبية ومحيط إيلات وفتح مخازن الحرب الشاملة

ومع أن الحكومة المصرية لم تعلق على هذا المشروع، غير أن مصادر أمنية في القاهرة قللت من أهميته، وقالت لـ “العرب” إنه “محاولة للإيحاء بأن مصر أمامها شوط طويل لتحقيق الأمن والاستقرار وأن داعش لا يزال يمثل تهديدا للمنطقة”.

وكانت صحف إسرائيلية أشارت في أعدادها الصادرة الجمعة إلى أن حاجز الأنفاق سيتم على مراحل بإجمالي ثلاثة كيلومترات وتقتصر المرحلة الأولى على كيلومتر واحد فقط بكلفة تبلغ مليار دولار.

ومن المستغرب أن يقتصر الاهتمام الإعلامي على حاجز الأنفاق مع مصر بطول 3 كيلو مترات مع التضخيم من مخاطر داعش، في حين أن الحدود المصرية الإسرائيلية تبلغ 277 كيلو مترا، والحدود بين غزة وإسرائيل تبلغ نحو 50 كيلو مترا يتم عليها تشييد حاجز مماثل تحت سطح الأرض دون تهويل إعلامي كما حدث مع الحاجز المزمع تشييده على الحدود مع مصر.

وعن الدلالات والأبعاد المرتبطة بشكل مباشر بتلك الخطوة الإسرائيلية، يمكن الإشارة إلى أنه تم رصد زيادة في أسعار المخدرات في إسرائيل بعد إتمام تشييد جدران أمنية على الحدود مع كل من سوريا ولبنان ومصر، وانخفاض أعداد اللاجئين الأفارقة، ما يعنى أنه لا حاجة إلى حاجز الأنفاق إلا للدعاية أو لتوظيف سياسي يخص رئيس الوزراء.

قد يكون نتنياهو يناور بمثل هذه الإجراءات التي يزعم أنها مكملة لخطوة تشييد لجدار وكأن هذا الجدار هو الضامن الأول للأمن وليس عدم رغبة حماس ولا داعش في مواجهة إسرائيل لأسباب بعضها معلن وغالبيتها غير معلنة، وكأن داعش، الذي يتكبد خسائر كبرى وانهرت “دولة خلافته”، بالفعل يمثل قوة ضغط كبيرة على إسرائيل التي سبق أن عالجت في مستشفياتها عناصر تنتمي لداعش وأخرى تابعة لجبهة النصرة في الجولان.

ويغيب عن مروجي المشروع حقيقة تاريخية وهي أن صاحب فكرة هذا الجدار من الأساس هو أرييل شارون وليس نتنياهو الذي يريد أن يستثمر استكمال الجدار وتجهيزه بمعدات إلكترونية للرصد ثم الشروع في تشييد حاجز الأنفاق لمسافة قصيرة للغاية لا تمثل نصف في المئة من إجمالي طول الحدود مع مصر أو غزة.

قد يكون نتنياهو يناور بمثل هذه الإجراءات التي يزعم أنها مكملة لخطوة تشييد لجدار وكأن هذا الجدار هو الضامن الأول للأمن وليس عدم رغبة حماس ولا داعش في مواجهة إسرائيل

يجعل هذا الوضع معارضي نتنياهو يتشككون في أن الهدف هو المبالغة في حجم تواجد مرتزقة داعش في سيناء، وصرف انتباه الرأي العام في إسرائيل عن الفساد بعد التطور الدرامي الذي شهده ملف التحقيق ضد رئيس الوزراء، حيث تمت إدانة كبير موظفي ديوان رئيس الوزراء آري هرو بعد صفقة مع الإدعاء أقر فيها بالحصول على رشى، وخيانة الأمانة في صفقة الغواصات المتورط فيها نتنياهو، وتقرر وفق اتفاق مكتوب مع الإدعاء أن يشهد كبير طاقم موظفي رئيس الوزراء ضد نتنياهو مقابل تخفيف عقوبته هو، مع ملاحظة أن نتنياهو يتمتع حتى هذه اللحظة بحظر نشر بشأن تفاصيل قضية الفساد الكبرى تلك ويحتاج إلى قنابل دخان يحتمي وراءها متمثلة في جدران وحواجز وهواجس أمنية ومخاطر افتراضية.

تحاول إسرائيل في هذا السياق أن تستثمر ما حدث مع الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، حيث تم اختراق قاعدة الجيش الإسرائيلي التي يخدم فيها وتدمير مدرعات، واختطافه وأسره من خلال نفق، وكانت تل أبيب فشلت في السيطرة على محور صلاح الدين (محور فيلادلفي) بطول 14 كم جنوب قطاع غزة حتى الانسحاب أحادي الجانب من غزة وتولي القوات المصرية السيطرة الأمنية عليه منفردة.

وفقا لبعض الإحصائيات، لوحظ خلال السنوات الثلاث الماضية حدوث انخفاض كبير في عدد العمليات التي يتم شنها من غزة على أهداف إسرائيلية، فبعد أن تجاوزت الهجمات بصواريخ القسام ومدافع الهاون 300 هجوم قبل عملية الجرف الصامد، تم تسجيل عشر هجمات فقط في نفس الفترة بعدها، وتسجيل 13 واقعة إطلاق نار من أسلحة خفيفة على مدار عام كامل، ما يعكس حالة من الهدوء الذي لا ينفي سعي حماس لامتلاك أسلحة وربما تشييد أنفاق جديدة.

عند النظر لإجراءات نتنياهو على الحدود مع مصر، من الضروري الإشارة إلى أن إسرائيل كانت قد شرعت في تشييد جدار أمني حدودي بطول الحدود مع مصر بعد قرار الكنيست عام 2004 بالانسحاب من غزة وتم تكثيف العمل بدءا من 2008 واستخدام تكنولوجيا متطورة للرصد بعد أن كانت الاستعانة تتم في المقام الأول بمقتفي الأثر لمعرفة ما إذا كان تم اختراق الحدود أم لا، وهو ما كان يتم بالفعل بشكل منتظم على يد جنائيين يهرّبون أفارقة أو مخدرات أو سلعا مدعمة من مصر.

وهو الجدار الذي تزعم إسرائيل أنه أوحى للرئيس الأميركي دونالد ترامب بفكرة تشييد جدار مماثل له مع المكسيك، فضلا عن تشييد جدار ثالث بين الهند وباكستان، علاوة على مسارعة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمشروع جدار مع سوريا (بطول 239 كم) بعد أن غيّر تحالفاته وقام بالتفاهم والتنسيق مع روسيا بدلا من مناطحتها.

كاتب مصري

7