"نفق الذلّ" فضائح الطبقة الحاكمة وإرهاصات الثورة

الأحد 2014/07/06
لوحة يوسف عبدلكي: يوحنا فم الذهب الشهيد السوري في محلة الميدان بدمشق

تتناول السوريّة سميرة المسالمة في روايتها «نفق الذلّ» ما يمكن توصيفه بالممهّدات التي أوصلت البلد إلى حالة من التفتيت والتدمير على أيدي حلقة متحكّمة تقتات على التخريب تنتعش بالفساد والإفساد.

تتمحور الرواية- منشورات ضفاف، بيروت 2014 – حول حياة السوريين خلال العقود الأربعة الأخيرة في ظلّ فساد كارثيّ، وكيف كانوا يجدون أنفسهم مرغمين على تخطّي اختبارات الولاء للأفراد وانتزاع حالة الانتماء المفترضة، ليتمكّنوا من الحظوة بأبسط حقوقهم. تصف جوانب من العهر السلطويّ الذي مورس بحقّ أبناء البلد، وتضيء عتمة الدوائر الضيقة التي دأبت على تعكير صفو البلاد بالمؤامرات والدسائس، ليطمئنّ المستبدّ ويُعطى مفاتيح الأمان، ويبقى المواطن «صالحاً» يلتزم بحدوده.


محاور ومغاور


دوائر الفساد المتداخلة تكون أحد أنفاق الذلّ التي كانت السلطة تواظب على تمرير مَن يودّ الانتفاع فيها. وهي دوائر محكومة بعبثيّة ومزاجيّة مراكزها، ويكون لكلّ دائرة مركز بحسب القطاع الذي تخوض فيه أو تحتكره، وترتبط تلك المراكز بمراكز أعلى لتصل إلى دائرة قرار تكون عبارة عن طاولة لتقسيم كعكة البلاد وتوزيع الحصص والمواقع والمناصب والامتيازات.

تلك الدوائر لا تستثني أيّة شريحة اجتماعيّة أو اقتصادية أو أمنيّة، فتصوّر حالة التحضير لانتقال السلطة وتقزيم الدستور والسعي للتلاعب بالعقول، وتلميع الصور المصدّرة على عكس ما تكون عليه، وإشعار الناس بشيء من المشاركة الوهميّة.

أروقة الجامعة وساحاتها تكون نقطة الانطلاق في «نفق الذلّ»، ومن هناك يتشعّب النفق ويتراكم الذلّ ويصل إلى درجات مرعبة من الإذلال. فالشابّ اليساريّ الحالم عماد يتورّط بحبّ منى ابنة أحد ألوية المخابرات، ويكون عماد سجيناً سابقاً، لكن يبدو أنّ الترويض الذي تعرّض له دفعه إلى التورّط بالحبّ وتجاوز حدوده.

من الجامعة إلى عالم الفساد المتغوّل، الابنة التي تحبل من عماد بعد لقائها معه تبوح لأمّها بالسرّ، فتسعى الأمّ إلى تدبير زواج سريع لها، تفاتح اللواء ويتمّ الأمر في زمن قياسيّ. لا تفلح الابتسامات المصطنعة في إضفاء البهجة على الأجواء، تكون المناسبات الاجتماعيّة المفتعلة قرصاً للمتاجرة وعقد الصفقات واستدراج الخصوم والإيقاع بهم.


تداخل العوالم


تنتقل الكاتبة – التي كانت رئيسة تحرير صحيفة تشرين السوريّة سابقاً – إلى عالم الصحافة والسياسة، ترصد كيفيّة إخضاع الصحفيّين والإعلاميّين لتجارب الذلّ، والعبور بهم من نفق الذلّ إلى نفق آخر أكثر إذلالاً، ومن ثمّ تسليمهم مراكز قياديّة في هذا المجال. تصف التمثيل بالصحافة لصالح سلطة تسعى دوماً إلى الظهور بصور ملمّعة بعيداً عن التفسّخ والتشوّه والتسوّس والنخر الذي تعيش في ظلاله وتصدّره إلى الناس بحجج أو أخرى.

تحكي الكاتبة عن الزيجات التي تتمّ كشراكات أمنيّة واقتصاديّة، لتقوية الروابط وتمتين العلاقات بعيداً عن الحبّ المفترَض، لذلك فإنّ كلّ حالة تكون محكومة بمآسٍ تالية محتّمة. تظهر كيف أنّ العقليّة المتحكّمة السائدة هي عقلية النظر إلى الآخر كأشياء، وكوسائل عرض وطلب لا غير، دون أيّ اعتبار إنسانيّ، وتبرز حرص الأجهزة التابعة لأمزجة زعمائها على التنكيل بالشعب، ومحاصرته في كلّ تفاصيل حياته، والإبقاء على سياسة التجويع مفعّلة باطّراد.

تصوّر الروائيّة تحوّل بعض من اليساريّين إلى أزلام للسلطة بعد تعريضهم للكثير من التعذيب والإيذاء، ثمّ تجنيدهم تالياً للتنكيل برفاقهم وأولئك الذين كان يفترض بهم أنّهم يدافعون عنهم في ممارساتهم السابقة. يكون بطل روايتها عماد المثال الأكثر إيلاماً على ذلك، يتحوّل من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، يصعد في سلّم السلطة ليعوّض خيباته في الحياة والحبّ، يقع فريسة رعبه المتعاظم، يكون العبد المأمور الذي يصبح الجلّاد الأفظع.

تتناول المسالمة حالة إعداد السلطة نفسها واستنفارها أجهزتها توخّياً لأيّ تحرّك، ثمّ كيف كان اغتيالها لأزلامها ومَن قد تشكّ بهم في ضربات استباقية. وتصوّر المتغيّرات في مختلف المجالات، ثمّ بشارات/ إنذارات التغيير المدوّية، وهتافات الشباب الثائر.

تنقل الروائيّة جوانب من إيذاء السلطة لبعض أزلامها في مرحلة تصفيات واغتيالات تنتقل بها من نفق إلى آخر. تكون الصدمة غير المتوقّعة هي أنّ اللواء المجرم عماد الذي يحترف إذلال الناس ضحيّة إجرامه، وبعد أن يأمر باعتقال غيث؛ وهو ابن منى الوحيد، يعرّضه لأقسى صنوف التعذيب، ويقتله. ثمّ حين تزوره منى بكامل فتنتها تحاول إحياء الأيّام السالفة، تتودّد إليه، تغويه، وتبوح له بالسرّ الذي تكتّمت عليه لأكثر من عقدين. وهو أنّ غيثاً هو ابنه وليس ابن زوجها الجبان أمجد.

أروقة الجامعة وساحاتها نقطة الانطلاق في «نفق الذلّ»


صور مرعبة


تلتقط المسالمة صوراً من مجتمع متفسّخ يتصوّر أنّه المجتمع المخمليّ، ويكون تصوّره انطلاقاً من البطش والقوّة والإجرام والتقييد. مجتمع خارج عن سياق تطوّر المجتمعات البشريّة، مجتمع تكون الفضيلة فيه صورة للرذيلة، الحقائق فيه أوهام، والوقائع أرقام، والبشر أدوات، وفوق هذا وذاك يزعم قيادة «الدولة والمجتمع».

الفضائح هي ملح نفق الذلّ الذي يعرّض فيه الجميع بعضهم بعضاً لاختبارات الولاء والإذلال. كلّ آمر يخضع مأموريه لتلك التجارب، وبعد تجاوزها يحظى بامتيازات ماديّة ومعنوية على هامش السلطة، وربّما في رأس إحدى مؤسّسات الدولة. والفضائح بدورها تكون نفقاً يمرّ به جميع أبطال الأنفاق والعتمات.

ترسم المسالمة خطوطاً موصومة بالعار، حيث القيم تشوّه، والفضائل تعكّر، والإذلال يعمّم، ليوصل الناس إلى شبه يقين أنّهم معدومو الشخصيّة مستلبو الرأي لا حول لهم ولا قوّة، وكي يسدّوا بأنفسهم في وجوه بعضهم بعضاً أبواب التغيير وآماله العريضة، ويرتهنوا للاستبداد والطغيان إلى أجل غير مسمّى. كما تنقل صوراً مرعبة من حياة طبقة من السوريّين، تمارس التشبيح في عتمة المكاتب وتصمّم أنفاق الذلّ للعابرين كي يعبروها و«يتنعّموا» بمكتسبات الاستزلام بعد ذلك، عالم ملؤه الدسائس والضغائن والأحقاد.

تلتقط الرواية مفارقات التيه السلطويّ وكيف تمّ دفع الناس نحو التفتّت والانقسام، من خلال تأميم الإثم ليكون الخراب المتراكم مرتعاً للصوص الذين يكبّلون رقاب الناس ويفرّغون جيوبهم. تصوّر تغيّر السياسات وإجماعها على تأليب الناس ضدّ بعضهم بعضاً بنوع من الضغينة المسمومة. كما تلتقط بوادر التغيير ورياحه القادمة من تونس، وكيف أنّ الثورات خلخلت بنية السلطة التي وجدت نفسها أمام أمواج من البشر الثائرين الحالمين بغدٍ أفضل، وكيف أنّ القمع غير المحدود والعنف الشرس الممارس إنذرا بدمار فظيع لاحق.


بين الواقع والتخيل


المسالمة التي دأبت على كتابة الافتتاحيات السياسيّة والاقتصادية، وكانت في سدّة “السلطة الرابعة” في سوريا قبل الثورة، تتّكئ على اطّلاعها على أسرار الصحافة والسياسة والاقتصاد، لتقدّم مشاهد روايتها المنطلقة من الواقع، وتبديها كأنّها متخيّلة. إذ قد يتساءل قارئ للرواية عن واقعيّة أو مصداقيّة الأحداث المرويّة، وما إن كانت الروائيّة شاهدة على بعضها أو مشتركة في بعضها الآخر.

تثير الروائيّة رغبة البحث عن التماسّات بينها وبين شخصيّات، ولاسيّما أنّ شخصيّاتها النسائيّة تتنقّل بين عالمي الصحافة والاقتصاد، وهي بإثارتها للأسئلة وسردها لتفاصيل كانت محاور ومواضيع أحاديث وجلسات واجتماعات خاصّة تكشفها للعلن، وتزيح النقاب عن سريّتها، تضع القارئ أمام فصول ممّا كان يجري وما يزال في أقبية معتمة، وبتدبير وتخطيط من أولي الأمر.

سطوة الخيال تنطلق من فظاعة الواقع ووحشيّته، تحوي الرواية بعض المشاهد المؤلمة، وبعض الصور التي تبدو “منفّرة” وهي تعكس جزءاً ممّا يقترف من موبقات في السجون، وفي القصور أيضاً. إذ تتجلّى تلك القصور سجوناً لطبقة من المتنفّذين وجحوراً للمكائد.

تلقي الكاتبة إضاءة على التعذيب الذي يمارَس في السجون، والرعب الذي يواكب تلك الزنازين، وهدر الكرامات والأرواح ومجّانيّة القتل وعبثيّته، لدرجة تصل بالجلّاد إلى قتل ابنه دفاعاً عن سلطة مجرمة.

تبرز في الرواية عدّة مستويات من اللغة، في الفصول الأولى تتصدّر اللغة الشاعريّة، حيث أجواء المحبّين وأحاديثهم وبسماتهم وتوتّراتهم، ثمّ مع التصاعد في الأحداث، والتقدّم في نسج حبكة الرواية، تنعطف اللغة نحو التقريريّة أو التسجيليّة في بعض الفصول، وبخاصّة تلك التي تصف واقع السجون الذي ينضح بالأسى والقهر وينفتح على سيَر وأحداث وفظائع لا حدود لها.

من لغة شاعريّة إلى لغة صحافيّة ترصد واقع الحال تصل إلى لغة ثوريّة. إذ أنّها في الفصول الأخيرة، تنقل مفارقات الزلزلة التي أحدثها «الربيع العربيّ» في المنطقة وانعكاساته على الشارع السوريّ الذي كان يغلي، والذي تعرّض للإقصاء والتهميش لعقود، حيث كانت الأجهزة الأمنية تعدّ خطّتها لمواجهة أيّ حراك ودفعه إلى عتمات أنفاق تعيد إنتاج نفسها. وتكون اللغة مطعّمة بالجانب الصحافيّ والأدبيّ معاً، تعتمد التكثيف وكأنّها ترمز إلى تسارع الأحداث ومداهمة المفاجآت، وتنحو باتّجاه المباشرة في نقل الشعارات والهتافات، ومعايشة المتظاهرين وتصوير حماستهم وغضبهم. تصوّر المسالمة واقعاً متعفّناً يوجب الثورة عليه، وهي تثير كثيراً من الأسئلة التي لا يمكن إغفالها، ولا سيما أنّها كانت في صدارة المشهد الإعلاميّ والسياسيّ قبل الثورة وفي بدايتها، وكانت لها تصريحات شهيرة إثر إقالتها من منصبها في «صحيفة تشرين» التي كانت ترأس تحريرها، وانتقلت إلى الضفّة الأخرى لتدافع عن أبناء بلدها، وتنهض بمهامّ جديدة تواكب مرحلة جديدة بكلّ المقاييس.

من الأسئلة التي تظلّ مثار نقاش وسجال: أين تتموضع «نفق الذلّ» في سيرة كاتبتها..؟ أيّ شخصيّة هي الأقرب إليها من بين شخصيّاتها..؟ هل نصدق الأسرار التي باحت بها في الرواية أم نأخذها على محمل التخيّل الروائيّ..؟ أيّ مفارقات تقودنا في واقع تتعارك فيه الرغبات والأضداد..؟ أين تتجلّى حقائق الحيل الروائيّة وأين تكمن جرعة الأكاذيب الفنيّة..؟

12