نفق في آخر الضوء

الخميس 2014/11/13

لم يكن المشهد السياسي الليبي يحتاج إلا إلى هذا الحكم الملتبس، الذي أصدرته الدائرة الدستورية في المحكمة العليا، لكي يزداد تعقيدا وتعتيما، ويضفي عليه مزيدا من الارتباك والفوضى، ويجعله مفتوحا على أبشع الاحتمالات مثل التقسيم، أو اتساع دائرة الاحتراب ليتحول بحق إلى حرب أهلية.

واعتذر بداية عن هذا العنوان الذي يستخدم عبارة مستهلكة هي “الضوء في آخر النفق”، وأقلبها بهذا الشكل لكي تستقيم مع سياق غير السياق القديم لهذا التعبير، وفي إطار الرد على صديق ليبي من المشتغلين بالشأن العام، وقد تنكّب طريق السياسة في بلاده منذ الأربعينات، واستطاع، رغم ما يرتبط بالسياسة من أساليب التمويه والخداع، أن يحافظ على نزاهته وأمانته، ونبل المقاصد وشرف الممارسة، في معاملاته الخاصة والعامة، والثبات على المبدأ، فدخل ميدان النضال من أجل تحقيق الاستقلال وميلاد الدولة الليبية، متعرضا للسجن والملاحقة من سلطات الانتداب البريطاني، وعندما استقر الحكم للملك السنوسي كان في الجانب المعارض، يخوض مسارا مناوئا لسياسة الحكومة التي تريد تضييق الخناق على مؤسسات المجتمع المدني، فكان صاحب نضال ونجاحات في تأسيس النقابات مثل نقابة المحامين، واتحاد عمال مستقل عن هيمنة الحكومة وأجهزتها الأمنية، وكانت معارضته أكثر شراسة في العهد الانقلابي، لأنه هنا يعارض حاكما أكثر شرا وظلما، ولا يعرف سبيلا للتعامل مع المناوئين لحكمه غير القتل، وكان على وشك أن يصبح واحدا من ضحايا النظام، لولا أنه استطاع التسلل هاربا خارج الحدود، وظل في بلاد المنفى يعمل على تعرية الممارسات الإجرامية لحاكم بلاده، حتى جاءت بعد أربعة عقود من حكم جائر، ثورة الليبيين، التي أطاحت بذلك الحاكم وقتلته شر قتلة، وعاد الرجل إلى ليبيا وقد تقدمت به السن، ليضع خبرته وحصاد السنين وزبدتها، في خدمة ليبيا الجديدة ودولتها.

كنت ألتقي به على مدى هذه الأعوام والعقود، وهو مطارد في المنافي، متوقعا أن أجد رجلا دهسته سنوات الغربة والعناء، ناقما يائسا، لأن المسيرة طالت دون جدوى، فأجده بالعكس من ذلك، مفعما بروح التفاؤل، ينظر إلى المستقبل بأمل وحب، أكثر مني إيمانا به وبقرب يوم الخلاص، وأنا الذي لم أعان معاناته، ولم أتحمل معشار ما تحمله من تضحيات، وأتحدث يائسا عن النفق المظلم الذي لا نهاية له، بينما أجده لا يرى النفق ولا الظلام، وإنما النور في مشارف الأفق.

وبسبب سيطرة الميليشات والجماعات المسلحة على المشهد السياسي الليبي، وتسيدها عليه، وجماعات التطرف الديني التي لم يكن على وفاق معها ومع سياساتها، ويراها أكثر طغيانا وبؤسا من نظام الإجرام الانقلابي الذي ناصبه العداء أربعين عاما، فقد وجد نفسه مرغما يغادر البلاد التي لا تحتكم إلى قانون ولا نظام ولا دولة، ويعود إلى بلاد المنفى، وكان قد جاء إلى بلاده فرحا سعيدا، إلى حد أنه جثى يوم وصوله فوق الأرض، لحظة هبوطه من الطائرة، يقبل التراب لفرط شوقه له، ويصلي ركعتين لله صلاة شكر وامتنان، لأنه استطاع الرجوع إلى بلاده بعد أن تحررت من الطغيان.

التقيت به في منفاه، هاربا من وجه الميليشيات التي تحتل حواضر ليبيا، وأدركت فورا مدى الصدمة التي يعاني منها، والتي بدت ظاهرة على ملامح وجهه، وكان موضوع المحنة التي يعيشها الوطن، كما العادة، موضوع اللقاء والحديث، وبادرته هذه المرة، بذكر النفق الذي دخلته البلاد، والذي أراه أكثر ظلاما وطولا من جميع الأنفاق السابقة، واثقا أنه لن يستطيع هذه المرة أن يحدثني، كما كان يفعل سابقا، معارضا ما أقول، عن الضوء الذي يلوح له في آخر النفق، فإذا به يقول عكس ما توقعت، وأنه فعلا يرى هذا النور، ويراه هذه المرة بثقة وإيمان أكثر من أي وقت مضى، بل ويرى نهاية النفق قريبة لن تقتضي وقتا طويلا ليقطعها الإنسان، وطلبت منه متحديا، أن يعطيني دليلا واحدا على سبب هذا التفاؤل، فقال أنه بلغ الآن آخر مراحل العمر، ويرى أن مشوار المعاناة والعذاب والصبر والانتظار، قد وصل خواتيمه، ويرى أن النفق قد حان له أن ينتهي، وأن النور الذي يلوح قريبا بالنسبة له، هو خلاصه الشخصي الذي سيتحقق عند مغادرته أرض الأحياء، فما نحن جميعا إلا ضيوف في هذا العالم، نزلاء في فندق الحياة، نأتي ونقيم فترة محددة ثم يحين موعد المغادرة، ليأتي ساكن جديد، وكرر على مسامعي المثل الليبي الذي يقول أن من يبقى في الدار يدفع الكراء، وهو كما يؤكد خاتما حديثه، قد دفع الكراء وبرأ ذمته، وسيمضي هانئا إلى مثواه الأخير.

لم أترك اللقاء عند هذه الملحوظة التي تحمل معنى حزينا عن لحظة الختام، طالبا الله أن يمنحه العمر الطويل، قائلا بأن ما يراه نورا في آخر النفق يرمز لخلاصه الشخصي، لا أراه في الحقيقة إلا العكس، يعني أن هذا الأمل الذي تولد في أنفسنا عند نجاح الثورة على الطغيان، قد انطفأ بفعل ما توافد من قوى التطرف والظلام ورسل الفوضى والجريمة، فلم نعد نرى النور الباهر لتلك الثورة، ولكننا صرنا فقط نرى النفق الذي أعقب ذلك النور.


كاتب ليبي

9