نفوذ روسيا العالمي لا يكتمل دون حضور جيّد في أفريقيا

موسكو تعدل سياستها تجاه القارة السمراء من دعم الحركات الثورية إلى تكوين صداقات مع الأنظمة.
الأربعاء 2019/06/19
من يصل أولا؟

منذ أن وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السلطة، سعت الحكومة الروسية لاستعادة دورها كقوة جيوسياسية. وبعد عودة بوتين إلى الرئاسة سنة 2012 واشتعال أزمة القرم التي وسعت الفجوة بين روسيا والغرب الذي اعتبر ضم الاتحاد الروسي للقرم سنة 2014 انتهاكا للقانون الدولي، أصبحت سياسة موسكو الخارجية أكثر حزما وجرأة. وظهر هذا التغيير في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط في البداية، وينتقل الآن إلى القارة الأفريقية لاستكمال ترسيخ حضور روسيا كعنصر عالمي مؤثر.

واشنطن – تستضيف مدينة سوتشي الروسية، في أكتوبر المقبل، أول قمة بين روسيا وأفريقيا سيحضرها جل زعماء الدول الأفريقية، في خطوة كبيرة يخطوها الكرملين في طريق ترسيخ علاقاته مع الدول الأفريقية. وتأتي هذه الخطوة لاستكمال حزام القوة الذي تحتاج إليه موسكو من توجهاتها الخارجية الراهنة واستعادة تأثيرها الدولي.

رغم أن الشرق الأوسط يعتبر المنطقة الإستراتيجية الرئيسية في العالم، والتأثير فيه يعني النفوذ والقوة، إلا أن هذا النفوذ لا يكتمل دون التواجد القوي في مناطق أخرى. وروسيا التي نجحت في أن تستعيد حضورها على الساحة السياسية الدولية، من خلال سوريا، تحتاج أن تدعم هذا الحضور بحضور في أفريقيا.

عودة القوة الروسية

مع انتهاء الحرب الباردة، لم تعد أفريقيا عنصرا مهما في سياسة روسيا الخارجية، لكن مع تضخم الدور الروسي الدولي على مدار السنوات الماضية، عادت أفريقيا إلى صدارة سياسة موسكو الخارجية لدورها المهم في أهداف البلاد المرتبطة بمنافستها العالمية الحادة مع القوى الأخرى.

وعلى الرغم من قلة موارد روسيا التي قد تمكنها من تعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية مقارنة بمنافسيها، فإن الخبراء في مركز ستراتفور الأميركي للدراسات الأمنية والإستراتيجية يرصدون في تحليل نشره المركز مؤخرا كيف أن موسكو نجحت في أن تخط طريقها عبر معاملات أكثر مرونة ولا تقدم جملة واسعة من الشروط، في سياسة شبيهة بالسياسة الصينية.

يقود رجل الأعمال يفغيني بريغوجين، مهمة زيادة البصمة الروسية في أفريقيا. فعبر أصوله، تستطيع روسيا التأثير على المنظمات الإعلامية والمؤسسات غير الحكومية وتقديم المشورة للقادة الأفارقة
يقود رجل الأعمال يفغيني بريغوجين، مهمة زيادة البصمة الروسية في أفريقيا. فعبر أصوله، تستطيع روسيا التأثير على المنظمات الإعلامية والمؤسسات غير الحكومية وتقديم المشورة للقادة الأفارقة

ويلفت الخبراء إلى أنه على الرغم من أن موسكو قد لا تتمتع بنفس قدرات وموارد القوى الأخرى، فقد تمكنت من إدخال نفسها في أفريقيا أين طورت إستراتيجية متماسكة تتجاوز النهج الثنائي التقليدي لتنمية علاقاتها مع دول القارة بالكامل.

لا تعتبر صياغة سياسة روسيا الأفريقية الحالية صدفة أو محل اهتمام روسي جديد مرتبط بالتطورات في السنوات الأخيرة، بل هي تحديث لسياسة الاتحاد السوفييتي. غير المشهد العالمي الراهن بعض عناصر الإستراتيجية الروسية تجاه أفريقيا. ولم تعد متمركزة حول نشر الأسلحة أو أسس الاقتصاد الماركسي. لكن روسيا واصلت اتباع فكرة الوحدة الأفريقية والقومية القارية لغرس صلات عميقة بين نشطاء ما بعد الاستعمار في أفريقيا وموسكو.

تحولت روسيا من العمل مع الحركات الثورية إلى التفكير في المصالح التي يمكن أن تنتج من دعم الحكّام الأفارقة، وخاصة فيما يتعلق بمعارضة التدخل الغربي. مثل روسيا، يشعر العديد من الحكام الأفارقة بضغط غربي على قضاياهم المحلية مثل كيفية انتقال السلطة وماهية القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وسبل التحرر الاقتصادي. ويرى خبراء ستراتفور أن روسيا قادرة على أن تأجج مشاعر القومية الأفريقية بين هؤلاء الحكام، وأن تشجع دولهم على اتباع مسار مستقل عن الغرب.

زادت سياسات حفظ الاستقرار في استعداد روسيا لدعم قادة مثل الرئيس السوري بشار الأسد والفنزويلي نيكولاس مادورو.

تطبق روسيا في أفريقيا نفس المنطق الذي تتبعه في دعم قادة مثل الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حيث دعمت حكم رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى، فوستين أرشانج تواديرا، والرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير حتى سقوط نظامه.

تحتاج روسيا في مواجهتها الحالية مع الغرب إلى جملة من العلاقات البديلة والتكميلية في جميع أنحاء العالم. في أفريقيا، يتجلى هذا التعاون في مظاهر مختلفة، ولكنه عادة ما يتمحور حول الفرص الاقتصادية مثل التمتع بأسواق القارة والصفقات لحيازة الموارد الطبيعية ومبيعات الأسلحة، وجمع حلفاء في الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية الأخرى.

تعتبر الطرق التي تحاول روسيا من خلالها توسيع نفوذها في أفريقيا طموحة، لتركيزها على الارتباطات العسكرية مع الدول الأفريقية، والتي تعتبر بالغة الأهمية في منافستها المستمرة مع القوى الأخرى. ونشرت روسيا متعاقدين عسكريين خاصين في جمهورية أفريقيا الوسطى لإيصال الأسلحة وتدريب القوات الحكومية وتوفير الحماية الشخصية لرئيس البلاد.

Thumbnail

واتخذت موسكو إجراءً مماثلا في ليبيا، أين طوّرت علاقاتها مع مختلف أطراف الصراع. وفي السودان أيد المستشارون الروس الرئيس المعزول عمر البشير مما قوّض دورهم في انتقال السلطة المعقّد. وفي مايو، أعلنت روسيا عن خطط لنشر خبراء في جمهورية الكونغو لتدريب القوات المحلية على استخدام المعدات العسكرية الروسية.

تعتبر بقية زوايا الإستراتيجية الروسية في أفريقيا غير ملحوظة مقارنة بالجانب العسكري. تشارك روسيا في العمليات المعلوماتية وتدعم التنمية والعلاقات الاقتصادية ومبيعات الأسلحة وغيرها في جميع أنحاء القارة. وتنسق موسكو كل هذه الأنشطة لإقامة علاقات قوية مع القادة الأفارقة.

تناولت صحيفة الغارديان عددا من الوثائق المسربة التي تحصل عليها مركز دوساير والمعارض الروسي المنفي ميخائيل غودوركوفسكي. ووفقا للتسريبات، يقود رجل الأعمال في مجال التموين في سانت بطرسبرغ والمقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يفغيني بريغوجين، مهمة زيادة البصمة الروسية في أفريقيا.

عبر بريغوجين وأصوله الخاصة، تستطيع روسيا توفير ضمانات شركة “فاغنر” الأمنية الخاصة، والتأثير على المنظمات الإعلامية المحلية والمؤسسات غير الحكومية، وتقديم المشورة المباشرة للقادة الأفارقة. ويوفر الهيكل غير الرسمي نسبة مرونة لا يسمح بها نشاط الدولة العلني.

إلى جانب ذلك تنخرط روسيا في اتصالات اقتصادية وعسكرية مباشرة مع أفريقيا. وتتمثل إحدى الخطوات الكبيرة في هذا الاتجاه في القمة الروسية الأفريقية. بالإضافة إلى كونها لفتة رمزية لأفريقيا، توفر هذه القمة فرصا واقعية وعملية لكل من روسيا والقادة الأفارقة وتمكنهم من التوصل إلى سبل تعاملات اقتصادية مستدامة تفيد الجانبين.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يشير الخبراء إلى أن الخطط الروسية تتضمن مشاريع بنية تحتية ضخمة مثل إنشاء السكك الحديدية أو الطرق السريعة التي تربط ساحل البحر الأحمر بغرب أفريقيا. كانت هذه الخطة مجرد آمال أفريقية حالت عقبات التمويل الهائلة التي ترافقها دون تنفيذها.

التقاء الطموح بالواقع

Thumbnail

بينما حققت روسيا نجاحات عديدة في أفريقيا، يبقى ثمن تحقيق كامل طموحاتها باهظا. ويفسر خبراء ستراتفور ذلك بقولهم إن روسيا لا تملك الموارد المالية الهائلة التي تتمتع بها القوى العالمية الأخرى، ولا تستطيع بذلك شراء علاقات مع الدول الأفريقية أو تمويل المشاريع الكبيرة. في الساحة العالمية التي تحمي فيها القوى الأخرى نفوذها وتوسّعه، يمكن أن تعيق القيود الروسية تحقيق آمال البلاد.

تتمتع دول مثل الصين، على سبيل المثال، بثروة أكبر تمكنها من توفير حوافز اقتصادية للقادة الأفارقة (على الرغم من أن التحديات الاقتصادية المحلية حدت من طبيعة الإنفاق الصيني على البنية التحتية في أفريقيا).

وفي الوقت نفسه، يمكن أن تقدم بعض الجهات الغربية الفاعلة مثل فرنسا أو الولايات المتحدة روابط أكثر استدامة لأسواق القارة، بالإضافة إلى دعم متطور على المستوى الأمني والدفاعي. ومع ذلك، يشعر العديد من القادة الأفارقة بمخاوف تجاه المطالب الغربية التي تشجع ممارسات سياسية تهدد مواقفهم. كما يخشون أن يغرق الدعم الصيني اقتصادهم الضعيف في الديون.

لكن، في حين تبقى روسيا مقيدة بمواردها، يمكن أن تفيد المخاوف بشأن الممارسات الغربية والصينية موسكو في سباق التنافس على النفوذ في أفريقيا.

6