نفوذ موسكو المتنامي وغير المكتمل في سوريا

السبت 2016/04/16

طالما تذمر الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز من استعداد السياسيين الدائم لشن الحروب وطلب النصر دون حساب التكاليف الاقتصادية المترتبة على ذلك. إذ دخلت بريطانيا الحربين العالميتين بطموحات تفوق قدرتها الاقتصادية، وكذلك فعلت كل من ألمانيا النازية مع أدولف هتلر، واليابان التي هاجمت قاعدة بيرل هاربر عام 1941. ولقد كانت العواقب وخيمة على الجميع، إذ خطت هزائمهم درسا تاريخيا بدا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لم يكترث له عندما اندفع قافزا من مغامرة عسكرية إلى أخرى، في أوكرانيا، ثم في سوريا، قبل أن يتراجع بصورة جزئية.

عندما دخلت روسيا الحرب في سوريا، سارع الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى تحذيرها من التسرع الذي قد يقودها إلى التورط في المستنقع السوري. ولم يكن تصريح سيد البيت الأبيض عبارة عن تكهن فطن بالمستقبل المجهول، ولم يكن فهما عميقا لدروس التاريخ، بل كان تصريحا متسرعا بدوره، يظهر الرغبة الأميركية في مرحلتها الأولى، والتي قد تتحول، في مراحل لاحقة، إلى عزيمة استراتيجية تهدف إلى إفساد “النزهة” الروسية في سوريا.

لكن الشكوك راودت أوباما بسرعة، مع تحقيق التدخل العسكري الروسي نتائج ملموسة لمصلحة الأسد وحلفائه. وقد عبر أوباما عن شكوكه عندما تناسى تكهناته السابقة بشأن المستنقع السوري، مطلقا تكهنات جديدة تقول إن النجاح الروسي ضدّ قوات المعارضة السورية، ضعيفة التدريب والتسليح، متوقع وغير مفاجئ.

في ظل تلك الشكوك التي كانت تحيط بواشنطن، والنجاحات التي تحصدها موسكو جاء الانسحاب العسكري الجزئي الروسي من سوريا ما شكل مفاجأة كبيرة. كان واضحا أن أحد أسباب الانسحاب هو انفتاح أفق التسوية السياسية التي ستكون متوافقة، إلى حدّ بعيد، مع مصالح موسكو.

بانسحابها ذاك، أرادت روسيا أن تقدّم نفسها كوسيط نزيه في المفاوضات، وأن تجمع من حولها أكبر قدر من المعارضة السورية وهو ما كان متعذرا حين كانت تقاتل إلى جانب الأسد. خلال الشهر الماضي كثفت موسكو من لقاءاتها مع المعارضة، ولم يقتصر الأمر على المعارضة المقربة من نظام الأسد، بل التقى نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف الرئيسين السابقين للائتلاف الوطني لقوى المعارضة، معاذ الخطيب وأحمد الجربا، ودعا الهيئة العليا للمفاوضات لزيارة موسكو. كل ذلك لم يكن ممكنا قبل شهر واحد فقط، أي قبل إعلان الانسحاب العسكري.

مع انعقاد الجولة الثالثة من مفاوضات جنيف وتأكيد المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا أن هدفها هو ما لا يطيق النظام السوري سماعه أي “الانتقال السياسي”، يتأكد أن التواجد العسكري الروسي في سوريا ساعد، بالفعل، في زيادة النفوذ، وتاليا الضغوط على الأسد. ارتقت النصائح والاستشارات الروسية إلى ما هو أبعد من ذلك حتى اقتربت ببطء لتصبح مطالب أو أوامر في بعض المسائل، وهذا بالتحديد هو ما كان مطلوبا لانفتاح أفق التسوية.

لكن النفوذ الروسي في سوريا لم يبلغ بعد تلك المرحلة التي يكون معها الحل السياسي أقرب إلى التحقق. فحتى اليوم، لا تزال يد الحرب هي العليا، فيما يحتفظ النظام السوري ببعض الأوراق للمناورة وللتملص من الضغوط الروسية المتصاعدة. لقد أعاقت كل من إيران وحزب الله عملية تحقق النفوذ الروسي التام في سوريا، كما استفاد الأسد بدهاء من تعدد الحلفاء ومن التباينات الجزئية الموجودة بينهم ليبعد عن نفسه خطر تكريس النفوذ التام لأي طرف، سواء نفوذ موسكو أو نفوذ طهران. حاول الأسد تكريس وجود الجيش السوري باعتباره القوة الأكبر، ورغم تزايد أعداد الميليشيات المساندة له ولكنها كانت ملزمة بالتنسيق مع الجيش، بل كانت تتلقى الدعم بالسلاح الثقيل عبر الجيش. ولكن، مع تكريس التواجد العسكري الروسي في سوريا، نجحت موسكو في نسج صلات خاصة مع مجموعات وميليشيات عسكرية تقاتل إلى جانب الأسد، وهو ما أضعف من المركزية الشديدة التي يتمتع بها.

ومما ساعد في تكريس نفوذ روسيا هو القناعة الكاملة التي باتت سائدة اليوم بأن الدور الروسي ليس مجرد دور مساند، ففي هذه المرحلة الحرجة من عمر النظام السوري صار ذلك الدور حاسما في بقائه. وتأكد ذلك بما لا يدع مجالا للشك مع إيقاف روسيا لهجماتها على فصائل المعارضة وقصر الدعم للنظام في معاركه مع تنظيم داعش. إذ أتاح ذلك للمعارضة استعادة السيطرة على مناطق حيوية في ريف حلب الجنوبي كانت قد خسرتها في ذروة الحملة الجوية الروسية.

تراجعت روسيا وبصورة جزئية عن اندفاعها في سوريا وذلك بعد أن كرست نفوذها هناك. ولكنها حققت مكاسب أخرى، أولها إنقاذ النظام السوري الذي كان يتجه لخسارة المعركة، وإنقاذ نفسها من العزلة الدولية التي أحيطت بها بسبب الأزمة الأوكرانية إذ تحولت إلى شريك دولي رئيسي. ولا ضير بعد ذلك من أن يصغي بوتين إلى نصيحة جون مينارد كينز حول ضرورة التنبه إلى التكاليف العسكرية الهائلة، وخصوصا عندما لا يكون الاقتصاد في أفضل أحواله، كما هو حال الاقتصاد الروسي المتداعي.

كاتب فلسطيني سوري

8