نفور المجتمع يعزز السلوك المنحرف عند المجرم

السبت 2014/11/15
المجتمع والظروف الاجتماعية يدفعان الإنسان لارتكاب الجريمة

القاهرة- مع تطور المجتمعات وتعدد الاحتياجات وشدة الاختلافات وكثرة الصراعات، تبرز في الأفق قضية شائكة ألا وهي الجريمة، والتي تتكون من عنصرين، جان ومجني عليه، فإذا كان المجني عليه هو الضحية، فإن الجاني يتحمل مسؤولية جريمته، سواء أكانت تلك الجريمة قد وقعت بدوافع معينة، أم بتحريض من غيره.

قد يكون المجرم بريئا، أو اندفع مضطرا إلى الجريمة، أو ارتكبها دون أن يكون متعمدا.. وهنا يأتي دور المجتمع في استهجان ذلك المجرم والمساهمة في تكرار جرائمه، ونبذه خارج إطار التعامل معه أو احتضانه، أو إعادة تأهيله للاندماج في المجتمع، وفي هذا السياق تبرز الأهمية القصوى لعلم الاجتماع في تفسير تطور عملية الإجرام لدى الشخص.

وفي هذا الصدد أكدت نظرية العالم والطبيب الإيطالي “لامبروزو”، أن الإنسان الذي يرتكب الجريمة أيا كان نوعها هو مجرم بالفطرة، ولكن الأحداث تبرز في طياتها ما يخالف هذه النظرية، حيث توجد حالات تعكس واقعا جديدا.

تسرد “نادية . م”، قصتها فتقول: زوجي دائما كان يتشاجر معي، وفي إحدى الليالي طردني من المنزل بملابس النوم، فظللت أهرول في الطرقات في الظلام الدامس لا أجد من يحميني من أخطار الطريق، إلى أن أوقفت تاكسي، ولم أدر إلى أين أخذني، فقد أخبرني بأنه سيجعلني أقيم في فندق، ولكنه ذهب بي إلى شقة بها مجموعة من الرجال يجالسون فتيات ليل، وفي نفس اللحظة اقتحمت الشرطة المكان، وتم القبض على الجميع، وتم سجني بتهمة ارتكاب الرذيلة، وخلال هذه الفترة لم يزرني أحد من أهلي، ولا حتى زوجي، فقد صدقوا أنني مذنبة، وحينما تم الإفراج عني علمت أن زوجي طلقني وتزوج بأخرى، فحرمت من رؤية ابني الوحيد، وحينما ذهبت إلى أهلي قاموا بطردي، وظللت في الشوارع والطرقات شاردة لا أعرف هدفا أسعى إليه، ولم أستطع الحصول على عمل شريف، فضاقت بي الدنيا ولم أجد غير طريق الرذيلة فسرت فيه، ليتم القبض عليّ مرة أخرى.

يجب التفريق دائما بين معتاد الإجرام وبين المجرم، الذي قام بارتكاب جريمته نتيجة دوافع وقتية تغيرت بتغير ظروفه الاجتماعية

أما “شيماء . ن” فتحكي قصتها مع الجريمة قائلة: كنت أعاني بُعد زوجي وانشغاله عني، وكان كل همه النجاح في عمله، وزيادة سمعة شركته وازدهارها، فكان يعمل مهندسا، ولم أجد بجانبي من يشاركني أحلامي وأحزاني وهمومي، وشعرت وكأني غير متزوجة، إلى أن تعرفت على صديق زوجي، عاملني بكل حب وحنان، ووجدته متفهما لمشاعري وأحاسيسي، وزاد التقارب بيننا إلى أن سرنا معا في طريق الرذيلة دون أن ندري، وتعددت لقاءاتنا السرية، وذات يوم فوجئت بزوجي وقد علم بالأمر، فطلقني وحرمني من أولادي، وتخلى أهلي عني وتبرؤوا مني، فهربت مع صديق زوجي وعشنا معا لبعض الوقت، ولكنه سرعان ما تخلى عني فشعرت بالضياع، فقد خسرت كل شيء زوجي وأولادي وأهلي، وقبل كل ذلك خسرت نفسي، فأصبحت أبحث عن العواطف والأحاسيس التي أنشدها مع كل رجل أقابله، إلى أن تم القبض عليّ، وحرمت من الحياة الهادئة السعيدة التي كنت أحياها نتيجة نزوة.

ويقول محمود .ص 37 سنة: زوج والدتي طردني وحرَّم عليّ دخول المنزل نهائيا، فلم أجد غير الشوارع ملجأ لي، خاصة وقد تخلى عني كل أقاربي، فتعرفت على مجموعة من رفقاء السوء علموني السرقة والنصب، اللذين أصبحا مهنتي التي لا أعرف غيرها، وكانت نهايتي في السجن، لأنني بعد خروجي منه وجدت صعوبة في العيش وكسب الرزق من مورد حلال، وخاصة بعد أن أصبحت من أصحاب السوابق، فلم أجد أمامي غير العودة إلى طريق الجريمة مرة أخرى.

نفى الدكتور محمد ياسر الخواجة أستاذ علم الاجتماع، صحة نظرية العالم الإيطالي “لامبروزو”، بأن مرتكب الجريمة هو مجرم بطبعه، وأثبت أن النظرية خاطئة، مؤكدا أن الإنسان يولد طبيعيا لا يحمل أي صفات إجرامية، ولكن المجتمع والظروف الاجتماعية هي التي تدفع بعض الناس لارتكاب الجرائم، موضحا بذلك أن الإنسان ابن بيئته التي يعيش فيها، والظروف التي تتحكم فيه، وبالتالي تلعب هذه الظروف دورا مؤثرا في ارتكاب الجريمة، كما أضاف الخواجة بأن علم الاجتماع أثبت أن الجريمة التي يرتكبها المجرم وتدخله السجن، يصبح السجن أداة لزيادة الجريمة، فقد يتعلم المجرم الإجرام من المجتمع حين يجد نفورا منه، باعتباره من أرباب السوابق الذين يتحاشى الناس التعامل معهم، وبالتالي يشعر بالعزلة ومحاربة الناس له، فيلجأ إلى الجريمة مرة أخرى.

ويؤكد الخواجة على إمكانية تقويم المجرم؛ ليكون مواطنا صالحا مرة أخرى من خلال بعض الوسائل، ومن أبرزها أنه لابد وأن يشعر بأنه أخطأ في حق المجتمع وحق نفسه بارتكابه للجريمة، وذلك بعقابه بما يتناسب ونوع جريمته التي قام بها، وأن يتم التعامل مع هذا المجرم ليس من منطلق الشفقة، وإنما من منطلق التعامل الإيجابي، بمعنى أن لا أذكره بجريمته باستمرار، وإنما عليّ أن أجعله قادرا على تجاوز هذه الجريمة، حتى لا تصبح مشكلة نفسية تؤثر عليه تأثيرا سلبيا وتزيد من انحرافه داخل المجتمع، وكذلك لابد أن يحظى بالقبول الاجتماعي، عقب قضاء مدة عقوبته، من أفراد المجتمع، حتى لا يشعر بالعزلة واليأس الذي قد يدفعه إلى العودة لارتكاب الجريمة مرة أخرى.

لابد أن يحظى المجرم بالقبول الاجتماعي، عقب قضاء مدة عقوبته، حتى لا يشعر باليأس الذي قد يدفعه إلى العودة لارتكاب الجريمة مرة أخرى

ويتفق الدكتور حمدي محمد المليجي أستاذ علم النفس، مع الدكتور الخواجة في أن الإنسان يولد على الفطرة السليمة، وأشار إلى أن عوامل التربية تلعب دورا مهما في تكوين شخصية المجرم، فالحرمان مثلا أو التعرض لصور متعددة من العدوان البدني العنيف في الطفولة، قد يخلق مجرما عدوانيا يعتدي على الآخرين، أو يسرق مثلا وغير ذلك، وبالتالي نستطيع الجزم أن عوامل التربية هي المسؤول الأول عن تكوين شخصية المجرم، علاوة على الدور الذي تلعبه مؤسسات المجتمع الأخرى في تعزيز السلوك الإجرامي عند المجرم.

ولم يغفل المليجي التأكيد على أهمية التفريق دائما بين معتاد الإجرام وبين المجرم، الذي قام بارتكاب جريمته نتيجة دوافع وقتية تغيرت بتغير ظروفه الاجتماعية، موضحا بذلك أن تغيير نظرة المجتمع للمجرم من الأمور الصعبة، لأنها تدخل في إطار تغيير الاتجاه الذي يعتبر أمرا صعبا، وهو ما دفعه ليقول إن المسؤولية تقع على وسائل الإعلام في توضيح ضرورة تغيير النظرة تجاه هذا المجرم لضمان عدم عودته للجريمة مرة أخرى.

21